الناصرة-“القدس العربي”: حلت الذكرى الـ 25 لتوقيع اتفاق وادي عربة برعاية الولايات المتحدة والسفير الأردني في تل أبيب ما زال في عمان بعدما تم استدعائه على عجل على خلفية اعتقال سلطات الاحتلال مواطنين أردنيين اعتقالا إداريا. وتعكس هذه التوترات التي أنذرت بأزمة دبلوماسية “السلام البارد” بين طرفي الاتفاق التي تبخرت الأغلبية الساحقة من بنوده عدا البند المتعلق بالتعاون الأمني. وسبقت التوتر الأخير سلسلة أحداث هزت اتفاق وادي عربة القائم أصلا فقط في المستوى الرسمي في ظل رفض شعب الأردن له وتنكر إسرائيل لمحتوياته الوردية عن التعاون الاقتصادي وغيره علاوة على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني والقدس، حيث هناك وصاية أردنية على المقدسات فيها. وتتجلى الأزمة بعدم دخول الأردنيين لإسرائيل عدا مجموعات من العمال تعمل في إيلات فيما يشكل فلسطينيو الداخل الأغلبية الساحقة من السائحين الوافدين من إسرائيل للأردن. ومن آخر هذه الأحداث الناجمة عن توترات متراكمة والتي يؤججها أكثر فأكثر تصميم الأردن على رفض الطلب الإسرائيلي بتمديد البند الخاص باستئجار منطقتي الباقورة والغمر واستعادة أراضيه.
اليوم تعود الباقورة
في صباح هذا الأحد تعود منطقة الباقورة في منطقة مجامع النهرين جنوب بحيرة طبرية، اليرموك والأردن، للسيادة الأردنية مما دفع الآلاف من الإسرائيليين في الأيام الأخيرة لزيارتها قبل إعادتها لاسيما أنها نقطة جذب سياحية معروفة، فيها يلتقي النهران المذكوران وفيها آثار سكة الحديد الحجازية من العهد العثماني وآثار محطة توليد كهرباء بنتها الحركة الصهيونية في عشرينيات القرن العشرين وتعرف بـ “محطة نوتيربيرغ”. أما منطقة الغمر فقالت الإذاعة الإسرائيلية العامة أن الأردن وافق على إرجاء استعادته لتلك المنطقة في وادي عربة إلى أيار/مايو 2020 ريثما يجمع المزارعون الإسرائيليون منتوجاتهم. والباقورة منطقة حدودية أردنية تقع شرق نهر الأردن في محافظة إربد (شمال) تقدر مساحتها الإجمالية بحوالي ستة آلاف دونم ومزروعة ببيارات الحمضيات. أما الغمر فمنطقة حدودية أردنية تقع ضمن محافظة العقبة (جنوب) وتبلغ مساحتها حوالي أربعة كيلومترات مربعة وتمتاز بوفرة الينابيع الجوفية الساخنة أحد أهم أسباب ازدهار زراعة الخضراوات والفواكه داخل الدفيئات فيها. واحتلّ الجيش الإسرائيلي بعد حرب 1967 أراضي أردنيّة بينها الغمر أما الباقورة فقد احتلتها إسرائيل في عملية توغلّ داخل الأراضي الأردنية عام 1950. وخلال مفاوضات السلام بين إسرائيل والأردن، وافق الأردن على إبقاء هذه الأراضي لمدة 25 سنة تحت سيطرة الإسرائيليين مع اعتراف إسرائيل بسيادة الأردن عليها، بذريعة أن الإسرائيليين أقاموا فيها بنى تحتية، ومنشآت زراعية. وبلغت العلاقات الباردة بين إسرائيل والأردن أزمة عميقة عقب حادثة إطلاق النار في السفارة في عمان وقتل مواطنين أردنيين، لكن الكثير من المراقبين يعتبرون أن السلام ولد باردا وفي الواقع بقي حبرا على ورق عدا في مجال التعاون الأمني.
الحواجز تحولت لسدود
هذا رغم أن معاهدة “وادي عربة” الموقعة في 26 تشرين الأول/اكتوبر 1994 نصت على أن الهدف منها هو تحقيق سلام عادل وشامل بين البلدين استناداً إلى قراري مجلس الأمن 242 و338 ضمن حدود آمنة ومعترف بها، ولتحقيق السلام المنشود ينبغي- كما جاء في الديباجة– تخطي الحواجز النفسية بين الشعبين الأردني، وبنظرة للخلف يبدو أن الحواجز تحولت لسدود أكبر. وقع الاتفاقية وقتها عن الجانب الأردني، عبد السلام المجالي رئيس الوزراء وعن الجانب الإسرائيلي، إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي وكان الشاهد على التوقيع بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومكان التوقيع وادي عربة الحدودية. تشمل المعاهدة بنودا كثيرة ومتنوعة في مختلف المجالات أهمها المجال الأمني إضافة لبنود مجالات الطيران المدني، والبريد والاتصالات، والسياحة، والبيئة، والطاقة، وتنمية منطقة وادي عربة، والصحة، والزراعة، وتنمية منطقتي العقبة وإيلات. واشترطت كذلك على تعهد كل طرف بعدم الدخول في أي التزامات تتعارض مع هذه المعاهدة، كما نصت على تعهد الطرفين خلال ثلاثة شهور من تبادل وثائق التصديق بتبني التشريعات الضرورية لتنفيذ هذه المعاهدة ولإنهاء أي التزامات دولية وإلغاء أي تشريعات تتناقض معها. وهذا ما دفع صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية لاعتبار أن اتفاق السلام الموقع بين إسرائيل والأردن في 1994 يعرف “الموت البطيء” بعد أن كان يُفترض فيه أن يضمن سلاماً “دافئاً وحقيقياً” بين البلدين. إلا أن تحليل الصحافية سمدار بيري محررة الشؤون العربية في الصحيفة لفت إلى أنه يمكن فعل الكثير ليس فقط لإنقاذ الاتفاق، وإنما أيضاً لتعزيزه.
وفي مقالها ضمن ملحق الصحيفة الأسبوعي نقلت عن شخص قالت إنه شارك في التوصل إلى الاتفاق بين الأردن وإسرائيل “25 عاماً مرت، ولا تزال العلاقة بين بلدينا غامضة وقاتمة، وأن جهود التعاون الأمني بيننا أقوى من أي وقت مضى، إلا أن الضغوط تتزايد من أجل سلام أوسع مع إسرائيل”. واعتبرت أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني “يستخدم النزاعات الحدودية على طول نهر الأردن مع إسرائيل كعقاب”. وترى أن الأردن وافق على المعاهدة في وقت كان يمر فيه بظروف صعبة، جعلت عقد معاهدة السلام مع إسرائيل خياراً استراتيجياً لمنع خسارة المزيد من أراضي المملكة. وضمن استعراض تدهور العلاقات تستذكر قيام العاهل الأردني في تشرين الأول/أكتوبر 2018 بإلغاء الملحقين اللذين يمنحان إسرائيل الحق في التصرف في منطقتي الباقورة والغمر الحدوديتين لمدة 25 عاماً.
حادثة السفارة
وفي تحليل للخلف تقول بيري “رغم الإجراءات التي عبّرت ربما عن انتهاء الأزمة الدبلوماسية بين الأردن وإسرائيل وإعادة السفير الإسرائيلي إلى العاصمة الأردنية عمان، إثر حادثة السفارة التي وقعت في تموز/يوليو العام الماضي، وفي ظل الاستنكار الشعبي الأردني لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل ورفض ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة والاعتداءات المتواصلة على المقدسات الدينية التي تخضع للسيادة الأردنية؛ استجابت السلطات الأردنية للحملة الشعبية التي أطلقها ناشطون أردنيون لاستعادة الباقورة والغمر وبسط السيادة الأردنية عليهما”. وفي هذا السياق قال محرر الشؤون العربية في القناة الإسرائيلية 12 المحلل إيهود يعاري أن الحكومة الإسرائيلية لم تتفاجأ بالقرار الأردني القاضي بإلغاء ملحقين خاصين بتأجير منطقتي الباقورة والغمر. ورأى يعاري، أن الخطوة الأردنية تعبر عن “العلاقة المعقدة جدا” بين الحكومة الإسرائيلية وملك الأردن عبد الله الثاني والتي اعتبرها في “تراجع مستمر”. واعتبر العلاقة بين عمان وتل أبيب تشهد “برودًا مثيرًا جدًا” على الرغم من أن العلاقات ظاهريًا تبدو واضحة المعالم ومستقرة. زاعما أن الملك عبد الله حاول استرضاء الشارع الأردني، في ظل المطالبات لاستعادة المناطق المؤجرة لإسرائيل واعتبار استمرار السيطرة الإسرائيلية عليها تخليا سافرا عن السيادة.
الأزمات الاقتصادية
وفي قراءته لما جرى ويجري يقول يعاري أن ذلك يأتي في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها الأردن والارتفاع الحاد في نسب الفقر وانطلاق احتجاجات شعبية رافضة لتعديل قانون ضريبة الدخل، وسط حاجة ملحة لمساعدات مالية من دول خليجية بالإضافة إلى الضغوط التي تتمثل بتنفيذ شروط بنك النقد الدولي. لافتا إلى أن الملك لم يحاول التدخل لتهدئة الأجواء الداخلية في الأردن خلال الاحتجاجات التي خاضتها قبل نحو عام اتحادات النقابات العمالية في مواجهة تعديل قانون ضريبة الدخل، وفضل تحميل الحكومة مسؤولية الانفجارات والمواجهات التي عمت الشارع الأردني، فيما استجاب سريعًا للمظاهرات التي قد تنفجر للمطالبة باستعادة الباقورة والغمر قبل دخول الاتفاق حيز التجديد التلقائي. وفي تلخيص العلاقات في يوبيلها الفضي، نقل التلفزيون الرسمي الإسرائيلي عن مسؤول إسرائيلي محجوب الهوية قوله إن خيبة الأمل الإسرائيلية “كانت بسبب العلاقات الخاصة بين البلدين”. وأضاف أنه وفقا للتقديرات الإسرائيلية، جاء القرار الأردني في أعقاب ضغوط سياسية داخلية كبيرة. واعتبرت عضو الكنيست إيليت نحمياس فيربين (المعسكر الصهيوني) التي عملت في مكتب رئيس الحكومة الراحل، اسحاق رابين، خلال الفترة التي تم فيها توقيع الاتفاق، وكانت مطلعة على تفاصيل التفاوض: “القرار الأردني يعبر عن فشل في السياسة الخارجية لرئيس الحكومة نتنياهو”. وأضافت: “لسوء الحظ، يبدو أن ذلك نتيجة طبيعية للصراع الذي يخوضه نتنياهو على السلطة بدلاً من الحوار بين البلدين واستهتاره المستمر بالقضية الفلسطينية”. وحسب ملاحق اتفاقية السلام الموقعة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994 تم إعطاء حق التصرف لإسرائيل بهذه الأراضي لمدة 25 عاما، على أن يتجدد ذلك تلقائيا في حال لم تبلغ الحكومة الأردنية برغبتها استعادة هذه الأراضي قبل عام من انتهاء المدة. وتنص ملاحق اتفاق وادي عربة للسلام، الموقع بين الأردن وإسرائيل، على أن “لا يطبق الأردن تشريعاته الجمركية أو المتعلقة بالهجرة على المتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم الذين يعبرون من إسرائيل إلى المنطقة بهدف الوصول إلى الأرض لغرضي الزراعة أو السياحة أو أي غرض آخر يتفق عليه. في المقابل، تعترف إسرائيل “بالسيادة الأردنية على المنطقة، وتتعهد إسرائيل بعدم القيام أو السماح بقيام أي نشاطات في المنطقة من شأنها الإضرار بأمن الأردن أو سلامته”.
خبايا العلاقات السرية
وقبيل سحب عمان سفيرها من تل أبيب في الأسبوع الماضي، حذر باحث إسرائيلي بارز من احتمال تحطم العلاقات التاريخية بين إسرائيل والأردن على خلفية عودة خطاب “الوطن البديل” وذلك ضمن محاضرة له حول خبايا العلاقات السرية والعلنية بين الطرفين من قبل 1948 حتى اليوم. وتحت عنوان “علاقات إسرائيل – الأردن في السر والعلانية في 1967-1948” نظم معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب ندوة بمناسبة 25 سنة على توقيع اتفاق وادي عربة استعرض الباحث في الشأن الأردني بروفسور آشر ساسر مسيرة العلاقات بين دولة الاحتلال والمملكة الأردنية الهاشمية. وأوضح أن الجانبين الأردني والإسرائيلي نسجا علاقات سرية قبل نكبة 1948 وتحادثا حول التقسيم والضم. منوها إلى أن هذه الاتصالات تكثفت غداة قرار التقسيم الأممي في 1947 ويشير للقاء السري بين العاهل الأردني الراحل الملك عبد الله وبين غولدا مئير رئيسة حكومة إسرائيل لاحقا، تم في منطقة الباقورة جنوب بحيرة طبرية. ويتفق ساسر مع مراقبين إسرائيليين كثر وجهوا انتقادات لإسرائيل وحملوها قسطا من بقاء العلاقات مع الأردن هشة وباردة مؤكدين على خطورة تركيز الاهتمام بالناحية الأمية بدلا من تطبيق البنود المتعلقة بالتعاون الاقتصادي معتبرين أن وادي عربة بقيت اتفاقية عاقر وثمارها مجرد أوهام ما دفع الأردنيين لرفضها أكثر فأكثر علاوة على دور وتأثير الصراع مع الشعب الفلسطيني وانتهاكات الاحتلال خاصة في القدس الشريف.