1
على شاكلة الأفلاطونية المحدثة، (بدون القول بالماركسية المحدثة، لفرز الفكرة الماركسية وحصر القول في الماركسيين) نصادف الاجتهادات الشتى، التي تطرحها قوى أيديولوسياسية دولية مختلفة، تمتاح آليتها من سواطع الطروح التي غامر بالدعوة إليها الاشتراكيون الأوروبيون منتصف القرن الماضي، في سبيل نقد الممارسة السّوفييتية والعمل على تجاوزها، وتأخذها أيضاً من شذرات التفجرات الاشتراكية العالمية، ما قبل غورباتشوف، لكن، كل ذلك يحدث، من غير الاتعاظ بالدرس، بجانب الانقطاع عن طبيعة الواقع المحلي (في الأصقاع) كمادة روحية للعمل النضالي.
ينبغي الاعتراف هنا، بأنه ليس بمقدور المرء الكلام عن موضوع مثل هذا، بتلك النبرة الواثقة التي مرّ بها كثيرون من أصحاب الشأن طوال سنوات عملهم غير محسودين على نشاطه.
2
الماركسيون المحدثون، (يقال أيضاً الماركسيون الجدد)، منذ بدأ في التفلّت الفكري، أممياً، كانوا يتعثرون عندنا بتراثٍ سميكٍ من النظر القومي، هو بمثابة التركة شديدة الوطأة، التي تشدّ النزوعات المحدثة إلى أسوأ خصال الحسّ القومي، نظراً وعملاً، ذلك هو الجذر والنزوع الفاشيين، الأمر الذي سيفسد إيمان وسلوكيات المناضلين الماركسيين المحدثين لاحقاً. مناضلو الماركسية الجدد، في ما يتعرضون لامتحان التحولات المحدثة لماركسيتهم، أجل ألّا يفرّطوا في تراثهم، لكن أيضاً، بدون تفادي حاضرهم وخسارة مستقبلهم.
ثمة القلق المقيم الذي أرّقنا باكراً، ذلك القلق المتمثل في السجال المسكوت عنه بين أممية الفكرة الماركسية وتجاوز الوطن والقومية في الفكرة الدينية، خشية أن يؤدي كتم ذلك السجال أو تفاديه، إلى وقوع الماركسيين المحدثين في وهم الانسجام، فيما الانقسام يفغر أشداقه مثل فخ.
3
من شهوة تبريد (الغلو) النضالي، و(تثليج) النظر العنفواني، إلى ردم الفجوات بين المثقف والسلطة، إلى وضع شؤون قيادة السعي الوطني، على غارب رجال الدين، حدّ اللهث خلف الحشود الجماهيرية، عِوَضَ قيادتها. ليس من غير دلالة السماح لشعب الشارع بقيادة النظر والنضال السياسيين، والانقياد، حد الخضوع لجرجرتنا والتنكيل بِنَا. أكثر من هذا فقد تمثلت، أمام تجربتنا الأخيرة، الحيلولة دون الاكتراث بمساءلة شعب الشارع عن الإخفاقات التي ازدحم بها ذلك الشارع طوال الوقت، متدهوراً نحو الخسارات القاتلة، لكأن ما حدث ويحدث هو النصر المبين بلا شك.
4
وسوف يغفل (لئلا أقول ينسى) الماركسيون المحدثون، العناصر والمكونات الأجمل في ماركسيتهم الأصل: فلم يعد ثمة التفات علمي لما كانوا يسمونه الظروف الذاتية والموضوعية، كما لا يعود الوقت (دائماً) مناسباً للنقد والنقد الذاتي، كما سينتقل بعضهم من الثورة إلى الثروة (حسب تعبير الصديق أحمد الربعي). وسوف يبدأ هذا الانفصال عن الواقع، منذ لحظة الانتقال من خطاب يصدر من الاضطهاد باعتبار واقع الحال، إلى الحديث (باسم) المضطهَدين باعتبار تغير الحال، بل إن بعض هؤلاء، لفرط تطيرهم (المكبوت) من تاريخهم البهيّ، وسوف يتفادون النظر إلى تجربتهم السابقة، إلا بوصفها مغامرة وخطأ، قد يتحول إلى خطيئة عند اللزوم.
5
حبال الماركسيين المحدثين، ستُلقى بين يديّ أصحاب الدين المحدثين هم أيضاً، أقول محدثين، ليس كتجربة دينية فحسب، بل إن هؤلاء (الذين صاروا يقودون الجٓمل بما حمل)، سبق لهم أن تعلموا النشاط السياسي في العالم على يديّ الماركسيين المحدثين مع غيرهم، الذين كانوا (طوال ثمانينيات القرن المنصرم) يأخذون بيد مستجدي النضال «المتدينين»، يعرّفونهم على محترفي وقيادات العالم السياسي ويعرّفون العالم عليهم، في وقتٍ لم يكن العالم قد سمع بهم من قبل، وكان ذلك عملاً نضالياً واجباً ولازماً.
الماركسيون المحدثون يمتلكون الأدوات اللازمة للنظر الأيديولوجي، ويحوزون التراث الجميل، منذ مدرسة النضال القومي حتى سرادقات اليسار الفتيّ، عبوراً بكافة التحولات الفكرية والتنظيمية
6
الماركسيون المحدثون يمتلكون الأدوات اللازمة للنظر الأيديولوجي، ويحوزون التراث الجميل، منذ مدرسة النضال القومي حتى سرادقات اليسار الفتيّ، عبوراً بكافة التحولات الفكرية والتنظيمية، تلك التجربة الممتازة التي كانت تفقد أعداداً أكبر من الجماهيرية عند كل تحوّل كتجربة نوعية، بدون أن نرى في ذلك مثلبةً أو قصوراً، فاجتراح النظر والعمل الجديدين، والمختلفين بطبيعة الحال، من شأنه أن يصدم أصحاب اليقين، وكثيراً ما يدفعهم للمغادرة نحو الحشود المستقرة (معرفياً)، تفادياً لما يُرهق الذهن. جمهورٌ مثل هذا لن يعود فعالاً، ولن تعود حركة النضال تقبل إعاقة نضالها في المنعطفات الحاسمة، لابد أن تتخفّف منه، لتمنحه بعض الوقت ليجرّب ويستعد لإعادة النظر في قناعاته القديمة، ويكون قادراً على قبول الحقائق الجديدة.
7
تلك العدّة النظرية الفعالة، ستكون بمثابة العبء، إذا لم يحسن المرء تشغيلها في الحالات والمواقف والأزمات المختلفة، والمتناقضة أحياناً. فالنظريات أدوات عمل، ليست مقدسة، وليست ضرباً من توليد جاهزيات الأجوبة الجامدة، وليس من الحكمة الصدور عن وهم صلاحياتها (لكل زمان ومكان)، كما يجري الكلام عادة على الدين. وشجرة الحياة الخضراء من شأنها أن تفضح دائماً شحوب النظريات ورماد نارها الخامدة. وربما لم نتمكن بعد من وعي ما إذا كانت نظريات العمل النضالي هي اجتهادات فردية تستهدي بها الجموع، أم انها مستخلصات عمل جماعي يخفق في قراءتها الأفراد. وكل ذلك سيتوقف على طبيعة رؤيتنا للعمل النظري معياراً للممارسة.
8
عندما قلنا عن الماركسيين المحدثين، إنما أردنا وضع الخبرة النضالية، التي قدمتْ ما يكفي من التضحيات في سبيل حريات العالم وعدالته، تلك الخبرة الإنسانية باهرة الجمال، أردنا وضع كل تلك الخبرات في مهب التحولات الكونيّة، لئلا تكون خسارتنا فادحة، ولكي نتفادى مضاعفة هذه الخسارة. فبعد تجربتنا مع أحلامنا المغدورة، ليس من الحكمة التفريط في الاحتمالات الممكنة لمستقبل هذه الأحلام، ومشروعية السعيّ الحثيث مجدداً لتحقيقها.
المحدِث هنا، يحدث استتباعاً لمتغيرات عقل الكائن وآليته الذهنية، وبالتالي في مخيلته. وحدوث كل ذلك يصدر عن الاستعداد العميق لدى الكائن لأن يغير قناعاته القديمة، أو يجري عليها تعديلاً جذرياً، وأن يكون مستعداً للتخفّف من وطأة التركة والإرث وهما يشدّانه إلى الماضي، وبهذا تصبح ماركسيته التليدة غير تقليدية، وقادرة على الحياة، مضاهاة لخضرة الشجرة.
٭ شاعر بحريني