في مسلسل «الحب الحديث» إنتاج أمازون برايم 2019 المستوحى من سلسلة مقالات «نيويورك تايمز» التي تحمل العنوان نفسه، لا نشاهد الرومانسية والسعادة والجمال بقدر ما نشاهد التعقيدات والغموض والشكوك وانعدام اليقين، فلا نعرف أحياناً هل ما نراه حباً أم لا، حيث تطغى الأفكار على المشاعر بشكل كبير، وتسير الدراما في دروب غامضة تخالف توقعات المشاهد ورغباته أيضاً، فالعلاقة التي يود استمرارها لن تستمر، وعلاقة الزواج التي سيتمنى لو تتحطم منذ اللحظة الأولى ستستمر باردة منهكة للأعصاب، فارغة من كل معنى كما هي، وكأن طرفاها أدمنا تبادل العنف اللفظي والنفسي في ما بينهما، أو ربما كانت تلك طريقتهما الغريبة في الحب، التي يجب محاولة تفهمها والقبول بها، وهناك العلاقات التي لن نفهمها بالمرة، ولن تتضح حتى آخر لحظات المسلسل، وستظل مبهمة لا يمكن تصنيفها أو تسميتها، لكنها ستخبرنا أن الحب شيء أكبر وأعمق من الصداقة والشراكة في الحياة والاتصال الجسدي والزواج والإنجاب، وأنه نوع من الاحتياج المعقد والتواصل الغامض إلى درجة بعيدة، كما في علاقة المحررة الأدبية الحاصلة على درجة الدكتوراه بالقناص السابق القادم من أوروبا الشرقية.
كما احتفظ المسلسل بعنوان سلسلة المقالات الشهيرة، احتفظت كذلك كل حلقة من حلقاته بعنوان المقال الذي عالجته درامياً، وكما أن لكل مقال كاتبه، فلكل حلقة معدها ومخرجها، ما أضفى تنوعاً واختلافاً على كل من الروح الفنية والصورة التلفزيونية، والإخراج والرؤية والتناول الدرامي للفكرة، أما التمثيل فهو أقوى عناصر العمل، وأكثرها إمتاعاً بداية من أداء نجوم مثل آندي غارسيا وآن هاثاواي، إلى أداء ممثلين جدد كالفنان البريطاني الهندي ديف باتل، تنفرد كل حلقة من حلقات المسلسل بحكاية ثم تجتمع الحكايات كلها في الحلقة الأخيرة، لمتابعة ما حدث للشخصيات والعلاقات بلا نهايات حزينة أو سعيدة، وربما بلا نهايات على الإطلاق، أو حلول وإجابات، فنرى أبطال الدراما لا يزالون يسيرون في دروبهم الغامضة، حيث كل شيء قابل للتغير والتحول ومنفتح على كافة الاحتمالات.

وتعد حلقة النجمة آن هاثاواي من أهم الحلقات وأكثرها تأثيراً، حيث قامت الممثلة الحاصلة على جائزة الأوسكار، بتجسيد شخصية «ليكسي» الجميلة الناجحة التي تعيش وحيدة والمصابة بمرض الاكتئاب ثنائي القطب (بايبولار)، الذي يعذبها بتقلبات مزاجية حادة تعصف بها وتتقاذفها من حالة السعادة القصوى والحيوية والمرح والانطلاق، والقدرة على العمل والإبداع والإقبال على الحب والحياة، إلى حالة فقدان الرغبة في كل شيء، وعدم القدرة على القيام بأي شيء، حتى أن الرد على الهاتف يبدو عملية مستحيلة، بأداء عبقري تشعرنا آن هاثاواي، بما يشبه الهبوط العنيف لطائرة، وتأثير هجمات المرض التي تفاجئها وهي في كامل تألقها وأناقتها، بعد أن أعدت العشاء الرومانسي الأول لحبيبها الجديد، الذي تعرفت عليه مؤخراً ولا يعلم شيئاً عن مرضها النفسي، نراها على الأرض باكية لا تستطيع أن تفتح له باب المنزل، ونراه في الخارج حزيناً يشعر بالإهانة والرفض.
احتفظ المسلسل بعنوان سلسلة المقالات الشهيرة، احتفظت كذلك كل حلقة من حلقاته بعنوان المقال الذي عالجته درامياً، وكما أن لكل مقال كاتبه، فلكل حلقة معدها ومخرجها، ما أضفى تنوعاً واختلافاً على كل من الروح الفنية والصورة التلفزيونية
ويظن أنها كانت تتلاعب به منذ البداية، تفقد ذلك الحبيب وتفقد عملها أيضاً وتمضي الأمور نحو الأسوأ، توضح الحلقة الكثير من تفاصيل ودقائق هذا المرض النفسي الآخذ في الانتشار، إلى درجة أننا نشاهد دعايات لأدويته على قناة «سي أن أن» على سبيل المثال كأدوية الصداع، كما تميزت الحلقة فنياً بالكثير من الموسيقى، التي خففت من الكآبة بعض الشيء، وتم استخدامها بمهارة للتعبير عن رؤية الشخصية وإحساسها الداخلي، وما تمر به من مشاعر متضاربة، فتتحول الحياة إلى ميوزيكال، حيث الغناء والرقص الاستعراضات في كل مكان، وفجأة يهبط الظلام الكئيب والصمت الخانق المميت، كما تعرضت حلقة أخرى إلى الاكتئاب واضطراب القلق، وصعوبة البوح بتناول مضادات الاكتئاب والأدوية النفسية.
وعن الحب في عمر متقدم، نشاهد حلقتين تناولت كل منهما حكاية مختلفة، الأولى هي قصة الجد الوسيم الواقع في غرام فتاة في الحادية والعشرين من عمرها، تصغره بأكثر من ثلاثين سنة، بينما هي لا ترى فيه سوى الأب وترفض أي تواصل جسدي بينهما، تمتد العلاقة لشهور نرى فيها جمال الحب والصداقة والأبوة والرعاية والقدرة على التفهم والعطاء، إلى أن يبكي ألماً في النهاية ويعلن عدم قدرته على الاستمرار، لم يكن الرجل متصابياً، ولم تكن الفتاة ساعية وراء أمواله أو منصبه، لأنه مديرها في العمل، رغم أنها من سعت جاهدة للاقتراب منه حتى نجحت في ذلك، لكنها كانت تريده أباً فقدته منذ طفولتها، وأخبرته بذلك منذ البداية، تريده أن يحتضنها ويعتني بها ويحل مشكلاتها، وتلجأ إليه وقت الحاجة، ولا بأس أن يصحبها أحياناً للتنزه في حديقة الحيوان ويشتري لها الحلوى والدمى.
أما الحلقة الثانية فهي التي تناولت قصة الحب التي بدأت بين امرأة في العقد السابع ورجل في العقد الثامن، ترويها السيدة في جنازة حبيبها، ونشاهد ما تتذكره من لحظاتهما القليلة والثمينة، وتفاصيل الحب والرومانسية البسيطة الرائعة، التي تقول إنها لم تحظ بها طوال حياتها، رغم أنها تزوجت وأنجبت من قبل، تذكر اهتمامه بها وقدرته على التحدث معها في أي شيء، وكيف كان يلمس يدها ويربت على كتفها ويُقبلها ويقبل يدها، ويشاركها في رياضة المشي وزراعة بعض الورود والنباتات، تتحدث عن كل هذه الأمور كأشياء لم تعرفها من قبل، ورغم الحزن العميق تبدو ممتنة لأنها حظيت بها، وإن كان في التوقيت الخاطئ المتأخر، فهي بكامل وعيها ونضجها وحكمتها تقدر قيمة الحب الذي عثرت عليه، وتنظر إلى جثمان حبيبها وتطلب منه بهدوء وثقة أن ينتظرها في ذلك المكان الذي لا تعرفه ولا تعرف متى ستذهب إليه.
٭ كاتبة مصرية