لندن – “القدس العربي”: حدث آخر ما كان يتوقعه جمهور برشلونة، بعودة الفريق إلى الوراء أكثر من عقدين من الزمن، بعد الهزيمة المُذلة التي مني بها بطل الليغا في آخر عامين على يد ليفانتي بنتيجة 1-3 في المباراة التي جمعتهما على ملعب “سيتوتات دي فالنسيا” لحساب الجولة الثانية عشر للدوري الإسباني، كأول مرة تهتز فيها شباك الكتالان 3 مرات في غضون سبع دقائق منذ عام 1998، قبل أن تكتمل المأساة في منتصف الأسبوع بالسقوط في فخ التعادل السلبي أمام ضيفه التشيكي المتواضع سلافيا براغ، وهو أمر لم يحدث مع الفريق في دور مجموعات أبطال أوروبا منذ عام 2012، غير أنها كانت المرة الأولى التي يفشل فيها البارسا في التسجيل منذ التعادل مع يوفنتوس بدون أهداف عام 2017 في الموسم الأخير للمدرب السابق لويس إنريكي.
خسارة الحليف الأكبر
حتى فترة قصيرة، كان الاعتقاد السائد سواء بين الجماهير أو مختلف الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، أن مدرب الفريق إرنيستو فالفيردي يحظى بدعم كبار النجوم داخل غرفة خلع الملابس، وفي مقدمتهم ليونيل ميسي وجيرار بيكيه، وبالأخص البرغوث، لكن منذ أن كشف المدير الرياضي للمنتخب الهولندي نيكو يان هوغما عن البند الخاص في عقد مواطنه رونالد كومان، والذي يعطيه الحق في فسخ عقده مع منتخب الأراضي المنخفضة حال تلقى عرضا من البلوغرانا مقابل شرط جزائي لم يفصح عنه، بدأت تهتز الأرض تحت أقدام مدرب بلباو السابق، حتى أن بعض المصادر المقربة من النادي، ادعت أن ميسي أعطى مجلس الإدارة الضوء الأخضر للتخلص من المدرب الحالي في أقرب فرصة والاستعانة بمدفعجي التسعينات، لشعوره كبقية اللاعبين، بأن فالفيردي لم يَعد لديه ما يقدمه للكتالان، خاصة بعد الأرقام المخزية التي حققها الفريق في الربع الأول من الموسم وحتى هذه اللحظة، مثل عدد الفرص المتاحة والتسديدات على مرمى الخصوم، نلاحظ أن البارسا قام بـ144 محاولة، أقل تقريبا النصف من مانشستر سيتي الذي خلق نجومه 270 فرصة، حتى على مستوى التسديدات اكتفى الفريق بـ82 تسديدة.
وهو رقم لا يُقارن مع ليفربول الذي هدد منافسيه في 128 تصويبة بين القائمين والعارضة، وغيرها من الأرقام التي تعكس ما وصل إليه برشلونة من عجز ومستوى يندرج تحت مسمى “كرة قدم قبيحة”، تتجلى في حالة الذعر والخوف التي تسيطر على المدرب وتأثر بها أصحاب الخبرات، بل تزداد مع كل هزيمة كما وضح بعد كوارث بداية الموسم أمام بلباو، أوساسونا وغرناطة، وتأكيدا على ذلك، بعد فضيحة ليفانتي يوم السبت الماضي، قدم واحدة من أسوأ مبارياته مع النادي أمام سلافيا براغ، رغم أنه كان من السهل جدا ضرب أسلوب الضيف التشيكي، الذي كان يلعب بضغط عالي من الأمام، إما بالتمريرات الأرضية أو الطولية من قبل منتصف الملعب. عموما حدث ما حدث، لتظهر مساوئ برشلونة على المستوى الجماعي، كفريق غير جاهز بدنيا ولا ذهنيا، يعول فقط على موهبة ليو الخارقة، وعندما يغيب بداعي الإصابة أو يعانده الحظ كما ضربت تسديدته على الألواح الخشبية في سهرة الثلاثاء الأوروبية، تتعقد الأمور وتختفي الحلول سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، والفارق بين وضع المدرب في أول موسمين والوقت الراهن، أن لحظات اختفاء ميسي كانت موسمية، تحدث مرة أو مرتين في الموسم وبسيناريو هيتشكوكي مثل ليلة الخروج من الأبطال على يد روما في الموسم قبل الماضي والرابع وأوريغي أمام ليفربول في نصف نهائي النسخة الأخيرة، لكن الآن، المأساة تتكرر أكثر من مرة كل شهر، الأمر الذي يجعل استمراره في سُدّة حكم “كامب نو” لنهاية الموسم، أشبه بالمستحيل.
الخليفة المنتظر عاجلا أو آجلا
عكس توتنهام وآرسنال وبايرن ميونيخ، الذين يفاضلون بين أكثر من خمسة لاختيار الأنسب في المرحلة المقبلة، بالذات العملاق البافاري الذي أقال مدربه الكرواتي نيكو كوفاتش بعد خماسية آينتراخت فرانكفورت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، فإن برشلونة لا يقترن به سوى أسطورته في الفترة بين أواخر الثمانينات ومنتصف التسعينات، وبنسبة تزيد عن 90%، إذا أقيل عدو الجماهير الآن، سيكون رونالد كومان المسؤول الأول عن مشروع العقد الجديد، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: لماذا مدرب الأراضي المنخفضة بالذات ولا أحد غيره؟ أولاً يحمل جينات “تيكي تاكا” ويعرف هوية برشلونة وما يريده الجمهور، كيف لا وهو سليل العائلة الهولندية المرتبطة بعلاقة قوية جدا ببرشلونة، وأيضا أحد تلامذة مؤسس نهضة البارسا الحديثة يوهان كرويف، وحتى هذه اللحظة، عندما يُذكر اسم كومان يتبادر إلى أذهان عشاق البرسا هدفه الخالد في مرمى سامبدوريا عام 1992، الذي ساهم في تتويج الفريق بدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، وقبل أي شيء يتبع مدرسة كرويف في إستراتيجيته كمدرب، كُجل نجوم التسعينات مثل فرانك دي بور وفرانك ريكارد ولويس إنريكي ومطور الفكرة الفيلسوف بيب غوارديولا، وباستثناء الأخير الذي كسر القاعدة بتحقيق نجاحات مدوية مع برشلونة وبايرن ميونيخ وحاليا مع مانشستر سيتي، فهناك مفارقة مشتركة بين كومان وأبناء جيله الملقبين بتلامذة الراحل العظيم، وهي صعوبة تطبيق فلسفة برشلونة وأياكس مع أندية أخرى.
بالأرقام
بالنظر إلى فرانك دي بور كمدرب، سنجد أنه حقق نجاحات لا تُصدق مع أياكس بقيادته للفوز بأربعة ألقاب، لكنه فشل فشلاً ذريعا مع كريستال بالاس في الدوري الإنكليزي الممتاز ومع الإنتر في جنة كرة القدم، وسبقه فرانك ريكارد ببناء أعظم جيل في تاريخ البارسا برفقة مساعده تين كات في منتصف العقد الماضي، لكنه فعل النقيض في تجاربه الأخرى، قبل وبعد برشلونة بفترة مأساوية سبارتا روتردام ومعاناة مع غالطة سراي وفي السعودية، حتى لويس إنريكي عانى الأمرين مع روما وسيلتا فيغو، أما في بيته القديم، فاز بالثلاثية في موسمه الأول، ونفس الأمر ينطبق على كومان، هو أيضا احتكر بطولة الإيرديفيسي مع أياكس على مدار ثلاث سنوات متتالية، لكن خارجه كانت له تجربة واحدة يمكن اعتبارها جيدة، والإشارة إلى فترته مع ساوثهامبتون، حين قاده لاحتلال المركز السادس في الدوري الإنكليزي الممتاز، أما غير ذلك، فلم يحقق النجاح الذي كان يريده لنفسه مع فرقه السابقة بدون استثناء آيندهوفن وآلكمار وفينورد وإيفرتون وبنفيكا وفالنسيا، فقط يسير الآن بخطى ثابتة مع منتخب بلاده، والسبب يرجع في الأساس للطفرة الهائلة في أياكس، الذي أخرج للطواحين البرتقالية مواهب بحجم ماتيس دي ليخت وفرينكي دي يونغ، وفي نفس التوقيت تطور فان دايك بشكل لا يُصدق مع ليفربول وأيضا ممفيس ديباي انفجرت موهبته مع ليون في الدوري الفرنسي، ما ساعد كومان على انتشال منتخبه من براثن الضياع، بقيادته لنهائي دوري أمم أوروبا مع اقترابه من التأهل لليورو بعد فترة وجيزة من فشل هولندا في التأهل للمونديال.
نفهم من ذلك، أن هذه الفئة الكرويفية تحتاج لاعبين بمواصفات وجودة معينة لتطبيق أفكارها على أرض الملعب، وهذه المواصفات تتوافر سوى في خريجي أكاديمية إما أياكس أو لاماسيا، بحكم تمرسهم على هذه الفلسفة منذ نعومة أظافرهم، وهذا في حد ذاته، سيضمن للمشجعين عودة الأسلوب الممتع الذي كان يتغنى به الجميع قبل رحيل غوارديولا بالتحديد، بعيدا عن مدرسة الواقعية والمبالغة في التكتيك واللعب على الهجمات المرتدة، كما كان الحال مع لويس إنريكي قبل أن يصل لقمة الملل في هذه الأيام مع فالفيردي، أضف إلى ذلك، رسم كومان لنفسه صورة المدرب الذي يُجيد التعامل مع المواهب الشابة بطريقة فطرية يُحسد عليها، وهذا ما يحتاجه مشروع الإدارة الحالية، مع اقتراب ما تبقى من جيل “لاماسيا” الذهبي من الاعتزال، أو بمعنى أدق وأكثر صراحة في مرحلة ما بعد ميسي أو تقدمه في السن، وذلك في الوقت الذي تضم فيه القائمة كوكبة من الشباب المبشر في مقدمتهم اكتشاف العقد انسو فاتي ورفاقه دي يونغ وكارليس آلينيا وكارليس بيريز وباقي هذه المجموعة التي يتم إعدادها لتكون مستقبل برشلونة في السنوات القليلة المقبلة، بجانب ذلك، المدرب المحتمل نفسه، يُمني النفس بتحقيق حلمه الكبير بمدرب بالعودة إلى “كامب نو” كرجل أول، وأيضا الجماهير والإعلام المقرب من النادي يدعمون الفكرة، على الأقل للتخلص من كابوس الكرة القبيحة مع المدرب الحالي، لذا يبدو الرجل المُخلص الأوفر حظًا لخلافة فالفيردي في أي لحظة.