بغداد ـ “القدس العربي”: قوبل قرار حكومة نوري المالكي استدعاء منتسبي الأجهزة الأمنية للنظام السابق لتسليم أنفسهم للسلطات الحكومة أو اعتبارهم مشاركين في الأعمال الإرهابية، بالاستنكار والشكوك من قبل الكثير من منتسبي تلك الأجهزة المتواجدين علي الساحة السورية، لكونه دليلا جديدا علي سوء نية الحكومة واصرارها علي نسف آخر الجسور حول المصالحة الوطنية.
وعبر العديد من منتسبي الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق عن رفضهم لقرار الحكومة الجديد معتبرين أنه بمثابة مصيدة لهم وأنهم لا يعتقدون أن هناك جاهلا بين منتسبي تلك الأجهزة سيلبي هذا الطلب المشبوه من كل الوجوه، مؤكدين أن هذا الإجراء يعتبر تهربا من تعهدات المالكي في مؤتمر شرم الشيخ بالجدية في إجراء المصالحة وفتح صفحة جديدة مع عناصر النظام السابق ممن لم يرتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي.
وأكد السيد أبو علي الدليمي الضابط في قوات الأمن العام المنحلة والمقيم في سورية منذ سنوات أن دعوة حكومة المالكي لمنتسبي الأجهزة الأمنية التي تم حلها من قوات الاحتلال وبمباركة من الأحزاب الحاكمة في ظله لتسليم أنفسهم إلي مراكز الشرطة أو السفارات أو اعتبارهم إرهابيين، هي دعوة لا تعبر عن نية طيبة وتخفي وراءها أهدافا غير مطمئنة من بينها زيادة الضغوط والتضييق علي منتسبي الأجهزة الأمنية المنحلة، مشيراُ إلي أن الجميع في العراق وخارجه ومنظمات حقوق الانسان والأمم المتحدة وحتي دول الاحتلال كلها أشارت الي أن أجهزة وزارة الداخلية الحالية تتحكم بها عناصر المليشيا الطائفية وفرق الموت المختلفة المسؤولة عن الاغتيالات والجثث مجهولة الهوية والمدانة بخرق حقوق الإنسان في سجونها ضد كل المعارضين للحكومة أو الاحتلال وحتي للأبرياء من الذين لا ترتاح الحكومة لمواقفهم، ومع استمرار هذه الأحوال في العراق كيف يقوم منتسبو الأجهزة الأمنية بتسليم أنفسهم إلي تلك الجهات؟ ويضيف السيد أبو علي أن المئات من منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة فضلوا ترك البلد للجوء إلي الدول الأخري أو تركوا مناطق سكنهم الي مناطق أكثر أمناُ لهم بعد تصفية الكثير من زملائهم علي يد أجهزة الحكومة الأمنية أو المليشيات أو فرق الموت المجهولة، وهو لا يتوقع أن يقع أحد من موظفي الأجهزة الأمنية السابقة في هذا الفخ الجديد حيث سيكون مصيرهم إما الاعتقال المباشر لدي مراجعة مراكز الشرطة أو يكون هدفاُ لفرق الاغتيالات بعد تحديد عناوينهم فيكون مصيره مع الجثث مجهولة الهوية المنتشرة يومياُ في كل مدينة من مدن العراق وهو المصير الذي لاقاه الكثير من زملائه ممن جازفوا بالبقاء في نفس مناطقهم. أما السيد أبو أحمد الجبوري الضابط في المخابرات العراقية السابقة ومقيم في سورية أيضاُ فقد شكك بدوره في نوايا حكومة المالكي في هذه الدعوة وخاصة اعتبار من لا يراجع مراكز الشرطة بمثابة مشارك في الأعمال الارهابية دون توضيح المبرر لهذا الربط الغريب بين المراجعة والاتهام الخطير، وهو أمر لا يدل علي نية حسنة ورغبة بفتح صفحة جديدة من قبل الحكومة مع منتسبي الدوائر الأمنية السابقة بل يزيد الشكوك بأن الأمر لا يعدو كونه كميناُ يراد منه السوء بهم.
ويشير السيد الجبوري الي أنه حتي بعض زملائه ممن قرروا العودة للعمل والانضمام إلي جهاز المخابرات العراقي الجديد الذي تشرف عليه القوات الأمريكية، لم يسلموا من الملاحقة والاغتيالات رغم حماية قوات الاحتلال لهم فكيف سيكون الحال إذا راجع ضباط الأمن والمخابرات السابقين الآن ودون حماية من أحد مراكز الشرطة التي تعتبر بؤرا لفرق الموت والمليشيات الطائفية؟ وينظر الجبوري إلي الموضوع علي أنه يأتي ضمن عدة محاولات سابقة قامت بها حكومات ما بعد الاحتلال لاستدراج ضباط الدوائر الأمنية والبعثيين في الدرجات العليا وبعض الكوادر ممن تعتبرهم العمود الفقري للنظام السابق تحت مختلف الحجج مثل منحهم مساعدات مالية أو إحالة بعضهم علي التقاعد أو الاستفادة من خبراتهم، ولكن في كل مرة كانت النتيجة ليست في صالحهم ولم تقدم أي تحسن بل المزيد من الاعتقالات والاغتيالات والاقصاء.
وتحدث ضباط وموظفون آخرون ممن يتواجدون في سورية فضلوا عدم ذكر أسمائهم أنهم لا يثقون بوعود حكومة المالكي التي لم تلتزم بوعودها المتكررة بالرغبة في اجراء المصالحة الوطنية حيث تتهرب من تلك الوعود رغم الضغوط العربية والدولية عليها وتصر علي ممارسة الإقصاء وإلغاء الآخر، لأن جميع قادة الأحزاب الحاكمة الآن كانوا مطاردين من قبل تلك الأجهزة الأمنية للنظام السابق وهي تحمل الحقد والكراهية ضد منتسبيها، كما أن الحكومة تخاف من خبرة أولئك الضباط ومعلوماتهم عن قادة الأحزاب وعلاقاتهم المشبوهة بأجهزة المخابرات الأجنبية المعادية لشعب العراق عندما كانوا ضمن ما يسمي بالمعارضة وأصبحوا الآن يقودون السلطة في العراق. بينما يشترك جميع منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة بالتحدث عن معاناتهم وصعوبة الظروف التي يعيشونها بعد طردهم من وظائفهم دون وجه حق وحرمانهم من مورد أرزاق عائلاتهم منذ وقوع الاحتلال للعراق عام 2003 من جهة ومن جهة أخري اضطرارهم لترك دورهم وأهلهم في العراق خوفاُ من الملاحقات والاغتيالات علي يد مليشيات أحزاب الحكومة وأجهزتها الأمنية وفرق الموت الأجنبية العاملة في العراق بحرية تحت رعاية الاحتلال. وعبر الكثير منهم عن خيبة أمله بعد ظهور عدم نية الحكومة تغيير تصرفاتها وسياستها ضد معارضيها حتي بعد التعهدات التي قدمتها في مؤتمر شرم الشيخ الأخير، وهو الأمر الذي دفع الكثير منهم للحصول علي الحماية من مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في دول الجوار ولحين أن يظهر في الافق ما ينقذهم من معاناتهم ومستقبلهم المجهول.