محمد المير غالب… «بين الموسيقى والحرب… وترٌ للذاكرة»

من مخيم للنازحين قرب الحدود التركية، وفي خيمة مهلهلة تضم شاباً وزوجته الحامل، وكلاهما مطارد من قبل جميع الفصائل المتحاربة، تبدأ الرواية، حيث تقنع الزوجة حبيبها بإفراغ ذاكرته المتقدة والمليئة بالخراب والدم، على الورق، ليصنع كتاباً يؤرشف الفجيعة، فتخرج الرواية بصيغتها الموجعة…
«شهد المقابر» الرواية الحائزة جائزة كتارا للرواية العربية 2017، للسوري محمد المير غالب، محاولة جادة لرسم جدارية أحلام وآلام الإنسان داخل بلد كارثي الأحداث، لتظهر على شكل اعترافات غير منحازة إلى تاريخها، بل تلعن ذلك التاريخ الذي أنجب الشر واللهاث وراء مصالح شخصية، وإن كان الدم ثمناً لها، بدون الالتفات إلى مفهوم الوطن وملامسته، وبالتالي نجدها توثيقاً محايداً لا ينقصه الجزع، ورصد الاستهتار بإنسانية الإنسان، بدون أن تقترب المراوغة والتمويه، بل جاءت صادقة صادمة رغم قساوتها…
«زياد» بطل الرواية، شابٌ نضج مع نضوج الفوضى، وشعر بنمو رجولته حين نما الفزع في قلوب الناس البسطاء، وعلت أصوات التفجيرات وأزيز الرصاص وصيحات الاستغاثة وأنين الضحايا، شاب منكسر الأحلام يساق للخدمة العسكرية بداية عام 2011 وفي غفلة منه يجد نفسه وقد ارتدى اللباس العسكري، وفي يده بندقية عليه تصويبها إلى صدور أبناء جلدته من المتظاهرين… أي مرارة يعيش؟ زياد الذي أخذ مؤلف الرواية بيده ليطوف به زوايا الفصائل المتحاربة، ويكشف أدق تفاصيل حياتهم اليومية، ليدخل بالقارئ إلى عالم يعج بالدسائس والموت والإيمان الزائف بـ «المقدسات» بغية الحصول على مكاسب حياتية قد تصل حدود الرغبة بالبقاء على قيد الحياة سويعات أكثر…
شبان، أخوة وأصدقاء وأقارب وأبناء حارة ينجرّون صوب اضطرابات البلد، كل حسب مصيبته، فمنهم من يصبح أميراً لخلية إرهابية، ومنهم من يختار دور الضحية طمعاً في حياة أطول أو خوفاً من سلطة جائرة. بطل الرواية واحد من هؤلاء، يمتلك أحلامه وذاكرته الخصبة، وأفكاره بكل معاناتها وعمق استيعابها لحجم المأساة وفوضويتها، إلا أننا نجده ضعيفاً مسلوب الإرادة، عديم التأثير، فكل محاولاته للخلاص كانت… «كمن يقيس ضغط الدم لجثة، أو يحاكمها على شهادة زور»، ليعترف لنا بصراحة الفاقد للأمل، الذي لا يرى في المستقبل إلا صورة للموت «نحن في هذا الوطن لسنا إلا جثثاً تطمح لتحسين شواهد قبورها، أشلاء من الماضي تصرف حاضرها في تجميل النهاية». هكذا يعترف بطل الرواية بشكل صريح، ليعلن عن ضعفه وخيبته أمام هول الكارثة التي لا يستطيع مجاراتها، بل يعترف بضعفه وزيف بطولته.. «أنا لم أختر نفسي بطلاً، كانت جل أحلامي أن أصير بطلاً في الحب فقط».
في روايته، يحاول محمد المير غالب دراسة التركيبة السايكولوجية لشخوصه، التركيبة الشخصية والنفسية للفرد السوري، الذي عاش الموت المجاني اليومي، واستنشق رائحة الدم الساخن، لذا نجده لا يلتفت كثيراً إلى الأموات حتى حين يذكر مقتل والده وشقيقه، نجده يمر على ذكر موتهم مرور الكرام وكأنه يخبرنا بخبر عابر.. «حين سحب مقاتلو جبهة الأبابيل جثتيّ أبي وأخي أمام عينيّ من الفيلا الثالثة وأحرقوها، لم يتحرك في داخلي أي شيء، كان الأول قد تلقى رصاصتين في الصدر، والثاني رصاصة حارة في الجبهة، لم يصور أحد جثتيهما بسبب سرعة التنفيذ». يأتي هذا في الوقت الذي تحاول فيه الرواية الإشارة نحو المستقبل محذرةً من تبعات الحرب وأثرها على الجيل الفتي، الجيل الذي أسسته الحرب، جيل خراب لا محالة.. «كيف يمكنكَ أن تجلس أمام طفل ـ جمجمته مملوءة بصور الخراب، وأصوات المدافع، بل وأنين معاول القبور ـ لتطالبه بأن يؤسس جيلاً جديداً عطوفاً يعيد الأحجار التي دمرناها إلى مكانها، والأشلاء إلى أصحابها؟»، وهو بهذا لا يحاول مراوغة وعيه، فكل الدلائل تشير إلى مستقبل نازف بأرواح زاهقة ظلماً، لكنه، ورغم كل ما يطرحه لنا من سوداوية ولا مبالاة، نجده وقد تحوّل إلى ثائر، حين تأكد من مقتل صديقه «سالم الموسيقي، لكن، حين اصطدم وعيه المتقد بالواقع، أعلن عن هشاشة الإنسان داخلة.. «لأجلك أريد أن أحيا الثأر حتى مطلقه… لكن الأمل يا سالم، هو الكذبة التي نكذبها على أنفسنا ثم نصدقها ونطاردها حتى المقبرة».

يجد القارئ أحياناً، أن الرواية، ما هي إلاّ حالة تهكم يسطرها المؤلف على شكل مزاج روائي مستخف بهول الألم ومرارته، لكنها حقيقة يعيشها وعاشها الكتّاب أبناء البلدان المبتلاة بالحروب.

يجد القارئ أحياناً، أن الرواية، ما هي إلاّ حالة تهكم يسطرها المؤلف على شكل مزاج روائي مستخف بهول الألم ومرارته، لكنها حقيقة يعيشها وعاشها الكتّاب أبناء البلدان المبتلاة بالحروب.. «واضح أني لا أتقن الكتابة وأنا في أمان، وأعجز عن وصف الخوف والرعب، وأنا في حالة سكون وسلام، إن اليد التي يجب قراءة نتاجها، هي اليد التي تكتب وعنق صاحبها ملفوف بحبل المشنقة.. «حالة تلمَّسها بطل الرواية مراراً وهو يسطّر ما تختزنه ذاكرته من قيح حروب ومرارة حصار، ليصل محاولاً الاقتراب من القارئ، واصفاً شخصيته المركَّبة بأقسى صور تهكمهِ.. «أنا زائدة دودية، حرف مضاف لا عمل له، أتيتُ لعائلتي طفلاً ثالثاً وصَفَتْهُ جدتي بالخطأ المطبعي، حيث لم يكن أبي، صانع العرق البلدي، وأمي المصابة بسرطان الثدي ينويان إنجاب طفل… من يملك عائلة مثل عائلتي، يعاني من عقدة أتعس من اليتم ذاته».
حضور واضح للموسيقى في رواية المير غالب لكنها موسيقى الوجع، ففي كل مرة يتلمس القارئ فيها الموسيقى، يجدها حزينة غارقة بدموع الموسيقي الذي قهره الفقد والحنين «وعرفَ (الحرّاس) أن آلة سالم (الموسيقية) لم تكن سوى ماكينة للتفاهة والضجيج، تبكي ذكريات وتر مقطوع، ولا تجرؤ على تلحين نشيد ثورة».
ما لم يكشفه الراوي «بطل الرواية» عن خفايا شخصيته، ربما بدافع التنصل من ماضٍ مخجل، نسمعه بشكل صادم على لسان ليلى، الشخصية الثانوية التي ارتبطت بـ«بزياد» عاطفياً، لتكشف لنا عن شخصية مركبة لا ينقصها العفن «أحياناً» وكأن المؤلف بهذا، يسجل احتجاجاً على من يدعي النزاهة وحب الوطن، ممن بتنا نسمعهم مؤخراً.. «إلى متى ستستمر في الكذب يا زياد؟ أنتَ دخلت كلية الأدب العـــربي من باب المعاندة فقط ولم تتخـــرج فيهــــا، بالكاد قضيت سنتين دراسيتين، واحدة معي، والأخرى عملت فيها في بيت للدعارة… لم تتعــــرف على مروان لأنك تهتم بفنه، أنتَ لا تمــــيز بين الموناليزا وأبي لهب، بل دخلت مقهـــاه وكدت تقبل حــــذاءه ليأويك ويمنحك راتباً ولو بخساً، ولم تحفــــظ خريطــــة سوريا إلا في الثامـــنة عشرة من عمرك، فلِمَ تفتعل الحماس الوطني في سيرتك؟».
ينجح المؤلف بتوظيف «الرمزية» حين يجبر بطل روايته على تدوين حروف أوجاعه على جسده، بعد أن قطع شوطاً في كتابة مذكراته على الورق.. «أخلع ملابسي، أرفع مرآة صغيرة بيدي اليسرى، ثم أرمم بقلم حبر ناشف الكلمات التي محا العرق حروفها عن جسدي». فكرة قد يجد القارئ فيها عبثاً واقعياً، لكنها فكرة، وليست حقيقة، هكذا تظهر الأفكار داخل الرواية، صعبة التحقق ولا تلامس الواقع أحياناً.. فالفكرة، ونظراً لتوالي الكوارث بشكل متلاطم، قد نجدها إشارة مهمة لظاهرة سرعة نسيان المصائب، حيث يمكن أن تمحوها قطرة عرق نازّة من مسامة تافهة، لذا نجده في كل مرة يحاول ترميم بعض الكلمات التالفة.. «لا أحد يكترث لك، فلا تعبث وتدون ذكرياتك، فما هي إلاّ توافه شخصية لا يكترث لها أحد».
تحت سقف خيمته التي أبت أن تحميه من البرد، وقطرات مطر التي كانت أقسى عليه من عصابات التكفير، نحت زياد قطعة خشب متسخة على هيئة تمثال أقرب إلى المسخ، أسماه «مرتد»، صار يحادثه ويفضي إليه بعض كلمات ممنوعة وأفكار «هدّامة» حسب قوانين الجهة المسيطرة على المخيم… فكرة، صاغها المؤلف ليعزز حالة الرفض التي تسيطر بقناعة تامة على تفكير بطل روايته… رفض الناس وكل المتناقضات التي أدت إلى كوارث حرب طائفية وعرقية. والحقيقة الواضحة من تلك الرمزية تشير إلى أن، ما من مرتد داخل المشهد إلاّ زياد، وما التمثال إلى صورة طبق الأصل لدواخلة المتضاربة، فهو الرافض والمرتد عن قوانين وأوامر تجار الدم والموت…
في نهاية المطاف يحاول «زياد» العودة إلى إنسانيته بعد أن يكتشف زيف الواقع ودمويته، فيقرر الاستحمام ليزيل غبار آلامه، وما علَق بروحه وذهنه من أوهام… «وددتُ أن أستحم، ملأت أول برميل صادفته بالماء… حلقت اللحية الشعثاء بالسكين.. اعتزلت ثورتهم ودخلت في تصوف طويل مع ندفة الملاك فيَّ، والتي أضعتها منذ زمن». لم يكن قراراً لحظوياً، بل جاء نتيجة سلسلة تجارب ومشاهدات مكثفة صورها لنا مؤلف الرواية جعلتنا على قناعة عميقة بتعاطفنا، مع بطلها الذي كان قريباً من الموت لأكثر من مرة.. «إن كل جسد مات في هذا الوطن، قُتلَ كما تَقتُل بخاخات البلدية البرغش والبق، ليس له عنوان ولا صورة ولا تذكار سوى نواح عائلته، حتى أحلامه التي ضحى بها لأجل هذه الأرض ستُرزم مع أماني الفقراء بشريط أصفر كخصم تسويقي ضمن سمسرة الحرب».
يقف بطل رواية «شهد المقابر» مودعاً القارئ الذي رافقه الرحلة ليعترف له بكل شجاعة وقناعة مؤلمة.. «أنا سافل، قد ملكت ألف سبب لأَقتُل، ولم أملك سبباً نبيلاً أموت لأجلهِ شهيداً.. نحن نرقص ونكتب ونغني لأجل قطرة شهد نضعها فوق قبرنا العفن كي نجمّل ندمنا أمام المارة».

٭ ناقد وروائي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية