الأزمة الليبية بين الحل العسكري والتسوية السلمية

حجم الخط
2

تفادي تحول ليبيا إلى «صومال أو أفغانستان البحر الأبيض المتوسط «، هكذا وصف وزير خارجية اسبانيا خطورة الوضع في ليبيا، التي لم تعد تقلق الليبيين وحدهم، بل دول المنطقة ككل. والحديث عن احتمال تحول ليبيا إلى صومال جديد ليس من باب الترف الإعلامي، لأن العارف بحيثيات الأزمة الصومالية سيجد الكثير من نقاط الالتقاء بين الحالتين، ولهذا ليس من الغريب أن نجد اهتماما دوليا وإقليمي بهذه الازمة، وتحركات دبلوماسية وحتى غير دبلوماسية لاحتوائها، وهو ما يطرح التساؤل حول مستقبل الأزمة الليبية في ظل هذه التحركات. وحسب معطيات الواقع هناك أربعة سيناريوهات يمكن أن تعرفها الأزمة في ليبيا:

حرب أهلية

وهناك مجموعة من المعطيات تعزز هذا الطرح إذا ما لم يتم إيجاد تسوية عاجلة:
انتشار السلاح سواء ذلك الذي تركه نظام القذافي، أو الذي يتم الحصول عليه من تجار السلاح المنتشرين بشكل كبـــير في المنطقة، بفعل ضعف مراقبة الحدود، سواء من الجانب الليبي، أو من جانب دول الجوار الواقعة على حدوده الجنوبية، ومعنى ذلك أن حطب الحرب متوفر.
تعدد المجموعات المسلحة وتزايدها، التي تقدر بحوالي 1700 مجموعة، تتنوع في طبيعتها وأجنداتها ما بين مليشيات ثورية، وأخرى قبلية وبقايا النظام السابق، ومليشيات إسلامية ومجموعات متشددة لها روابط مع تنظيمات خارجية. ورغم هذا الاختلاف إلا أن الأزمة السياسية الأخيرة جعلتها تنخرط بكل ثقلها في الصراع، سواء في إطار عملية الكرامة أو في إطار عملية فجر ليبيا. وإذا كانت المعارك اليوم تدار بشكل أساسي في كل من طرابلس وبنغازي والمناطق المحيطة بها، فإنه من غير المستبعد ان تمتد إلى نطاق أوسع يشمل كل ليبيا.
تسلح القبائل، الذي كان من آثاره سعيها إلى السيطرة على المناطق التي توجد عليها وعلى المرافق الحيوية، في محاولة منها لفرض نفسها في عملية توزيع السلطة والثروة، ولعل أهم تمظهرات ذلك جنوح اقليم برقة إلى الحكم الذاتي وإنشائه حكومة وجيشا، وهو ما يهدد بتحول ليبيا إلى دويلات قد تتصارع مع بعضها بعضا، أو مع السلطة المركزية، كما حدث في الأزمة بين حكومة علي زيدان السابقة والمجلس التنفيذي لبرقة عندما عمل الأخير على تصدير النفط بعيدا عن سلطة الحكومة المركزية. كما أن من آثار انتشار السلاح بين القبائل وقوع اشتباكات في ما بينها كالتي تعرفها مناطق الجنوب بين القبائل العربية وغير العربية، وهو ما يهدد بخطر حرب قبلية كما كان الأمر في الصومال.
تدويل الأزمة الداخلية
بمعنى تورط جهات خارجية في الصراع الدائر على الساحة الليبية، وهو سيناريو محتمل إذا ما صدقت بعض الأخبار والاتهامات التي وجهت لبعض الدول، خاصة الامارات ومصر من جهة وقطر والسودان من جهة آخرى، وهو ما قد يجعل ليبيا ساحة لتصريف الخلافات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، ومؤيدي الاسلام السياسي ومعارضيه في المنطقة العربية بشكل عام. إن استدعاء جهات خارجية في الأزمة الداخلية لن يعمل إلا على خلق حالة من التوازن بين أطراف الصراع ستصعب بدورها من عملية إيجاد التسوية وتقديم التنازلات، خاصة أن لها الموارد المادية الكافية التي يمكن ان تعينها على الصمود في مواقفها، بفعل ما تتوفر عليه البلاد من ثروات نفطية وغاز.

إخضاع ليبيا إلى مقتضيات
الفصل السابع من الميثاق الأممي

أي استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يعطي لحلف الناتو الحق في استعمال القوة لضرب المجموعات الإرهابية في ليبيا، كما تروج لذلك فرنسا وإيطاليا.
غير أن خطوة كهذه ليس من المرجح أن تحظى بإجماع داخل ليبيا، كما كان الشأن إبان الثورة ضد نظام القذافي، حيث كان هدف الجميع وقتها واحدا، فأي تدخل عسكري في ظل حالة الانقسام والاستقطاب الداخلي سوف ينظر إليه على أنه انحياز لأحد الأطراف، خاصة في ظل الروابط التي تجمع هذه المجموعات المسلحة في ما بينها من جهة، ومع النخب السياسية من جهة أخرى.
كما أن هذه الخطوة قد تثير الجدل حول أي مجموعات ستستهدف، هل هي تلك المدرجة في اللائحة الدولية للإرهاب كأنصار الشريعة، أم أن الأمر سيشمل كل المليشيات الإسلامية في ليبيا، التي يصفها خصومها بالإرهابية، والتي تشارك في عملية فجر ليبيا وتحظى بغطاء سياسي من المؤتمر الوطني الليبي، مما يعني أن استهدافها قد يفسر على أنه استهداف لجبهة بأكملها، هذا من دون نسيان الغطاء الاجتماعي الذي تحظى به هذه المجموعات، حيث أن البعد القبلي حاضر بقوة في ليبيا، وأي استهداف لأبناء القبيلة سيثير ردود فعل من القبيلة بأكملها.
إن أي تدخل تحت غطاء أممي بأهداف غير واضحة قد يكرر سيناريو الصومال نفسه الذي كانت نتيجته تحول المنظمة إلى طرف في النزاع، بعد أن رأت فيها الفصائل الصومالية قوة احتلال وجعلتها هدفا لهجماتها، مما اضطرها في نهاية المطاف إلى إعلان فشلها وانسحابها من هذا البلد من دون حل الأزمة.
التسوية السلمية
للأزمة

بمعنى إيجاد حل سياسي للازمة ينهي حالة الاقتتال ويعيد توحيد المؤسسات السياسية، وهذا ممكن في ظل ادراك البعض لمخاطر الحل العسكري، فاغلب المبادرات الدبلوماسية، سواء من الأمم المتحدة أو من بعض الدول الاقليمية اجمعت على ضرورة نبذ العنف وفتح حوار وطني شامل، لكن يبقى الإشكال أن هذه الجهود لم تستطع إلى الآن إقناع أطراف الأزمة بالجلوس إلى طاولة الحوار وحل خلافاتها السياسية بعيدا عن لغة السلاح.
وهو ما يتطلب مزيدا من الجهد، سواء من المنظمة الأممية أو من الأطراف الإقليمية التي عليها أن توحد مواقفها، خاصة مصر والجزائر اللتين على ما يبدو تختلفان في رؤيتهما لسبل التعاطي مع الازمة، حيث تصر الاولى على محاربة الارهاب، في حين تؤكد الثانية على الحوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وصب الزيت على النار.
كما يجب اشراك الفعاليات الليبية كالأعيان ومجالس الحكماء ومجالس الشورى وفعاليات المجتمع المدني في عمليات الوساطة، كما تم في اتفاق بنغازي، الذي كان رغم محدودية نتائجه، إشارة إيجابية على الدور الذي يمكن أن تقوم به أطراف ثالثة في التقريب بين وجهات النظر. كما أن الحوار يجب أن يركز على نقطتين أساسيتين، اولهما توزيع الثروة والسلطة، لأن هذا البعد حاضر بقوة في الصراع وإن كان محجوبا بقضايا الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية والرؤى الليبرالية والرؤى الإسلامية للدولة، وما اختيار طرابلس وبنغازي مسرحين للصراع إلا تعبير عن ذلك، وهو حاضر ايضا في دعوات الحكم الذاتي وإحياء الفيدرالية التي تطالب بها العديد من المناطق. المسألة الثانية هي الاتفاق على قضية نزع سلاح المليشيات والطريقة وكذا الجهة التي ستقوم بذلك، والضمانات التي يمكن ان تقدم، لأنه في ظل فوضى السلاح والمليشيات هذه لا يمكن الحديث عن دولة لها سيادة، غير أنه يجب الاستفادة من أخطاء تجربة نزع السلاح في الصومال.
بشكل عام يبقى الحل السلمي في إطار حوار وطني شامل هو الأجدى وهو الأقل تكلفة من خيارات الحل العسكري، لأن هذا الاخير لن يعمل إلا على تمديد النزاع وتهديد أمن ووحدة ليبيا، والواقع الصومالي خير مثال على أين يمكن أن تذهب بنا الحلول العسكرية، فلا الخلافات حلت ولا الأمن استتب ولا الدولة بنيت.

٭ باحثة في العلاقات الدولية
جامعة محمد الخامس الرباط

إيمان حسين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية