زهير أندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’ ما زالت عملية تصفية أسامة بن لادن، تُشغل صنّاع القرار في تل أبيب، وتحتل العناوين الرئيسيّة في الإعلام العبري المتطوع لصالح ما يُسمى بالإجماع القومي الصهيوني.
ويُستشف من متابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية على مختلف مشاربها أنّ المحللين للشؤون العسكريّة رأوا بأنّ العبرة التي يجب أن تستخلصها إسرائيل من اغتيال بن لادن، هي بأنّه يتحتم عليها مواصلة ذات العمليات في إيران وضد حزب الله، كما اغتالت أحمد ياسين وياسر عرفات، وحطّمت المفاعل الذري العراقي، متسائلين: من يعلم، فربما يصل الأمر إلى تنفيذ عملية (كوماندوز) نحو الجندي الأسير في غزة، أو الوصول إلى حسن نصر الله، أو حتى قصف المفاعل النووي الإيراني؟.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، كان قد صرح يوم الأحد من هذا الأسبوع، بأنّ الدولة العبريّة تقوم بعمليات سريّة جداً وبعيداً عن الأعيبن من أجل تحرير الأسير لدى المقاومة الفلسطينيّة، لافتاً إلى أنّ المعركة التي تديرها تل أبيب مع تنظيم حماس هي معركة صعبة للغاية، واصفاً حماس بأنّه أحد التنظيمات الإرهابيّة الأكثر خطورة، على حد تعبيره.
على صلة بما سلف، كشف المحلل الإسرائيلي البارز، ناحوم بارنياع، من صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ النقاب عن أنّ عملية قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والتخلص منه كشفت من جديد ضعف الموساد ووحدة العمليات التابعة للجيش. وأوضح الكاتب في مقال بالصحيفة العبريّة أنّ كلا من الطرفين فشل وإلى الآن في تحديد مكان الجندي المختطف غلعاد شليط في قطاع غزة. وأضاف بارنياع، استناداً على مصادر رسميّة ورفيعة المستوى في تل أبيب، أنّ هذا الفشل سيستمر مع عدم التوصل إلى حل لمعرفة مكان شليط وتخليصه من براثن الفلسطينيين.
علاوة على ذلك، أشار إلى أنّ الكثير من الإسرائيليين طالبوا بضرورة الاستعانة بالوحدة الأمريكية الخاصة التي ساهمت في قتل ابن لادن، وإحضارها إلى غزة لتخليص شليط. وهي الرغبة التي وصفها التليفزيون الإسرائيلي بالمُلِحّة، خاصة مع الأزمات التي تتوالى على صفقة تبادل الأسرى بين الفلسطينيين وإسرائيل ووصولها إلى طريق مسدود.
إلى ذلك، دعا مسؤولون وكتاب إسرائيليون إلى استغلال حادث مقتل بن لادن، ومحاكاته على أنه يشبه ما تقوم به إسرائيل في اغتيال المطلوبين الفلسطينيين. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، المحاضر والمستشرق في الجامعة العبرية، البروفسور رافي يسرائيلي: تساءل: لماذا مسموح لأمريكا أن تغتال أعداءها، وممنوع على إسرائيل؟ ويحث أجهزة المخابرات الإسرائيلية على اغتيال خصومها بعمليات تعيد الثقة إلى الجبهة الداخلية.
أمّا رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست ووزير الأمن السابق، شاؤول موفاز، فقد طالب باستهداف قادة التنظيمات الفلسطينية بعد تصفية بن لادن، معتبراً أن أمريكا تبنّت إستراتيجية إسرائيل بتصفيتهم، وقد أثبتت نجاعتها، وإذا استمرت المحاولات لتنفيذ عمليات انطلاقاً من قطاع غزة، فيتعين على قادة حماس أن يعلموا بأنهم يشكلون هدفاً للتصفية، وأن ذلك يحظى بالشرعية المطلقة.
وشدّد على ضرورة أن تواصل إسرائيل العمل على هذا الصعيد، وإشعار كل مسلح بأنه ملاحق بإصرار، لأن القيام بعملية أو اثنتين لا يفضي إلى إنهاء الإرهاب، بل يجب مواصلة العمل. وحول إمكانية تكرار اغتيال بن لادن في الوصول إلى الجندي الأسير في غزة، غلعاد شليط، قال موفاز: إن الموضوعين مختلفان تمام الاختلاف، فطالما أنه لا توجد لدينا معلومات حول مكانه، ونحن غير قادرين على إعادته للبيت بالطرق الأخرى، فلا مناص من تنفيذ عملية التبادل، لأن كل يوم يمضي يجعل ثمنه يرتفع من ناحية، ويعرضه للموت من ناحية أخرى على غرار ما حدث مع الطيار رون أراد، وأبدى اعتقاده أن تنظيم القاعدة سيطلق ما وصفها بأذرعه الأخطبوطية في كل اتجاه، وأن إمكانية القيام بعمليات انتقامية قائمة، وستجري محاولات بهذا الشأن.
من ناحيته أوضح رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيليّ السابق، الجنرال عوزي ديان، بأن الاغتيال يجب أن يعزز دافعية إسرائيل انتهاج ذات الأسلوب مع عناصر القوى الفلسطينية المسلحة، مشيراً إلى أن حماس تشكل خطراً أكبر على إسرائيل مما تشكّله القاعدة على الأمريكيين، ولذلك فإن الآن وبعد التصفية المركّزة لبن لادن، سيفهم كل المتحفظين على عمليات الاغتيال ضرورتها.
واعتبر بأن تصفية بن لادن قدمت نموذجاً للمكانة الخاصة للعمليات الخاصة في مكافحة العنف من خلال ما وصفه بضرب رأس الحية، لأنّ ملاحقة قادة الحركات المسلحة يجبرهم على العيش في حالة هروب في المخبأ، ويضع أمامهم معضلة، وإن أرادوا أن يكونوا محصنين بشكل متين، فمن السهل نسبياً تحديد مكانهم واستهدافهم، أما إذا وضعوا صعوبات أمام تحديد مكانهم، فعليهم التخلي عن حماية متينة، وحينها يصبحون عرضة للاستهداف من قبل مقاتلي القوات الخاصة.
ولفت دايان إلى أنه لا بديل عن عمليات الاغتيال قائلاً: ما كان صائباً فعله لبن لادن والشيخ أحمد ياسين، هو صائب أيضاً بالنسبة لحسن نصر الله وإسماعيل هنية، ولإنقاذ شليط.
أمّا المحلل العسكريّ، أليكس فيشمان، فقد رأى بأن الاغتيال يضع حداً للمطاردة الأكبر التي خاضتها الدولة الأولى لفرد واحد، ولم تكن ملاحقته موضوعاً أمنياً يتعلق بإزالة تهديد متواصل، أو لخلق ردع، بل إنها انطلقت من الغريزة السياسية الأكثر بدائية وهي نزعة الثأر، وأضاف بأنه من الصعب التحديد الكمي للمصادر المادية، القوى البشرية، الجهود الدبلوماسية والتكنولوجية التي استُثمرت على مدى أكثر من عشر سنوات مكثفة، انتهت برصاصة في رأس بن لادن، وفقاً لطريقة ‘(الكاوبوي)، لأن الولايات المتحدة كانت مستعدة لبيع ولاية واحدة من أصل 50 ولاية، مقابل تصفيته، بعد أن شاركت في مطاردته أفضل القوى الاستخبارية في العالم، بما فيها (الموساد). وتوقع أن تبحث الشبكة التي أنشأها بن لادن عن عملية ثأر كبرى، باعثة للصدى، والأهداف التي اختارتها لنفسها منظمات القاعدة كانت غربية ومساس بالأنظمة العربية، لكن إسرائيل لم تكن في الأولوية العليا، ولكن إذا ما وقع لهم هدف جذاب في الخارج، فلن يترددوا، وإذا ما أخفقوا في تنظيم تلك العملية الكبرى، فيحتمل أن تقع نقطة انعطاف تاريخية وظاهرة الإسلام المتطرف تبدأ بالأفول.