هل تجهض مؤامرات أحزاب الفساد وتدخلات الخارج انتفاضة العراقيين؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد-“القدس العربي”: مع تصاعد واتساع التحدي الشعبي في العراق للإجراءات الحكومية الترقيعية، عبر الإصرار على إصلاحات جذرية تشمل حل الحكومة والبرلمان وإجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف دولي لتغيير قواعد اللعبة السياسية الفاشلة، يتابع العراقيون بقلق حقيقي، مؤشرات حراك سياسي مريب يهدف إلى اجهاض انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر وهدر التضحيات الغالية التي رافقتها.

ويتفق العراقيون وجميع المراقبين، على أنه مهما كانت نتائج الاحتجاجات الشعبية، وبغض النظر عن المؤامرات التي تحوكها أحزاب السلطة ونصائح حلفاء الخارج، لامتصاص نقمة الشارع عليها واحتواء التظاهرات، فالمؤكد هو أن الشعب العراقي كسر حاجز الخوف والتردد، عبر الإصرار على تحقيق مطالبه المشروعة وإنقاذ وطنه من الانهيار، وذلك بعد مواجهة قمع أحزاب السلطة وعنف الميليشيات، في ملحمة رائعة للتحدي والصمود عمدتها تضحيات أكثر من 250 شهيدا وأكثر من عشرة آلاف مصاب خلال شهر واحد.

وفي إطار الحراك السياسي وعقب فشل كل دعوات الشعب والقوى السياسية والبرلمان، لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي بالاستقالة، فقد تحدث رئيس الجمهورية في خطاب تلفزيوني، قائلا إنه مع المتظاهرين ويرفض استخدام العنف ضدهم مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على سلمية التظاهر، مقرا بأن البلد في حاجة إلى إصلاحات جذرية، ومبينا تصوره لحل الأزمة عبر إيجاد قانون انتخابات مقنع للشعب ومفوضية انتخابات جديدة ومستقلة وإجراء انتخابات مبكرة، مع تشديده على حصر السلاح بيد الدولة لتأثيره على حركة الحكومة، وهو الأمر الذي يبدو مستحيلا تحقيقه في الظرف الحالي.

أما مجلس النواب، فإن ضغوط الشارع دفعته لإصدار عدد من القرارات التي تهدف إضافة إلى القرارات الحكومية، إلى امتصاص نقمة الشعب، والتي كان يفترض إصدارها من دون الحاجة للتظاهرات وسقوط الضحايا، كونها من صميم واجبات الحكومة والبرلمان، وسط تشكيك واسع بجدوى هذه القرارات ومدى الجدية في تطبيقها بعدالة وبعيدا عن مافيات أحزاب الفساد، خاصة أن البرلمان عجز عن إجبار رئيس الحكومة عادل عبد الهادي على المثول أمامه رغم إبلاغه بذلك، كما عجز عن إقالته استجابة لرغبات الشارع الغاضب، وذلك لتحكم الأحزاب السياسية به.

إلا ان العامل المثير للاهتمام هذه الأيام أيضا، أنه بالرغم من أن تأثير النفوذ الإيراني على القوى السياسية العراقية الفاعلة هو أمر لا ينكره أحد، إلا أن وصف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قبل أيام، انتفاضة الشعبين العراقي واللبناني بـ”أعمال الشغب” التي تحركها الولايات المتحدة وإسرائيل، ودعوته سلطات البلدين لإنهائها، أثار استنكارا واسعا وقلقا مبررا من فصل قادم أكثر دموية وعنفا لإنهاء التظاهرات والاحتجاجات الشعبية والتنكر لمطالبها الإصلاحية المشروعة، في تكرار للنموذج الإيراني في التعامل مع أي حراك معارض، ولعل هذا الأمر هو ما دفع متظاهرو كربلاء لتطويق القنصلية الإيرانية في مدينتهم، مرددين شعارات تدين تدخل إيران في شؤون العراق ودعمها لأحزاب الفساد.

وما عزز القلق الشعبي كون التصريحات الإيرانية تأتي متزامنة مع حراك ولقاءات مكثفة بين القيادات الشيعية لبحث سبل إنهاء الأزمة بالاتفاق على بديل “مناسب” لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي، رغم أنه ليس السبب الوحيد للأزمة، وسط إطلاقهم تصريحات محذرة من تدهور أوضاع البلد واحتمال عودة الحرب الأهلية إذا استمرت الأزمة، وبالتزامن مع إعلان نائب قائد الحشد أبو مهدي المهندس عن استعداد الحشد الشعبي للتدخل لدعم الحكومة في التعامل مع التظاهرات.

ولعل حرص زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على إعلان دعوته لاستقالة حكومة عبد المهدي وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، تأتي عقب عودته من زيارته السريعة إلى إيران، وهي الثانية له خلال نحو شهر، فيها رسالة واضحة عن ملامح التغيير المطلوب لامتصاص نقمة الجماهير، خاصة أن الصدر طلب التعاون مع القيادي في الحشد الشعبي هادي العامري، لسحب الثقة من عبد المهدي والاتفاق على بديله، نظرا لكون كتلتيهما في البرلمان هما الأكبر والقادرة على حسم الاختيار. ويدرك العراقيون أنه رغم تباين مواقف القيادات الشيعية وخلافاتهم حول الحكومة عبر وسائل الإعلام، إلا أن تجارب تشكيل الحكومات بعد 2003 أكدت ان الراعي خلف الحدود سيوحد مواقفها في النهاية للإبقاء على قواعد اللعبة السائدة في العراق.

والمؤكد أن الصمود والتضحيات الغالية والإصرار على تحقيق المطالب المشروعة، هو الذي جعل العالم يلتفت إلى العراق ليدين استخدام السلطة للعنف المفرط ضد المتظاهرين العزل المنادين بالحقوق ورفض الفساد والتبعية. وكان موقف الأمم المتحدة مشرفا عندما انتقد أمينها العام، استخدام العنف ضد المتظاهرين ونزول ممثلته في العراق جينين بلاسخارت إلى ساحة التحرير ولقاءها مع المتظاهرين واستماعها لهم وانتقادها استخدام الحكومة العنف المفرط ضد المحتجين. وجاء موقف بابا الفاتيكان فرنسيس وحكومات العالم ضمن السياق نفسه، لتؤكد الاهتمام الدولي بمطالب الشعب العادلة.

ومع إعلان منسقي الاحتجاجات في بغداد وجميع المحافظات المنتفضة، الاتفاق على تحويل التظاهرات إلى اعتصام مفتوح، والبقاء في الشوارع حتى تحقيق المطالب المشروعة، فان ما يثير فخر العراقيين هذه الأيام، هو أن حراك وتضحيات أبناءهم من الشباب الواعي، قد نجح في إعادة الروح الوطنية العراقية بعيدا عن اختلافات المكونات الدينية والقومية وغيرها، إضافة إلى تحريك كل الشعب للوقوف مع المحتجين ودعمهم بقوة، سواء بتوافد كل شرائح الشعب كالطلبة والنساء والشعراء والنقابات والعشائر إلى ساحات التظاهر والاعتصام في مدن العراق، أو بتقديم الدعم المعنوي والمادي، لتعزيز صمود المحتجين أمام المخاطر والضغوط الهائلة التي تمارس عليهم، مع الدعاء لاستمرارهم في الصمود لإفشال مؤامرات الأحزاب السياسية الفاسدة وسعيهم لإجهاض حراكهم المبارك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية