ليبيا تدعو الشركات النفطية إلى العودة وسط سيطرة اقتصاد الحرب

رشيد خشانة
حجم الخط
0

مع استمرار القتال في التخوم الجنوبية لطرابلس وتباطؤ النمو الاقتصادي، تغرق ليبيا يوما بعد الآخر في اقتصاد الحرب. وتوقع تقرير حديث صادر عن البنك الدولي تحت عنوان “ليبيا: الآفاق الاقتصادية – أكتوبر 2019” تباطؤ إجمالي الناتج المحلي إلى نحو 5.5 في المئة في السنة الحالية، في مقابل 17.3 في المئة خلال 2017-2018.

أما إنتاج النفط فتضاعف خلال العامين الماضيين ليصل إلى 1.17 مليون برميل يوميا في نيسان/ابريل 2019 لكن مع نهاية تموز/يوليو 2019 تراجع الإنتاج لأكثر من 0.1 مليون برميل يوميا. وحسب تقرير صادر عن المؤسسة الوطنية للنفط (قطاع عام) تراجعت الإيرادات النفطية في أيلول/سبتمبر الماضي بنسبة 11 في المئة عن الشهر السابق.

ويُعتبر استقرار إنتاج النفط في حدود 1 مليون برميل في اليوم كارثة للاقتصاد المحلي، الذي يعتمد على تصدير النفط والغاز الطبيعي بنسبة تفوق 95 في المئة. وحذر البنك الدولي من انعكاسات هذا الوضع، قائلا “لا تستطيع ليبيا إنتاج النفط إلا بمعدل مليون برميل يوميا في المتوسط بحلول نهاية هذا العام، وستُضطرُ إلى الإبقاء على الإنتاج حول هذا المستوى خلال السنوات القليلة المقبلة”. واعتبر تقرير البنك الدولي أن حرب العاصمة زادت من تفاقم الأزمة الاقتصادية واستطرادا، تعقيد الوضع السياسي، وتأخير التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء. وأدى استمرار المعارك، بدوره، إلى هزِ الاستقرار وتضييق فرص ترميم الأوضاع الاقتصادية وتحسين ظروف العيش الضنكة.

كلفة الحرب الباهظة

وتُجابه قوات القائد العسكري للمنطقة الشرقية الجنرال خليفة حفتر صعوبات مالية كبيرة نتيجة كلفة الحرب في التخوم الجنوبية لطرابلس، والنفقات الباهظة التي تترتب على استمرار القتال في أكثر من جبهة. ولمعالجة هذا الوضع، أفادت تقارير إعلامية أن اجتماعا عُقد يوم 30 الماضي في مدينة البيضاء (شرق) لدرس الخيارات الممكنة للخروج من الضائقة المالية. وحضر الاجتماع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس الحكومة المؤقتة، غير المعترف بها دوليا، عبد الله الثني ورئيس لجنة الدفاع والأمن الوطني في مجلس النواب طلال الميهوب ومسؤول مصرف ليبيا المركزي في المنطقة الشرقية علي الحبري، بالإضافة إلى عون الفرجاني الذي يعتبر الساعد الأيمن للجنرال حفتر. وناقش الحضور تزايد مديونية السلطات في المنطقة الشرقية، ما جعلها تلجأ إلى استيراد أوراق نقدية من روسيا.

وهذا ما أكده احتجاز السلطات المالطية أخيرا شحنة كبيرة من الأوراق النقدية كانت موجهة إلى الحكومة الموازية في المنطقة الشرقية من ليبيا. وأفادت الصحافة المالطية أن السلطات في فاليتا اكتشفت في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، حاويتين بسعة ألفي متر مكعب مملوءتين بأوراق نقدية يُشتبه بكونها طُبعت في روسيا. ولم يكن في وسع السلطات المالطية التغاضي عن الشحنة، لاسيما أنها تتعاطى مع الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس، وتقول إنها ملتزمة بقرارات الأمم المتحدة التي تحظر إرسال أسلحة إلى ليبيا. إلا أنها تكتمت على تفاصيل الصفقة بين الروس والحكومة الموازية في البيضاء الخاصة بطبع الأوراق النقدية. ويقول خبراء اقتصاديون إن مصرف ليبيا المركزي (طرابلس) لم يتمكن حتى اليوم من منع تداول الأوراق المطبوعة في روسيا، لأن توزيع تلك الأوراق تم خارج المناطق التي يسيطر عليها.

وأسوة بغالبية الدول، لا تعترف الحكومة المالطية سوى بحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، الذي زار مالطا بعد أسابيع من إطلاق الجنرال حفتر الحملة العسكرية على طرابلس في نيسان/ابريل الماضي.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تطبع فيها الحكومة الموازية أوراقا نقدية في روسيا، ففي 2016 قامت بطبع مليارات الدنانير الليبية، واستخدمت قسما مهما منها للإنفاق على المجهود الحربي في ما بات يُعرف بـ”معركة طرابلس”. ويقول خبراء اقتصاديون إن مصرف ليبيا المركزي (طرابلس) لم يتمكن حتى اليوم من منع تداول الأوراق المطبوعة في روسيا.

دول الجوار

إلى ذلك، تسعى ليبيا إلى تطوير التعاون مع بلدان الجوار في قطاع المحروقات. وأجرى رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله أواخر تشرين الأول/اكتوبر الماضي محادثات في القاهرة مع وزير النفط المصري طارق المُلاَ، كان محورها تطوير التعاون مع الشركات المصرية العاملة في القطاع، إن في مجال التفتيش أم في مجال صيانة المنشآت النفطية، أم في تحديث البنية الأساسية وإصلاحها. وأفاد الوزير المُلا أنه أعطى توجيهات إلى الشركات باستئناف العمل في ليبيا وإحياء المشاريع العالقة منذ سنة 2011. وقالت مصادر ليبية أن صنع الله قدم عرضا عن المشاريع التي أعدتها “المؤسسة الوطنية للنفط” والرامية لتطوير إنتاج النفط والغاز. وحض الشركات المصرية على المشاركة في إنجاز تلك المشاريع، مشيرا إلى الدور الذي لعبته شركة “بتروغيت” المصرية في استكمال مدِ أنبوب نفط جديد انطلاقا من حقل الوفاء في غرب ليبيا.

وفي الجزائر بحث صنع الله مع المدير العام لمجموعة سوناطراك رشيد حشيشي، عودة المجموعة، وهي الأولى في أفريقيا، لمزاولة نشاطها في ليبيا، وتعزيز العلاقات النفطية المشتركة. وأطلع صنع الله نظيره الجزائري على خطط المؤسسة لزيادة الإنتاج النفطي والغازي في ليبيا، ودعا الجانب الجزائري إلى المساهمة في تنفيذ تلك الخطط. وشكل الجانبان فريق عمل مشترك لتدارس محاور التعاون، وبخاصة الفرص المتاحة في مجال النفط والغاز، على أن تسارع سوناطراك في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعجيل باستئناف نشاطها في ليبيا.

كما تشمل المشاريع التي تعتزم ليبيا إحياءها، مدَ أنبوب لنقل الغاز الطبيعي من حقل “الانتصار” إلى مجمع “السرير”. وتولى صنع الله ومسؤولون آخرون في “مؤسسة النفط” عرض المشروع ومشاريع أخرى على مجموعات نفطية خلال جولة شملت كلا من واشنطن وموسكو، زيادة على القاهرة والجزائر، بُغية إعطاء دفعة قوية للاقتصاد المترهل.

في السياق، تستعد شركة “بيكر هيوز” الأمريكية لتشغيل مضختين على المنصة “دي بي 3” بحقل البوري التابع لشركة مليتة للنفط والغاز (قطاع عام). وكانت المؤسسة الوطنية للنفط أعلنت في آب/اغسطس الماضي عن إنجاز أعمال الصيانة في حقل البوري البحري لإنتاج النفط، للمرة الأولى عن طريق شركة أمريكية. وتفقد وقتها رئيس المؤسسة صنع الله ظروف العمل في الحقل، خلال زيارة ميدانية له، مرفوقا بوفد من المهندسين. وشملت الصيانة حينها المنصتين 3 و4 وإصلاح الصمامات ذات الضغط العالي، وتحديث خطوط الأنابيب، وصيانة الآبار، وتركيب منظومة جديدة لمعالجة انقطاعات التيار الكهربائي. وتشي هذه العملية بأهمية الجهود التي يبذلها الأمريكيون للنفاذ إلى قطاع المحروقات الليبي، وتحقيق سبق على المجموعات الأوروبية المنافسة.

