من منبر النوري إلى نفق إدلب: أبو بكر البغدادي يأخذ معه طموحاته المتوحشة ويورثنا الخراب

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في المعنى العام تحول مقتل زعيم تنظيم “الدولة” أبو بكر البغدادي 48 عاما حسب رؤية الرئيس دونالد ترامب كفيلم رعب شاهده وهو وزوجته. وعلى طريقة أفلام الرعب الأمريكية يقتل البطل الطيب الرجال الأشرار، لكن البطل في فيلم ترامب لم يكن عناصر النخبة دلتا بل كلب وجه له الدعوة ليزور البيت الأبيض لكي يكرمه على مقتل رجل نصب نفسه خليفة ولكنه حسب رواية ترامب مات مثل “الكلب” وكان “يبكي وينشج” قبل أن يفجر سترته المفخخة مع ولدين من أولاده.

وبعيدا عن توصيفات ترامب للعملية التي حاول من خلالها تسويقها لخدمته وحرف الأنظار عن المحاكمة التي يعد لها مجلس النواب الأمريكي في الفضيحة الأوكرانية، فنهاية البغدادي تعني نهاية فصل استمر خمسة أعوام من الوحشية والقتل والدمار، ومهما كانت الطريقة التي خرج فيها البغدادي من الصورة فقد كان رمزا عن الخلافة التي أقامها في يوم ما وسيطرت على مناطق تعادل مساحة بريطانيا، وحكم الملايين وكون أكبر وأثرى تنظيم إرهابي، بني على ايديولوجية تدميرية ووحشية غير عادية ورثها من معلمه أبو مصعب الزرقاوي، زعيم القاعدة في العراق (وهي المنظمة التي سبقت تنظيم الدولة). والمهم كما تقول الأكاديمية جيسكا ستيرن في صحيفة “نيويورك تايمز” (27/10/2019) فالبغدادي استطاع أن يجند أفرادا سابقين في الجيش والمخابرات البعثيين، ما زاد من مقدرته على التمرد بشكل كبير. واستغل الحرب الأهلية السورية لإنشاء نموذج دولة، هي الأولى من نوعها في تاريخ الإرهاب الحديث، تمكنت من انتزاع مساحات من الأرض والسيطرة عليها وتجميع مليارات الدولارات وتنظيم قوة عسكرية كبيرة. وأصبح تنظيم “الدولة” تحت زعامة البغدادي أغنى وأقوى حركة إرهابية في التاريخ الحديث. ووعد أتباعه في العالم بجهاد خمسة نجوم – يتضمن سكنا مجانيا وسيارات وحتى زوجات. وتوافد أتباعه على “الخلافة” من كل أنحاء العالم، فيما يمكن اعتباره عملية التجنيد الأكثر فعالية لمنظمة جهادية شهدها العالم على الإطلاق. وقدم التنظيم نمطا من الوحشية لم يعهد في حركات تمرد حيث صور جرائمه ودرب الأطفال على القتل من مسافة قصيرة وأعاد استرقاق النساء.

نهاية القادة

 ولكن موت البغدادي أثبت لمؤيديه أنه حتى “الخليفة” معرض للقتل. ولكن الأمر يحمل أهمية سياسية ورمزية أكثر من العسكرية. فالقيادات وحتى المجموعات الجهادية تأتي وتذهب وتنقسم إلى فصائل وتتحد مع خصوم سابقين وتكتسب أسماء وولاءات جديدة. وربما كان تنظيم “الدولة” المثال الأفضل لهذه الظاهرة. فكان هناك زعيمان يسعيان للسيطرة على ما تبقى من التنظيم في العراق، والذي من المفترض أنه سحق من خلال حملة جورج دبليو بوش عام 2007 بالتعاون مع جماعات الصحوة العراقية. وبقي أحدهما في حضن القاعدة – أبو محمد الجولاني أما الآخر أبو بكر البغدادي فانشق عن القاعدة وأعلن عن إنشاء الخلافة، التي جذبت عشرات آلاف الأتباع. والمهم في هذا السياق أن نفهم أن الحرب ضد تنظيم “الدولة” لم تكن متركزة على رجل واحد ولكن ضد فكرة أو حركة. ويمكن للفكرة أن تتخلق في صور عدة، خاصة أن التنظيم الأم قبل انهياره في العراق وسوريا بنى فروعا له “ولايات” في بلدان أخرى حطمتها الحروب، من بينها أفغانستان وليبيا ونيجيريا واليمن. وتبقى العديد من تلك “الولايات” قائمة. وبالرغم من خسارة ما تبقى من “الدولة” في آذار (مارس) 2019 إلا أنه استطاع أن يقوم بعدة عمليات إرهابية في سريلانكا وأفغانستان والعراق وسوريا. ومن هنا فما سيحدث لتنظيمه واضح، سيتطور ويتحور، ذلك أن قيادته أثبتت تصميما رغم خمسة أعوام من الحرب وتكيفت مع الظروف وأعادته إلى جذوره الأولى كحركة سرية تعتمد حرب العصابات والكمائن والتفجيرات والاغتيالات. وعلى المدى البعيد فما يهم المحللين هو ليس قطع رأس التنظيم ولكن الطريقة السهلة التي سيتم فيها استبداله بقيادة جديدة، وقد استبدل بأبو إبراهيم القرشي وأعلن عنه “أميرا للمؤمنين” فهو مثل تنظيم القاعدة عادة ما يحضر قيادات لتتسلم المسؤولية حال قتل القيادات البارزة فيه. ويتم استبدال القادة بطريقة سهلة عادة ما يصفها بطريقة ساخرة مجتمع القوات الخاصة الأمريكي بأنها عملية “قص العشب”. ونقلت مجلة “تايم”(28/10/2019) عن مسؤولين أمريكيين قاتلوا التنظيم قولهم إنه بحلول 2018 أصبح لديه كادر من القيادات الشابة الذين جربوا الحرب وترفعوا في سلك القيادة وأثبتوا أنفسهم في شبكة الحركة العالمية.

العودة من جديد

ولهذا السبب سيستمر التنظيم بشكل من الأشكال كما حافظت القاعدة على وضعها بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن عام 2011 وعاش التنظيم في العراق بعد مقتل زعيمه أبو مصعب الزرقاوي بغارة أمريكية عام 2006.  وبذور الإحياء الجديد للمنظمة موجودة، فحسب المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية فلدى التنظيم ما بين 14.000- 18.000 عنصر أقسموا البيعة للبغدادي. بالإضافة إلى 30 مركز اعتقال يحتجز فيها 11.000 من عناصر وأنصار التنظيم. وفي مخيم الهول هناك 70.000 نازح بينهم آلاف من عائلات تنظيم “الدولة”. وقال الجيش الأمريكي في شباط (فبراير) إن “غياب الضغط المستمر” على التنظيم يعني عودته من جديد في فترة ما بين ستة إلى 12 شهرا. ولا يزال التنظيم يشكل تهديدا على مستوى العالم. وهذا ديدن كل الجماعات الإرهابية حيث تتعلم من الدروس ثم تحاول التكيف وتترصد الظروف، وهي مواتية. وفي دراسة نقلت عنها مجلة “إيكونوميست” (31/10/2019) في عددها الأخير وأعدتها الباحثة جينا جوردان من معهد جورجيا للتكنولوجيا حللت فيها 1.000 حالة قتل واعتقال قادة جماعات إرهابية. وحددت ثلاثة عوامل تساعد على استمرار التنظيمات بعد وفاة القيادات: مستويات البيروقراطية داخلها وقدرتها للحصول على المصادر المحلية وحماستها الأيديولوجية. وهي عوامل لا تعتمد بالضرورة على زعيم واحد. ومن هنا فتنظيم “الدولة” تتوفر فيه العوامل الثلاثة، من ناحية احتفاظه بسجلات دقيقة الأسلوب الذي نقله إلى جماعاته الدولية بحيث يمكن لكل واحدة استخدامه بطريقة مستقلة. ورغم فقدان التنظيم موارده اليومية (مليون دولار) من النفط العراقي والسوري إلا أنه قادر على ابتزاز المال بعدة طرق. وبالتأكيد أثبتت الدولة الإسلامية عنادها قبل صعود البغدادي وبعد مقتل زعيمين لها بغارات أمريكية عام 2006 و2010. وترى المجلة أن القيادة الجديدة للتنظيم مهما كان شكلها فهي راغبة بإعادة البناء وهذا واضح من مقتل البغدادي في إدلب البعيدة عن مناطقه في شمال شرق سوريا وغرب العراق. ومن الناحية النظرية فهي منطقة معادية يحلق فوقها الطيران الروسي والسوري بشكل مستمر وتسيطر على الأرض هيئة تحرير الشام، الجماعة التي أعلنت عن فض علاقتها مع القاعدة. ولكن هناك “حراس الدين” التي لا تزال موالية للقاعدة وعثر على البغدادي في بيت زعيمها. وهناك من اقترح أن زعيم حراس الدين كان عميلا، ولكن مجرد وجوده في إدلب يعني أن البغدادي ربما كان يبحث عن طرق للتصالح مع القاعدة التي انفصل عنها عام 2013.

فرصة القاعدة

وربما حاولت القاعدة الاستفادة من حالة الضعف التي اعترت تنظيم “الدولة” فقد كانت منذ البداية غير راضية عن فكرة “الخلافة” واعتبرتها غير شرعية وغير مفيدة في المحصلة. ومنذ عام 2014 لم يخل خطاب لزعيم القاعدة أيمن الظواهري من نقد لـ “وباء” تنظيم “الدولة”. ورغم ما رصد على وسائل التواصل الاجتماعي من حماس لدى أنصار القاعدة لنهاية رجل قتل رفاقهم، إلا أن هناك قرابة نسبية، فكثير من مقاتلي تنظيم “الدولة” ومعظم بنيتها العسكرية وعدد من مسؤوليها الإعلاميين والمؤيدين جاءوا من القاعدة، والآن بعد أن فقد التنظيم قائده “الخليفة” وتم تدمير “الخلافة” نفسها فلديها فرصة لإعادتهم تحت مظلتها. وكدليل على هذا مقال مطول لعادل آدم، الاسم المستعار لكاتب من أشهر المؤمنين بفكر القاعدة مرتبط بحركة الشباب، فرع القاعدة في الصومال وأقوى التنظيمات المنتسبة لها. وتم توزيع المقالة على نطاق واسع على المجموعات “التشات” لمؤيدي القاعدة والتي يزورها أنصار تنظيم “الدولة” أيضا، حيث طالب الكاتب مؤيدي تنظيم “الدولة” “العودة إلى سبيل الرشاد” بعدما أثبتت الدولة الإسلامية فشلها، بعدوانيتها المبالغ فيها وأوهامها. والسؤال هو إن كان أنصار تنظيم “الدولة” سيغيرون مواقعهم بسهولة، خاصة أن القاعدة نفسها أضعفت وضعفت ولن تكون بهذه المثابة البديل المركزي. وعلينا ألا ننسى أن تنظيم “الدولة” خلق عداءات داخل البنية الجهادية وأشعل كما تقول ريتا كاتز في “ديلي بيست” (29/10/2019) صدامات قاتلة وحروبا بينها. ولم يكن البغدادي هو الحاجز الوحيد الذي يمنع انضمام أعضاء التنظيم إلى القاعدة ولا يتوقع أن ينهي موته الخلافات القائمة. وهي خلافات ليست كامنة في الطريقة ولكن الفكرة، فمشهد البغدادي الذي وقف على منبر جامع النوري في حزيران (يونيو) 2014 معلنا عودة الخلافة التاريخية لم يحظ بإجماع الحركات الجهادية علاوة على موافقة المرجعيات السنية، فالخلافة تحظى بجدل تاريخي ومنذ نهايتها عام 1924 تطور النظام السياسي وفشلت الجهود لإحيائها من جديد، والغريب أن عودتها الأخيرة جاءت على يد تنظيم لا يحظى بدعم سواد المسلمين بل وترك إرثا فظيعا وخلف وراءه الدمار والخراب. ومن هنا تحولت الخلافة إلى جزء من المشكلة لا الحل، لأن البغدادي جعل من نفسه عدوا للجميع.

