سكورسيزي وكوبولا ولوتش: أفلام مارفيل سلع وكريهة وليست سينما

حجم الخط
1

سليم البيك٭

يُسعَد أحدنا، نحن محبي السينما، حين يسمع تصريحاً من أحد أهم المخرجين في العالم اليوم، مارتن سكورسيزي، يقول إن أفلام مارفيل ليست سينما. يُسعَد أكثر حين يسمع تأييداً، بل ذهاباً أبعد في الانتقاد، من مخرج آخر من أهم المخرجين هو فرانسيس فورد كوبولا. ولا يزال يستطيع أن يُسعَد – أحدنا- أكثر حين يسمع تصريحاً موازياً كذلك لآخر من أهم المخرجين، هو كين لوتش.
لنوضح المسألة قليلاً: مارفيل هي الشركة المنتجة لأفلام سوبرهيرو التافهة كسلاسل سبايدرمان وكابتن أمريكا وآيرونمان وأفنجرز وديدبول والعديد غيرها، أفلام يلهث خلفها أصحاب الصالات التجارية (تكثر في المراكز التجارية)، ولا يكاد يخلو شهر من فيلم أو أكثر من هذه، ولها جمهورها، ولا بأس في ذلك – كما قال سكورسيزي- لكنه «جمهور مختلف عن جمهور السينما، ويظن أنه يشاهد، بهذه الأفلام، سينما». أما الأسماء الثلاثة، فهي لمخرجين هم من بين الأهم في تاريخ السينما، ولن أُثقل المقالة هذه بذكر عناوين لأفلامهم.
بدأتْ المسألة مع تصريحات لسكورسيزي قال فيها – إضافة إلى ما ذكر أعلاه – في المؤتمر الصحافي المرافق لفيلمه «الأيرلندي» في مهرجان BFI السينمائي في لندن، إنها «أفلام ملاه»، «هي ليست سينما، هي شيء آخر… يجب أن لا تجتاحنا، نريد سينما تكون سردية».


لحقه في ذلك فرانسيس فورد كوبولا في تصريحات في فرنسا، حيث كُرم في مهرجان «لوميير»، بأن «سكورسيزي حين قال إن أفلام مارفيل ليست سينما كان محقاً، لأننا نتوقع أن نتعلم شيئاً من السينما، أن نكسب شيئاً، بعض التنوير، بعض المعرفة، بعض الإلهام». بل يذهب أبعد من زميله (لنقُل من رفيقه في أفلام جيل السبعينيات المختلفة عن أفلام هوليوود) ليقول إن «سكورسيزي كان لطيفاً بالاكتفاء بالقول إنها ليست سينما، لم يقل إنها كريهة، وهو ما أقوله أنا الآن».
إن كان كل من الأمريكيين سكورسيزي وكوبولا غير معنيين (بشكل أساسي) بالجانب السياسي والاجتماعي لأفلامهما، بل بالفني والسيكولوجي والسردي، وكان لانتقاداتهما جانب يخص السينما كمهنة وفن، فإن زميلهما، البريطاني كين لوتش، صاحب الأفلام المبنية على مواضيع اجتماعية وسياسية أساساً، ثم فنية وسردية وسيكولوجية، لحقهما بتصريحات تأتي من وحي أفلامه ومواضيعه، فكان لتصريحاته بعدٌ أعمق من مجرد حديث سينمائي، وذلك في حديث على سكاي نيوز، حيث قال إن أفلام مارفيل مملة، وهي مصنوعة كسلعٍ، كالهامبرغر، هذه الأفلام ليست حول تواصل الناس ببعضهم، ليست مشاركتنا خيالاتنا مع بعضنا، هي صناعة لسلعٍ تجني منها شركات الإنتاج الكبيرة الربح… ولا علاقة لذلك بفن السينما. قال ويليام بلايك مرة: عندما يتم الحديث عن المال، يصير الفن مستحيلاً».
لا أعرف النسبة ممن يشاهدون بين وقت وآخر أفلام شركة «مارفيل»، لكنني لا أعتقد أن المشاهدين هؤلاء سيهتمون بقراءة مقالة عن السينما. مهما كان رأينا في أفلام «مارفيل»، فمن الجيد، وبمعزل عن أفلامنا المفضلة، أن نستقي تعريفات للسينما من هذه الأسماء الثلاثة الكبيرة، فالسينما لديهم هي النقيض تماماً من توصيفاتهم لأفلام مارفيل. لنأخذ إذن تلك الأفلام، نطلع عليها قليلاً – بدون عبء مشاهدة أي منها- وندرك أن كل ما هو دون ذلك مرشح لأن يكون سينما.
أعود إلى عالمنا وأسأل: ما طبيعة صالات السينما والجمهور في البلدان العربية؟ هي في معظمها صالات تجارية ترى في الفيلم سلعة تجلب جمهوراً وتدر مالاً، مواقعها عموماً في المراكز التجارية، بالقرب من مطاعم ومتاجر. ما هي تلك الأفلام؟ أفلام تعتمد على التأثيرات الخاصة البصرية والصوتية، على تمييز واضح بين الخير والشر، على قصة مسطحة كي لا يجهد آكل الـ»بوب كورن» في فهمها، مكتفياً بالانفجارات والصراخ ليهضم جيداً ما يأكله. أي جمهور هو؟ إضافة لما قلتُه للتو، هو جمهور سيَلعن تلك الأسماء الثلاثة التي قد لا يعرف عنوانا واحدا من أفلامها. جمهور يمكن أن يقص عليك أحداثَ (ولا أقول قصة) سلسلة أفلام سبايدرمان (مثلاً)، فيلماً بعد آخر، بدون أن يدرك أنه يعيد سرد الأحداث ذاتها، الشخصيات ذاتها، التسطيح ذاته في مضمون كلامه.
يحيلني هذا الموضوع، وكذلك تصريحات المخرجين الثلاثة، والحقيقة المزعجة عن طبيعة الصالات والأفلام «الناجحة» في بلداننا العربية، إلى السؤال عن المساحة الممنوحة للأفلام الجيدة، الفنية، المبنية على سيناريو وإخراج جيدين، الحائزة على تقييمات نقدية أعلى من المتوسط، المشاركة في أحد المهرجانات التي يمكن أن يكون اللوغو الخاص بها على ملصق الفيلم علامة جودة (نسبياً). مازالت الثقافة السينمائية في بلداننا منزلية، مشاهدات منزلية (دي في دي، ستريمينغ، قرصنة)، أما صالات السينما فتُترك لآكلي التشيبس، الذين سيشاهدون للمرة المليون كيف سيقضي كابتن أمريكا على «الأشرار».

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية