دسترة التعدد الثقافي للمغرب في إطار هويته الوطنية الموحدة، وإدراج مكونات أخرى للهوية الثقافية للمغرب المتمثلة أساسا في الأمازيغية والصحراوية الحسانية، إضافة إلى العربية ـ الإسلامية. علاوة على الإقرار بالبعد الكوني في الثقافة المغربية، من خلال قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار والتبادل الثقافي والحضاري. ومن أبرز المقتضيات التي جاء بها دستور 2011 هو جعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة المغربية إلى جانب العربية، حيث نص الفصل الخامس من الدستور على أنه: «تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء. يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية (الفصل الخامس من الظهير الشريف رقم 1.11.91 الصادر في 29 يوليو/تموز 2011 بتنفيذ نص الدستور المغربي).
يقودنا هذا الملمح الدستوري إلى تحديد مكون الثقافة الوطنية، والحقوق الثقافية، لكن كيف يمكن أن نجعل من الثقافة في تعددها قوة، ودعامة أساسية للتنمية، وكيف يمكن تحقيق طموح جعل الثقافة مكونا في المعيش اليومي، وكيف يمكن استثمار الثقافة كمكون مساهم في بناء الهوية المغربية، وقوة اقتصادية جديدة؟
لا يمكن تحقيق أي من خطوات هذا الطموح في غياب تصورات واضحة للثقافة في كل مكوناتها، وفي غياب الرعاية المادية. بيد أن اجترار الأساليب المستهلكة في النظر إلى الثقافة يمكن أن يساهم في اغتيال الفعل الثقافي بدل تجديد آفاقه وتوسيع ميادينه، بهدف خلق ممارسات تتسم بالجدة والتأثير في المتلقي. وفي هذا السياق يمكن التفكير في الشكل الفرجوي، الكرنفال كأحد الممكنات الجمالية الكفيلة بتحقيق هذا الطموح المعبر عنه في الأسئلة السابقة، الذي يستند إلى المرجعية الدستورية ليكتسب شرعيته القانونية.
الكرنفال مشتل الفنون:
الكرنفال هو الشكل الخارجي للفنون الفرجوية، ولمكوناتها الدرامية والفنية ذات المضامين الإنسانية والفكرية والاجتماعية المحلية والكونية، التي يتداخل في تشكيلها الواقعي، والميتاواقعي والعجائبي. والكرنفال هنا توظيف جمالي للفولكلور الذي يحمل المكونات الثقافية للأمة ولوعيها ولاشعورها الجمعي، وللتراث المادي واللامادي، وهو علم تاريخي «يتداخل في دراسته مع جميع العلوم التي تهتم بالإنسان ومظاهر حياته الاجتماعية والتاريخية، ويأتي في مقدمتها عـلم الاجتماع والميثولوجيا، وعلم الأديان، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا ويستخـدم علماء الأنثروبولوجيا مصطلح الفولكلور للدلالـة على التراث غير المكتوب الذي تعبر عنه القصص الشعبية والأغاني والأمثال.. وهو أيضا العلم الذي يدرس هذه المواد بالطرق التي تعالج بها المادة الإثنوغرافية». وتقابل كلمة «علم المأثور الشعبي» كلمة فولكلور عند بعض الباحثين العرب، وقد جعل لها المجمع اللغوي العربي مرادفا هو «الفن الشعبي».
وتتعدد أشكال الفرجة وعناصرها ومآلاتها، بوصفها الخلوص من الشدة في دلالتها المعجمية، وصناعة للاحتفال وللفرح، تمثل لحظة التنوير في البناء السردي، فيتحقق بموجب ذلك الانتقال إلى وضعية جديدة تمثل منعطفا لحل المشاكل الثاوية في الحياة اليومية، ومن هنا تكتسي الفرجة قوتها النفسية والعلاجية للمشاكل الاجتماعية، وتمكن الفرد من تحقيق قوة الاندماج، وتحقق مزية الاعتراف بالطاقات الفردية، فضلا عن الاعتراف بالثقافات الخاصة التي تجد في خطاب مابعد الحداثة كما تبلور لدى جان فرانسوا ليوتار.
إن الأمر شبيه بما عبّر عنه جي ديبور في كتابه «مجتمع الفرجة» حيث الكل يشارك في المشهد الاستعراضي لتتحقق المصالحة مع الحياة الفعلية عبر أعمال جماعية يعاد تشكيلها في سياق مركب بهدف خلق شخصية متكاملة، حيث الإنسان أصبح محاصرا بالصور، ولم يعد ممكنا العيش خارج ما سماه جيل دولوز بعصر الصورة.
إن الصورة بالمفهوم الذي تحدث عنه جان بودريار لم تعد تحاكي الواقع فقط، بل أصبحت تسبقه، فالصور تحدث أولا ثم تحدث المحاكاة لها في الواقع. وبموجب ذلك أصبح الاستعراض أحد المبادئ المنظمة للاقتصاد والسياسة والمجتمع والحياة اليومية. وقول جي ديبور «إن العرض هو اللحظة التي يحتل فيها الاستهلاك الحياة الاجتماعية» يدفعنا إلى الاحتفاء بالحياة قبل تبددها، والكرنفال هو أحد التحققات الجمالية للحيوات في بعدها الدرامي والجمالي.
تتأسس العلاقة بين الفرجة والمشاهد على رؤية تسمح باختفاء المسافة المكانية بين العرض الفرجوي والمشاهد، وبتحقق سيرورة العرض الفرجوي واستمرارية حيويته وبتوظيف مختلف للإمكانات الدرامية والتاريخية والبصرية، بما يسمح بتحقق بناء الحكي بطابعه التداولي في المشهد الفرجوي.
الكرنفال والتعددية في أنماط الوعي
الكرنفال هو التحقق الفرجوي للثورة على العلبة الإيطالية، وتحقيق تفاعل مباشر مع المشاهد في مواجهة مباشرة مع أفق انتظاره وتحقق طوحاته الممكنة في الفضاء العام، حيث يتشكل مشهد الفرجة بالاعتماد على المكون البصري بشكل أساس، وهكذا يرتبط الكرنفال بالجمهور بدون توسط للخطاب اللغوي، أو المكان المغلق.
ويشيد الكرنفال مشروعيته على التعددية، بدل أحادية الصوت بما يسمح بتحقيق ما يسميه باختين بالحوارية أو البوليفونية (Polyphonie) كمفهوم تبلور منذ ثلاثينيات القرن العشرين مع الشكلانية الروسية. ويقصد بالبوليفونية تعدد اللغات والشخصيات والأساليب والأطروحات والمواقف الأيديولوجية، وتعدد الضمائر والرواة والسراد ووجهات النظر، وتعدد الأفضية والأزمنة. وبتعبير باختين فـ»العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار، الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ما له فكرة ومعنى». إن الهدف هو جعل الكرنفال شبيها بالروايات العظيمة بوصفها تعبيرا عن أنماط العيش وصراع الإنسان مع مختلف الظواهر المختلة، ورغبة في النضال «ضد تشييء الإنسان، ضد تشييء العلاقات الإنسانية وكل القيم الإنسانية في ظل النظام الرأسمالي».
الكرنفال والاحتفاء بالمعنى:
تتأسس العلاقة بين الفرجة والمشاهد على رؤية تسمح باختفاء المسافة المكانية بين العرض الفرجوي والمشاهد، وبتحقق سيرورة العرض الفرجوي واستمرارية حيويته وبتوظيف مختلف للإمكانات الدرامية والتاريخية والبصرية، بما يسمح بتحقق بناء الحكي بطابعه التداولي في المشهد الفرجوي. وفاعلية الحكي يرتبط بالحكايات والأنساق المفتوحة، وعلى التخييل وقدرته على خلق عوالم تقع على تخوم الحياة بما يسمح بتأمين الوشائج بين العرض الفرجوي والمشاهد من جهة، استنبات التخييل كسيرورة مشهدية يعاد تكوينها بحثا عن قصدية ممكنة لدى المشاهد. وبموجب مطلب البحث عن المعنى في العرض الفرجوي يتوجب الاهتمام بالعرض الفرجوي في نسقه الدراماتورجي، وفي مكوناته البصرية، ذلك أن الكرنفال هو عرض بصري مركب لا يمكن أن يتحقق إلا بمراعاة السرد وقدرته على تحقيق المعنى.
إن البحث في تحولات الفرجة يقودنا إلى الاجتهادات المحمودة التي قدمها خالد أمين (أكاديمي مغربي، أستاذ التعليم العالي شعبة اللغة الإنكليزية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد المالك السعدي تطوان، ورئيس المركز الدولي لدراسات الفرجة، وعضو الهيئة العلمية للمعهد الدولي لتناسخ ثقافات الأداء التابع لجامعة برلين في ألمانيا) خاصة في البحث عن دور الفرجة في تكسر قواعد الدراما وتجاوزها. واستحضار تأملات حول قوة الأداء التحولية في نظرية إريكا فيشر ليشته، وتحولات الجسد الفرجوي. وهذا الاجتهاد يسمح لنا بتلمس ما يسميه بالحساسيات الفرجوية، ورصد الجوانب الأدائية/الفرجوية في العرض، سواء في مكوناته الجزئية، أو في أنساقه التي تكون الكرنفال الفرجوي.
تعدد المنظورات الفرجوية
الكرنفال ليس مرادفا للفرجة بوصفها تجميعا لفنون السيرك وفنون التهريج والفنون البهلوانية البحتة، أو في الفنون الرياضية، بل هي التحقق لرؤى جمالية قائمة على تعدد اللغات والأسلبة، والمحاكاة الساخرة أو ما يسمى كذلك بالباروديا والحوار والتهجين، والتناص والتنضيد والأجناس المتخللة.
ومزية الكرنفال هو تحقيق شرط الإمتاع واستلهام المسرح على مستوى التشخيص والعرض، وعلى الإقناع بالمنتوج المقدم كرأسمال رمزي بتعبير بيير بورديو، وبضرورة العودة الواعية إلى التراث لاستلهام أشكال التعبير، ليس من أجل التمجيد السطحي للذاكرة، بل لإيجاد إطار موضوعي للعرض الفرجوي، بغية تحقيق تفاعلية مؤثرة مع المشاهد في الفضاء المفتوح، حيث يسمح الفضاء العام (أخذ يورغن هابرماس مفهوم الفضاء العموم، عن كانط ، الذي قال به وتم استعماله بكثرة في مجال التحليل السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي، فهو الفضاء الوسطي الذي تكوّن تاريخيا في زمن الأنوار بين المجتمع المدني والدولة، إنه أيضا المكان المتاح مبدئيا لجميع المواطنين حيث بإمكانهم الاجتماع لتكوين رأي عام) بخلق بيئة يسودها التسامح والاختلاف والترف بالمغايرة وبحق الآخر في التعبير عن ثقافته الخاصة، وإبراز طاقته التعبيرية ارتباطا بخطاب العرض الفرجوي المحاط بالجمهور، الذي يحقق مزية التواصل البصري، والإدراك العقلي، والتفاعل الوجداني. وبذلك يحقق الكرنفال الإبهار والإدهاش.
الكرنفال بناء مركب:
يقترن البناء المركب بتصور شمولي لا يعني التطابق في المكونات بقدر ما يعني تحقيق الانسجام بين كل مكونات العرض، مثل استثمار الحكايات والمشاهدات والتراث وتحقق المتخيل، سواء الأسطوري، أو الشاعري. ومن ثم، يستند البناء المركب شرعيته في القدرة على دمج المكونات المتناقضة والمتنافرة جدليا داخل إطار ذي وحدة موضوعية. وبموجب هذا الطموح ينبغي إيجاد تعددية لتركيب العرض الفرجوي باستثمار مختلف الأشكال التعبيرية الكتابية والشفاهية والبصرية داخل بوتقة فنية وجمالية تحقق مزية الدهشة الجمالية، وتكشف مطلب الهوية الثقافية، وهذا ما يحقق ـ في تقديري- جماليات وشاعرية الفضاء الكرنفالي ليس في بعده المكاني وحسب، بل في قدرته على محاورة التراث والتصورات، وتشييد حوارية وتفاعل وتلاقح بين اللغات واللهجات بحرية وديمقراطية لسانية وفرجوية، بما يسمح بفهمها وتأويلها على نحو جمالي (المقصود هنا تأويلية بول ريكور القائمة على مجموعة من الخطوات المنهجية في مقاربة النصوص الأدبية والإبداعية والفلسفية، ويمكن حصرها في ثلاث خطوات منهجية هي: ما قبل الفهم، والتفسير، والتأويل، وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة الهيرمونيطيقية للتأويل).
٭ كاتب مغربي