ظلال سلبية

يقول خبراء إن “حرب طرابلس” قوضت بداية الانتعاشة الاقتصادية التي سُجلت خاصة في المنطقة الغربية، ما ألقى ظلالا سلبية على توقعات المؤسسات المالية الدولية لأداء الاقتصاد الليبي خلال العام الجاري. وفي السياق توقع صندوق النقد الدولي استمرار تراجع إنتاج النفط المحلي خلال ما تبقى من العام. مع ذلك سُجل اتجاه تنازلي لأسعار الاستهلاك منذ أيلول/سبتمبر 2018 بعدما عرفت الأسعار في الماضي اتجاها تصاعديا، أضرَ بالقدرة الشرائية للسكان. كما تراجعت نسبة التضخم إلى 7 في المئة في المتوسط، قبل اندلاع القتال في جنوب العاصمة اعتبارا من نيسان/ابريل الماضي. وأفاد تقرير الآفاق الاقتصادية للعام 2019 بأن الأوضاع الأمنية والسياسية تدهورت، منذ شنِ الحملة العسكرية على طرابلس، ما أثر سلبا في الأداء الاقتصادي.

ونوه البنك الدولي بانعكاسات برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي نفذته حكومة الوفاق، في انخفاض معدلات التضخم، مشيرا إلى أن ذلك البرنامج مكن من تقريب المسافة بين أسعار السوق الموازية وأسعار الصرف الرسمية، مع تسهيل الحصول على العملات الأجنبية. وتُجمع تقديرات الاقتصاديين على التحذير من أن استمرار الصراع العسكري الحالي سيعصف بفرص تعافي الاقتصاد. بهذا المعنى غرقت ليبيا في اقتصاد حرب هي غير مؤهلة له، مع آثاره وارتداداته المربكة على الصعيدين الاجتماعي والأمني.

شركات فرنسية

غير أن حكومة الوفاق تحاول تنويع التعاون الاقتصادي ليشمل حتى البلدان التي تُصنف في خانة المؤيدين للجنرال حفتر، مثل فرنسا، التي أقامت أخيرا وزارة داخليتها معرضا لوسائل الدفاع المدني مع نظيرتها الليبية، في تونس، في حضور وزير الداخلية فتحي باشاغا. وشاركت في المعرض العديد من الشركات الفرنسية العالمية المختصة في مجال إصدار الجوازات والبطاقات الشخصية والطائرات والدفاع المدني والمستشفيات الميدانية. ووقعت هيئة السلامة الوطنية مذكرة تفاهم مع وزارة الداخلية الفرنسية، في مجال التدريب على الإطفاء والسلامة المدنية والإنقاذ ومجالات أمنية أخرى. وأشارت وزارة الداخلية الليبية إلى أن اجتماعا عقد على هامش الملتقى الليبي-الفرنسي في مجال الدفاع المدني مع الشركات الفرنسية لتبادل الخبرات والتجارب الأمنية.

وعلى الرغم من اضطراب حبل الأمن في البلد، تواظب وفود المجموعات الدولية على درس الصفقات التي يمكن أن تعقدها مع السلطات الليبية، خاصة في قطاع النفط، وكذلك في مجال إعادة إعمار المدن، التي خربتها ثلاثة حروب أهلية منذ 2011. ويُعزى ذلك الاقبال إلى أن ليبيا تملك 38 في المئة من احتياطات النفط في القارة الأفريقية، وتؤمن 11 في المئة من إمدادات النفط والغاز لأوروبا. وتُصدر ليبيا 80 في المئة من منتوجها النفطي إلى أوروبا، وتبلغ حصة إيطاليا الثلث وألمانيا 14 في المئة، ثم فرنسا واسبانيا بـ10 في المئة لكل منهما. وتشمل لائحة زبائن ليبيا أمريكا والصين والبرازيل ودول أفريقية. وقامت أخيرا مجموعتا “بريتش بتروليوم” البريطانية و”إيني” الايطالية بأعمال استكشاف لم يُعلن عن نتائجها.

روسيا سبقت الآخرين

وإذا كانت الموانئ النفطية بعيدة عن مناطق الاشتباكات، فإن ذلك لم يحمها من شرار المعارك، إذ تعمد أحد طرفي النزاع استهداف بعض الموانئ في حزيران/يونيو الماضي، ما تسبب بوقف صادرات المحروقات على مدى أسابيع، مع ما ترتب على ذلك التوقف من خسائر مادية. كما تعرض المقر الرئيس لمؤسسة النفط في العاصمة طرابلس إلى اعتداء إرهابي نفذه انتحاريان، في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، أسفر عن ضحايا من العاملين في المؤسسة. وهذا ما يجعل الاقتصاد المحلي محفوفا بالمخاطر، والمستثمرين الدوليين متوجسين من الاستثمار في البلد، مع أن الفرص المتاحة تبدو كبيرة. وما من شك بأن إحراز تقدم في مسار التسوية السلمية للأزمة، سيحفز المجموعات الدولية على التخطيط للعودة إلى ليبيا، بعدما سبقتهم إليها روسيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية