جمهوران وساحة واحدة: حراك لا يقبل الانقسام؟

يمكن اعتبار الصور الواردة من الاحتجاجات الاجتماعية الممتدة من أمريكا اللاتينية إلى العالم العربي جانباً مهماً من الخطاب السياسي والاجتماعي في عالم اليوم، فبعد عصر سادت فيه البيانات الحزبية والكراسات التثقيفية، التي تحاول صياغة الفعل الاجتماعي في نص متماسك، تهيمن اليوم أساليب تعبير أكثر تنوعاً ومرونة وقابلية للتأويل، تعتمد بشكل مباشر على الهيئة العامة للمحتجين وأجسادهم، والعبارات القصيرة التي يكتبونها على لافتاتهم. وكل هذا يتم نقله عبر صور يسهل مشاركتها وانتشارها على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
ضمن هذا الشرط يمكن ملاحظة تغيّر أساسي في الوجوه والأشكال التي تظهر في واجهة التظاهرات: في البداية غالباً ما يظهر أبناء الضواحي والمناطق الريفية وشبه الريفية، وأغلبهم من الذكور الغاضبين، الذين يتحدثون بشكل مباشر عن الفقر والبطالة والظلم الاجتماعي. في ما بعد تبدأ «المظاهر الحضارية» بالبروز، فنرى جمهوراً أكثر تنوعاً: شابات وشبانا من الفئة الوسطى. بمطالب متعددة ومتضاربة أحياناً، وأساليب تعبير أشد لفتاً للانتباه.
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة كثيراً من انتفاضات الضواحي والمناطق المهمشة، التي ارتبطت عادة بالعنف الشديد وأعمال الشغب، وكانت منفصلة عادةً عن احتجاجات الفئات الأكثر حظاً. فبينما يحرق الفقراء والعاطلون عن العمل السيارات عشوائياً، أو ينخرطون في تظاهرات توصف بالعنصرية أو التطرف، يتحرك أبناء الطبقة الوسطى لأجل قضايا مثل البيئة وحرية الإنترنت ورفض الحرب. هذه الصورة النمطية تراجعت في أيامنا، وبتنا نرى الجمهورين يجتمعان في ميدان واحد، بعد أن طال التدهور الاجتماعي شرائح أوسع من المجتمع. فهل من الممكن قيام ائتلاف طبقي بين جمهورين مختلفين بالفعل؟ وإلى أي مدى يمكن للاجتماعي، الذي يعود ليحتل المقدمة، أن يصبح رمزاً لوحدة المطالب المتنوعة للمحتجين؟ وهل تَصَدّرُ الفئات، التي يمكن وصفها بالبورجوازية الصغيرة والمتوسطة، للصورة العامة للاحتجاج يمكن أن يؤسس لكتلة اجتماعية قادرة على التغيير؟

الطبقة القائدة

صياغة كتلة شعبية من جمهور متنوع هي الأطروحة الأساسية للشعبوية اليسارية، إلا أن منظريها الأساسيين حاولوا تجنب معالجة المسألة الطبقية بشكل واضح، على اعتبار أن التحديد الطبقي بات مُتجاوزاً نسبياً في مجتمعات ما بعد صناعية. بالنسبة لأرنستو لاكلو وشانتال موف، لم تعد الطبقة العاملة لوحدها هي المحرك المحتمل للاحتجاج والتغيير الاجتماعي، ولا بد من الانتباه إلى الفئات الجديدة، التي برزت بقوة في الساحة، مثل النساء والمثليين والمهاجرين. أما نانسي فريزر فبنت جانباً مهماً من طرحها على نقد النظرية الكلاسيكية للحيّز العام، كما وردت عند هابرماس أساساً، وتحدثت عن حيّز أكثر تنوعاً مما تفهمه العقلانية البورجوازية، يحوي الفئات التي تسعى للاعتراف الاجتماعي. هكذا يقوم الائتلاف الجماهيري، الذي يقترحه الشعبويون، على تلازم قضايا إعادة توزيع الثروة مع قضايا الاعتراف، بدون طرح مسألة القيادة الطبقية لهذا الائتلاف، وهي المسألة التي ناقشها الماركسيون الكلاسيكيون طويلاً، وتوصلوا إلى ضرورة قيادة الطبقة العاملة لبقية الفئات الثائرة، مثل الفلاحين والبورجوازية الصغيرة، أو قيادة العمال للأمة بأكملها، في البلدان التي لا تزال في مرحلة التحرر الوطني والتحديث، حسب الصيغة التروتسكية الشهيرة.
تجاوز «اليسار الجديد» لهذه المسألة أدى في التجربة العملية إلى نشوء حركات وتنظيمات ضعيفة الفعالية، مشتتة بين التعبير عن هواجس الفئات المتوسطة حول الفردانية ونمط الحياة، والهموم الاجتماعية للفئات الأفقر عن فرص العمل، والقدرة الشرائية والتأمينات الاجتماعية، عموماً يمكن القول إن قيادات تنظيمات «اليسار الجديد» مالت أكثر لتمثيل الفئة الأولى، خاصة أن مطالبها قابلة أكثر للتحقق، ولا تصطدم مباشرة مع المنظومة القائمة، التي باتت بالفعل أكثر تقدمية. في حين أن المسألة الاجتماعية تتطلب حلولاً أكثر تعقيداً، ومواجهة أشد جذرية مع السلطة. دعك من أن مطالب الفئات الوسطى، مثل فتح الحدود للهجرة والانتقال البيئي، تصبح أحياناً متعارضة بشكل مباشر مع تطلعات الطبقات الأدنى، التي تظن أن هذه المسائل تشكل تهديداً لفرص عملها، وعبئاً ضريباً يثقل كاهلها. في العالم العربي تصطدم، في كثير من الأحيان، قضايا الحريات الفردية وتطوير الإطار القانوني والدستوري بما يتناسب معها، مع منظور يمكن وصفه بالمحافظ اجتماعياً لدى الفئات الشعبية، ما يجعل الأحلام التحررية لجانب من الفئة الوسطى تتحطم غالباً، ويسود الحديث بعدها عن «الثورات المسروقة».

لا يعود تشوش منظور الحراك الاجتماعي المعاصر إلى تخاذل البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، أو خوفها من التغيير الفعلي، كما أن الطبقات الدنيا ليست حالياً الحامل الأكثر جذرية لمشروع التحويل الثوري للمجتمع.

«غير قابل للانقسام»

يمكن رصد أزمة اليسار الجديد بوضوح في الخلاف بين «اليسار الاجتماعي» و«اليسار الهوياتي»، الذي تجسّد في السنوات الأخيرة في الصراع الذي يشهده يسار الحزب الديمقراطي الأمريكي، وحركة «الاشتراكيين الديمقراطيين»، حول شعار «إفعل الأمرين معاً»، أي ضرورة تجاور المطالب الطبقية مع المطالب الهوياتية. وهو شعار يتم انتقاده من أقلية من اليسار الأمريكي، ترى أن الاحتجاج الاجتماعي سيصبح خاضعاً للأيديولوجيا النيوليبرالية إن ركز على قضايا الهوية.
في ألمانيا أدى الصراع بين جناحي اليسار، إلى موجة تظاهرات ضخمة، نظمتها القوى اليسارية المكرسة تحت شعار Unteilbar «غير قابل للانقسام»، أي أن محاربة العنصرية وقضايا الجندر والاعتراف، لا يمكن فصلها عن القضايا الاجتماعية مثل، أجور المساكن وحقوق العمل. وهو رد مباشر على انتقادات «اليسار الاجتماعي» المتصاعدة، إلا أن هذه التظاهرات حوت مزيجاً غير متجانس من المطالب والتنظيمات، ولم تعرف مشاركة واسعة من الفئات التي من المفترض أن تعنيها الشعارات الاجتماعية، فبدت مظهراً بورجوازياً مرعياً من أجهزة الدولة ووسائل الإعلام. يبدو أن هنالك كثيرا مما هو قابل للانقسام في الحراك الاجتماعي المعاصر.
في الحالة التي يجتمع فيها جمهور الطبقتين في حراك واحد فمن المرجّح أن ينشأ نوع من النزاع الطبقي بين المحتجين، فنصبح أمام صراع مركّب: مواجهة بين المحتجين والسلطة، وأخرى بين المحتجين أنفسهم. سبق للينين أن تحدث عن حالة شبيهة في كراسه «خطتا الاشتراكية الديمقراطية في ثورتنا»، الصادر عام 1905، حين افترض الثوريون الروس أن البلاد تشهد ثورة بورجوازية ضد الأوتوقراطية الروسية، واختلفوا حول الطبقة التي بإمكانها تحقيق مهمات هذه الثورة. بالنسبة للينين فإن التغيير المنشود لن يكون إلا من خلال تحقيق هيمنة الطبقات الدنيا، التي ستتجاوز تخاذل البورجوازية الروسية في تحقيق ما يفترض أنه مهمتها التاريخية، بعبارة أخرى طالب لينين بالديكتاتورية – الديمقراطية للعمال والفلاحين لتحقيق أهداف مثل، إطلاق الحريات العامة، وفصل الدين عن الدولة، وحد أدنى من إعادة توزيع الملكية، أي أنه رأى قابلية الحراك للانقسام، وسعى إلى تكريسه إلى أبعد حد، إلا أننا لا نمر اليوم بالتأكيد بمرحلة ثورة بورجوازية أو بروليتارية، والمهام الثورية ليست واضحة، كما أنه لا يوجد من يمتلك منظوراً تاريخانياً لمراحل التغيير المتدرجة، يشبه منظور اشتراكيي مطلع القرن الماضي.

طبقات غير طبقية

لا يعود تشوش منظور الحراك الاجتماعي المعاصر إلى تخاذل البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، أو خوفها من التغيير الفعلي، كما أن الطبقات الدنيا ليست حالياً الحامل الأكثر جذرية لمشروع التحويل الثوري للمجتمع. هنالك حالة سخط عامة تنتج مطالب لا يمكن صياغتها في برنامج متماسك. وضمن هذا الشرط لا يمكن التعويل على «استعادة الديمقراطية وتجذيرها» كما يطالب الشعبويون، كما لا توجد بوادر لنشوء مجالس شعبية يمكنها إنتاج سلطة بديلة. يمكن تفسير هذه الوضع بعدم وجود طبقة اجتماعية لديها القدرة والاستعداد للاستيلاء على السلطة، لتحقيق مشروعها الاجتماعي وفرض هيمنتها الثقافية والأيديولوجية. نحن أمام طبقات غير طبقية بالمعنى السياسي، أي أنها لا تملك وضعاً اجتماعياً يمكّنها من التغيير. يبقى المحتجون في الشارع، منتظرين من السلطة اتخاذ إجراءات ما ترضيهم، وهو وضع مستحيل نوعاً ما، فالسلطة لا تملك القدرة والإرادة للتفكير بدلاً من المحتجين، وتحقيق تغييرات لا يستطيعون هم أنفسهم تحديدها. وفي النهاية لا بد أن يتفكك الائتلاف الطبقي غير المتجانس للحراك الاجتماعي بسبب حالة اللاجدوى التي يعيشها، أو تنفضّ الفئات الوسطى عن الحراك لدى أول قمع عنيف يتعرض له. وتبقى تحركات الفئات الدنيا الأكثر فوضوية، التي لا بد أن تخبو سريعاً لانسداد أفقها.
رغم هذا فربما يؤدي الإفقار المتزايد للفئات الوسطى إلى حالة اجتماعية جديدة تنحلّ فيها قضايا الاعتراف في المسألة المركزية لإعادة التوزيع، فيصبح الجميع، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وميولهم الجنسية، «عمالاً» يعانون من البطالة والوظائف غير المستقرة وغياب حقوق العمل ونزع الملكية العامة، ومن الهيمنة السلطوية بكل أشكالها «الصوابية» سياسياً أو دينياً أو أخلاقياً، فتصبح المهمة الأساسية ليست بناء الشعب، كما يطمح الشعبويون، بل بناء الطبقة التي تعي مصالحها وموقعها الاجتماعي. وعندها يمكن أن يصبح احتلال الميادين فعلاً ذا مغزىً أكبر: حيز عام جديد لسلطة طبقية مضادة للهيمنة الرأسمالية.
٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية