الثورة العربية المعممة، ذات الإيقاع المستمر والمتصاعد، منذ عشرة أعوام تقريباً، وأحدث أشكالها: الثورة اللبنانية المبدعة، كشفت كثيراً من الأمور. فَضَحت الفساد العربي الكاسح، الذي لم يكن مستوراً، لكنه، مع ذلك، كان بحاجة إلى «فَضْح جَهْوَريّ». وحَرّكت مستنقع الأفكار الراكد المليء بالضفادع الثقافية النَقّاقة التي لا تقول، في الحقيقة، شيئاً، رغم إكثارها من الكلام.
وبيَّنتْ، لمن يريد أن يرى، أن الوجود ليس سيئاً دوماً، ولا عسيراً على التغيير، عندما تريد الكائنات أن تغيّره. ومن بين أهمّ ما كشفت عنه من مثالب في الحياة العربية الحديثة، هو ما أُسمّيه «خُرافة المثقفين»، ولا أستثني أحداً. «أكلَتْنا الكلمات»، نحن مثقفي العالم العربي المعاصرين لهذه الثورات، التي أطاحت بكل «أوهامنا» القديمة! كنا «مُلوكاً على عُروش من ورق»، في حقبة ما قبل الثورة.
ففي عالَم تلك الحقبة السكونية البائسة، ذاك الذي أصبح، سريعاً، قديماً، كان لنا مقام ملتبس. ومنذ أن بدأت أقدام الثائرين تطرق الأرض، اهْتَرأ ذلك العالَم على الفور، ومات.
بفعل هذه الثورات اللامتوقَّعَة، وتحت تأثير زخمها الذي لا يُقاوَم، تغيَّر كل شيء. تغَيَّر بشكل مفاجئ وجوهريّ، كل ما لم نكن نتوقّع تغيّره. وبقينا، نحن المثقفين مذهولين، عاطلين عن المبادرة التاريخية، واقفين بلا حَوْل، في فضاء هذه الثورات الملْهمة التي خرجت علينا ولم نكن ننتظرها.
ولَكَمْ أحسسْنا بأنها تَرْفُسنا بامتعاض، مهما حاول بعضنا التمسّك بذيل حصانها الجامح، عبثاً. لم نعد نعرف كيف نتصرّف. ولا كيف نتفاعل مع ارتجاجاتها العميقة التي خَلْخَلتْ كل ما كان صامداً وحصيناً، من قبل. السلطة لم تعد بحاجة إلى هرائنا.
الثورة العربية المعممة، ذات الإيقاع المستمر والمتصاعد، منذ عشرة أعوام تقريباً، وأحدث أشكالها: الثورة اللبنانية المبدعة، كشفت كثيراً من الأمور.
والثورات تعرف أننا بلا ثُقْل حقيقي. ولم يظهر بيننا «منظِّر معزول» يرى ما لا يراه الآخرون، ليساهم ولو نظرياً، في الأفق الثوري الذي انبثق أمامنا للتوّ. وهو ما جعلنا، اليوم، نبدو «عُراة» في خضمّ الثورات العربية الهادرة، التي صممت على أن تُبدِع تاريخها، لا أن تبقى حائرة، مثلنا، خارج سياق التاريخ، بشكل مؤسف لا عزاء له.
كنا نحلم بمقاومة «كلاسيكية» للطغيان، ونرتّب أمورنا الشخصية على قَدْر السلطات الغبية التي اضطهدتْنا. نحسب أن الوجود السكوني الذي عشناه، هو الشكل الوحيد في الحياة، ولأن الجمود العاطفي والفكري الذي حقنتنا به سلطاتنا الغاشمة كان أكثر أشكال الوجود راحة، لم نحاول أن نغيره، أو نثور عليه، إلا بشكل صوري، ومثاليّ إلى أبعد الحدود. كنا «كائنات مبدئية». والمبادئ خَدّاعة. لم نُحدِثْ في تاريخنا الحديث «قطيعة» فعلية مع التاريخ، وإنْ تشدّق بعضنا بالقطيعة، بـ«قطيعته الخاصة» التي لا تعدو كونها نسقاً لغوياً شعرياً فارغاً. نَسَق لم ينشأ من تحوّلات معرفية وسياسية عربية عميقة، ولم يُرافِق، أو ينتج هو نفسه، تبدّلات أساسية في الحياة الفكرية، ولا في بنية النظام المعرفي العام. كان خطاباً شعرياً استعلائياً. كان نوعاً من «ثقافة انعزالية» منذورة لنخبة سفسطائية، لم يؤدِّ في النهاية، إلاّ إلى «موت الشعر».
كنا نحسب أن الثورة هي فقط الثورة على السلطة الحاكمة، وبفعل الثورات العربية المتماسكة تاريخياً، اكتشفنا، أو أُجبرنا على الاكتشاف، أنها شيء آخــــر مختلـــف تماماً: إنها ثورة على الذات، قبل أن تكون على الآخر. وهي ثورة على الأصدقاء قبل أن تكون على الأعداء.
ففي حالة القمع المعمم الذي دَمَّر الوجود العربي، ومايزال، لا أحد أسوأ من أحد. ولا أحد أفضل من أحد. الجلاّد والضحية، كلاهما مسؤول. وأيّاً يكن المنظور الذي ننطلـــــق منه، الآن، صرنا ندرك ، بعد كل الذي رأيناه: «أن تحرير المضطهدين لا يمكن أن يكون إلاّ من صنع المضطهدين أنفسهم»! وحتى ماركس، نفسه، لم يقل شيئاً آخر غير هذا.
٭ روائي سوري