جيل جديد

ورغم أن الظروف التي قادت إلى ظهور البغدادي وأتباعه لا تزال قائمة، إلا أن جيل الألفية الجديد في احتجاجاته الأخيرة لم يعد يؤمن بالجهادية ولا الدكتاتورية وهما النموذجان اللذان انتصرا بعد سحق الربيع العربي، فمن الجزائر إلى لبنان مرورا بمصر تشعر النخبة الحاكمة بحصار تماما كما هو حال التنظيمات الجهادية. والمهم كما يقول ديفيد إغناطيوس في صحيفة “واشنطن بوست” (29/10/2019) هي أن لحظة الخليفة قد انتهت وهذا واضح من رفض الحركات الجماهيرية له اليوم والمطالبة بنظام قومي يتعالى على الطائفية والخلافات الدينية. والمشكلة هي أن فشل الحركات الجماهيرية يعني عودة البندول مرة أخرى إلى ساحة الجهاديين الذين يتغذون على سخط المظلومين والمحرومين والمهمشين. فتنظيم “الدولة” في النهاية هو نتاج لما بعد التجربة الأمريكية في العراق عام 2003 وكما يقول فريد زكريا في “واشنطن بوست”(31/10/2019) فانسحاب أمريكا من المنطقة سيكون مناسبة لزيادة التدهور في الشرق الأوسط الذي فشل في مجال التنمية البشرية. والرهان الجهادي الحديث مرتبط كما يرى أتش إي هيللر في مجلة (فورين بوليسي” (28/10/2019) بقدرة المرجعية السنية على قول الحقيقة للسلطة وهو غائب عن المؤسسة الدينية الحالية في العالم العربي لأنها مثل الجهاديين تفتقد الشرعية الشعبية، وفي النظام الديكتاتوري الحاكم يتم سجن وقتل المتنورين وتقريب المتزلفين. وتجد الأنظمة الدكتاتورية التي لا تريد الإصلاح وتعمي عينها على التغيرات الديموغرافية والجيلية في المنطقة دعمها من غرب أقنع نفسه أن القمع الذي يوفر الاستقرار هو الحل. وعليه فالصور التي خلفها البغدادي لنا قد تتكرر لو لم يحدث التغيير المطلوب. وربما تذكره الناس كإرهابي فاشل تبنى فكرا خارجيا طمح للمجد وفي الطريق جلب معه المعاناة والبؤس لملايين السوريين والعراقيين وقضى آخر حياته على الوقت الضائع واضطر لطلب اللجوء في أرض أعدائه وخانه أقرب المقربين إليه وفاز بالغنيمة وفر، بعدما حضر قتل الرجل الذي وضع حياته في يده. ولم يحتج القادة الأمريكيون للقول إنهم دمروا مخبأ البغدادي حتى لا يتحول إلى “مزار” وهو ما سمعناه عند قتل بن لادن في أبوت أبات، ولكن القصة لا تنتهي هنا، فلو لم يتغير الحال فنحن بانتظار “خليفة” آخر يبشرنا بالجنة الموعودة والحرب الأخيرة والقيامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية