التداعيات السياسية في استفتاء اسكتلندا

حجم الخط
2

استقطب الاستفتاء الذي أجري لتحديد موقف اسكتلندا من الوحدة اوالانفصال مع المملكة المتحدة اهتمام العالم بأسره، وذلك لاهتمام العالم بما يجري في المملكة المتحدة، التي كانت ذات يوم تسيطر على عدد كبير من دول العالم، وأيضا لأن نظامها الديموقراطي المتقدم يجعل العالم ينظر إلى كيف يمكن لمثل هذا النظام أن يكون له معارضون في داخل النظام ذاته .؟
وجاءت النتيجة مخيبة لآمال الداعيين إلى الانفصال، وأكدت أن المواطنين في أسكتلندا ما زالوا يحملون الولاء لنظام المملكة المتحدة.
وكما هو معروف فإن حركة الانفصال قادها «أليكس ساموند» وهو ما يجعلنا نتوقف لنرى موقفه بعد أن صوت الاسكتلنديون لصالح الوحدة .
ونلاحظ هنا أن «أليكس ساموند» ما زال يحتفظ بدعوته لتحقيق الانفصال حتى بدون استفتاء، فهو يرى أن الانفصال يمكنه أن يتحقق دون استفتاء. ويقول «ساموند» إن الاستفتاء قد يكون أفضل الوسائل لتحقيق الاستقلال، لكنه ليس هو الوسيلة الوحيدة .
وينظر «ساموند» الآن إلى البرلمان الأسكتلندي مؤكدا إن منح هذا البرلمان مزيدا من السلطات سيجعله قادرا على اتخاذ قرارالانفصال . وعلى الرغم من ذلك قال السيد «ساموند» إنه سيقبل في الوقت الحاضر بنتيجة الاستفاء، لأنه يحدث مرة واحدة في كل عقد من الزمان .ويقول إن من الأمور التي ستقلب الأحداث رأسا على عقب تصويت المملكة المتحدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي، وأيضا إذا فشلت الأحزاب الرئيسية في لندن في أن تفي يوعودها المتعلقة بمنح اسكتلندا مزيدا من السلطات ويؤكد «ساموند» إن السنوات المقبلة ستشهد زيادة في أعداد المؤيدين لفكرة الاستقلال، وخاصة بين أجيال الشباب .الذين يؤمل «ساموند» في أنهم سيقومون بمسؤولية التغيير، دون أن يقول، التغيير من أجل ماذا؟ هل هو تغيير من أجل التغيير أم تغيير من أجل تحقيق أهداف محددة ؟
لكن آراء «ساموند» بكل تأكيد لا تجد قبولا عند كل الناس إذ قالت «جوان لامونت» الزعيمة العمالية إن على «ساموند» أن يتوقف الآن عن هدم إرادة الشعب الأسكتلندي من خلال أسلوبه الانقلابي ..ذلك أن هذا الأسلوب من وجهة نظرها غير ديموقراطي وهو يسيء إلى الشعب الأسكتلندي الذي قرر مصيره في استفتاء ديموقراطي,وقالت «لامونت» ربما كانت النتيجة مصدر أسف لساموند ولكن تصريحاته غير الديموقراطية تسيء إلى شعب اسكتلندا. وهي خطيرة وتتسم بالخطأ.
ومن جانب آخر قال وزير ينتمي إلى الحزب الليبرالي الديموقراطي يجب ألا يتم تفويض السلطات إلى أسكتلندا دون الحصول على تفويض كامل من حزب العمال .
وما زال الجدل دائرا في لندن حول ما ستتمخض عنه نتائج الاستفتاء في اسكتلندا، وخاصة في موضوغ تفويض السلطات الذي وعدت به لندن إذا رفضت اسكتلندا مبدأ الاستقلال. وسيكون هذا الموضوع مدار بحث طويل مع الوزراء والزعماء الانكليز في «وستمنستر». ولعل من أهم الموضوعات التي تثير الجدل في الوقت الحاضر قرار رئيس الوزراء بضرورة فرض قيود على تصويت النواب الاسكتلنديين في برلمان «وستمنستر».
كما يدور في الوقت الحاضر جدل بين النواب المحافطين ونواب حزب العمال والليبراليين الديموقراطيين، حيث يريد المحافظون فرض قيود على تصويت النواب الاسكتلنديين في «وستمنستر» بينما يعارض الحزبان الآخران ذلك.
وفي مثل هذا الجو المشحون قال «أليكس ساموند» إن الذين صوتوا بلا في موضوع الانفصال سيشعرون الآن بأنهم ضللوا بواسطة «داوننغ ستريت.»
ويخطىء «ساموند» في هذا التصور لأن موضوع الاستقلال أو الانفصال في اسكتلندا لن يتوقف عند الاستفتاء فحسب، ذلك أن كثيرا من السياسيين سيبدأون التفكير في تداعيات ذلك على المشهد السياسي بأسره ـ فمن ناحية وعدت الحكومة البريطانية باعطاء اسكتلندا مزيدا من التفويض، وذلك ترضية لدعاة الانفصال، ولكن هل ينتهي الأمر عند ذلك ؟ ألا يكون التفويض أحد الوسائل التي يستخدمها الانفصاليون من أجل تحقيق أهدافهم، كما أن الأمر قد لا يتوقف عند السياسيين في اسكتلندا لأن السياسيين في انكلترا قد دقوا ناقوس الخطر أيضا وهم يفكرون الآن بصورة جديدة في كيفية مواجهة جميع الاحتمالات الممكنة، ما قد يجعل الجو متسما بمزيد من التوتر .
ولا نريد في الواقع أن نتوقف فقط عند ما جرى في بريطانيا لأن هذا الاستفتاء له أبعاد عالمية، إذ على الرغم من أن كثيرا من الناس يحملون آراء سلبية حول حقبة الاستعمار البريطاني فهم في الوقت ذاته يحملون كثيرا من الاحترام للنظام السياسي في بريطانيا كما يحملون كثيرا من التقدير للنظام الاقتصادي الذي تدار به البلاد ،وخاصة نظام الضمان الاجتماعي الذي جعل كثيرا من المهاجرين يتوجهون إلى بريطانيا من أجل الاستفادة من هذا النظام.
ولا شك أن اسبانيا وفرنسا ستتنفسان الصعداء بسبب نتيجة هذا الاستفتاء خاصة أنهما ا يواجهان حركة انفصال قوية يريد أن يقوم بها «الكاتالونيون»، وقد ظلت «كاتالونيا» تتقاسم النظام الملكي مع اسبانيا منذ نهاية القرن الخامس عشر ،ودون الدخول في تفاصيل تلك العلاقة أو أسباب الدعوة إلى الانفصال فالمؤكد هو أن الأسباب لا تختلف عما جرى في اسكتلندا، وهو موقف في مجمله يثير تٍساؤلات ا كثيرة، ذلك أنه من السهل تفهم دوافع حركات الانقصال في البلاد النامية، ولكن ليس من السهل تفهم دواعي حركات الانفصال في الدول المتقدمة التي لا يعاني مواطنوها من الفقر أو من الحجر على الحريات العامة والتي كان ينتظر أن تقدم نماذج تحتذيها دول العالم النامي من أجل تطوير كياناتها. والغريب هو ان بعض الأقاليم التي تطمح في الانفصال تنظر من جانب آخر إلى الانضمام إلى كيانات أكبر كما هو الشأن في اسكتلندا التي يريد الانفصاليون فيها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يبقى هؤلاء في إطار دولتهم التي هي أيضا عضو في الاتحاد الأوروبي ؟ وإذا كانت هناك ميزات من الانضمام إلى هذا الاتحاد فهي ستعم جميع المواطنين والأقاليم في المملكة المتحدة.
ولدى الحديث عن الاستفتاء الذي جرى في اسكتلندا تتداعى إلى ذهني حركة الانفصال التي جرت في جنوب السودان، والتي أعقبت استفتاء اختار فيه الناس الانفصال، ولا شك أن مواطني جنوب السودان أحرار في تحديد مصيرهم، ولكن هل نظر هؤلاء إلى الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية في هذا الانفصال ؟ وهل فكر مواطنو الجنوب في أنهم سيكونون في داخل حدود مغلقة ولن يستطيعوا الخروج منها إلى العالم الخارجي إلا عن طريق الشمال ؟
هذا جانب واحد كان يستحق النظر إليه في بلد عوامل الوحدة فيه أقوى من عوامل الانفصال .
ولا يعني ما ذهبت إليه أنه في جميع الحالات ليست هناك عوامل قوية تحتم الانفصال، ولكن يجب أن تخضع جميع التوجهات إلى دراسة واعية حتى لا يجد أي شعب من الشعوب نفسه متورطا فبي نفق مظلم لا يقدرعلى الخروج منه.

٭ كاتب من السودان

د. يوسف نور عوض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية