مضى قبل أسابيع 25 عاما على توقيع اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية بين الملك حسين بن طلال ورئيس الوزراء الإسرائيلي اسحاق رابين. وكانت المعاهدة التي عرفت بوادي عربة نتاجا لاتفاقية أوسلو التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير وأفضت إلى تشكيل السلطة الفلسطينية. وهي المعاهدة التي فاجأت الملك الأردني لأنها تمت بدون علمه. وكانت أوسلو ووادي عربة نتاجا لعقد من جهود السلام من مدريد إلى شبردزتاون وكامب ديفيد. وانتهت اتفاقية أوسلو بالحال الذي نراه اليوم، تجميد للمفاوضات واستمرار إسرائيل في نشاطاتها التي قوضت الأسس التي قامت عليها تفاهمات أوسلو، سواء فيما يتعلق بالقدس أو الحدود واللاجئين. ولكن المعاهدة مع الأردن صمدت رغم السلام البارد والأزمات التي مرت بها العلاقات الأردنية-الإسرائيلية من محاولة اغتيال زعيم حماس في عمان إلى انتفاضة الأقصى والأزمات الدبلوماسية والهجمات الإرهابية وحتى اعتقال الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي اللذان اعتقلتهما السلطات الإسرائيلية وأدت قضيتهما لتعبئة الرأي العام الأردني واستدعاء السفير الأردني لدى إسرائيل ومطلب المملكة عودة مواطنيها حالا. وفي النهاية استجابت إسرائيل للمطالب الأردنية وأفرجت عنهما.
الباقورة والغمر
ولكن العلاقة بين البلدين مرشحة للتوتر على خلفية طلب الأردن بعودة كل من الباقورة والغمر اللتين استأجرتهما إسرائيل بموجب الاتفاقية لمدة 25 عاما، ومن يوم الأحد سيمنع المزارعون الإسرائيليون من دخول المنطقتين. وتطرح الأزمات الأخيرة أسئلة على الجانب الإسرائيلي وهو أن السلام مع الأردن لم يعد أمرا مفروغا منه رغم سنوات من التعاون الأمني والسلام البارد. وحسب باحث إسرائيلي نقل عنه موقع “المونيتور” (8/11/2019) فإسرائيل تعودت على التعامل مع الأردن من خلال المنظور الأمني، مشيرا إلى أن المؤسسة الأمنية مثلا لم تفهم هوية المعتقلين إلا لأنهما من أصول فلسطينية مع أنهما مواطنان أردنيان. ورغم حل المشكلة واستقرار الوضع إلا أن أحدا لا ينكر التدهور الذي شاب العلاقات الأردنية-الإسرائيلية، على الأقل في مجال الرأي العام. ومن الأمثلة على حوادث أغضبت الرأي العام ولم تترك مجالا للدبلوماسية، ما قام به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من استقبال الحارس للسفارة الإسرائيلية في عمان الذي قتل صاحب شقته في عمان وأردني آخر في ظروف غير واضحة. وقد أثار تصرف نتنياهو دهشة المسؤولين الأردنيين، خاصة أن نتنياهو استقبل الحارس بحضور السفير الإسرائيلي في عمان وهو ما اعتبره المسؤولون الأردنيون إهانة للملك عبد الله الثاني وإحراجا له. واعتذرت إسرائيل لاحقا للأردن ودفعت أموالا لتعويض عائلات الضحايا. ويرى خبراء إسرائيليون أن حوادث كهذه تضر بقضية السلام بين البلدين وتضع ضغوطا على القيادة الأردنية، في ظل وجود نسبة كبيرة من سكان الأردن يرفضون السلام مع إسرائيل. ومن هنا رفض الملك عبد الله في الآونة الأخيرة مقابلة نتنياهو أو حتى الرد على مكالماته. ونقل “المونيتور” عن مصدر دبلوماسي في عمان قوله “في ضوء العلاقات الفقيرة فلن يكسب الملك من هذه اللقاءات أو المقابلات، ونريد أفعالا لا كلاما”.
إعادة النظر
ومع أن المستوى الأمني يرفض الاعتراف بالأزمة الأخيرة بين البلدين، إلا أن البعض يرى حاجة في إعادة الدفء إلى العلاقات. ففي مقال كتبه السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن زلمان شوفال في صحيفة “جيروزاليم بوست” (7/11/2019) أشار فيه لتعليقات موشيه دايان، وزير الدفاع السابق والتي قال فيها إن العلاقة مع الأردن أفضل من مصر رغم توقيع معاهدة كامب ديفيد. ويعتقد أن المعاهدة مع الأردن قائمة على المصالح المشتركة بين البلدين والتي سبقت كما يقول إنشاء دولة إسرائيل عام 1948. ومصلحة الأردن الحالية تذهب أبعد من المعاهدة خاصة الدعم الذي قدمته إسرائيل في واشنطن لتخفيف حدة العلاقات الأمريكية-الأردنية عقب وقوف الأردن مع صدام حسين في حرب الخليج بالإضافة للمساعدة الأمريكية السنوية وما تقوم به إسرائيل من تخفيف لمشاكل الأردن المائية حسب شوفال. وبالنسبة لإسرائيل فالعلاقة مع الأردن مهمة لأن الجارة الشرقية تقوم بدور مهم من ناحية الأمن على الحدود الشرقية، ومن الناحية العسكرية يمثل الأردن العمق الإستراتيجي لإسرائيل والذي كلف الملك حسين ثمنا عندما تخلى عن دوره. ويرى بعض المؤرخين أن مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوريون الذي كان حريصا على منع قيام دولة فلسطين، لم يظهر معارضة لسيطرة الأردن على ما تبقى من فلسطين التاريخية أو ما عرف بالضفة الغربية. وهي آراء يقول شوفال مثيرة للجدل، ولو لم ينضم الملك حسين إلى مصر وسوريا في حرب عام 1967 لاستمرت سيطرة الأردن على الضفة الغربية.
مدريد
واستمرت اللقاءات السرية بين حكومات الليكود والعمل من جهة والمسؤولين الأردنيين لمنفعة الطرفين والتي قادت إلى مؤتمر السلام الذي رعته الولايات المتحدة في مدريد عام 1991. وشارك فيه وفد أردني-فلسطيني مشترك، ورغم تعامل الأردن مع العملية السلمية بجدية ورغبته بعملية تقود إلى السلام إلا أنه لم يكن راغبا في الظهور بمظهر من يتخلى عن الفلسطينيين. ويرى شوفال أن هناك عدة أسباب للبرود في العلاقات وهي تعود في جلها للسياسة الداخلية للطرفين، فعدم تمديد استخدام الباقورة والغمر هو نتاج للضغوط الداخلية في الأردن بالإضافة لما رافق اعتقال المواطنين الأردنيين في إسرائيل. أما من الجانب الإسرائيلي فهي الأحداث المتعلقة بالحرم الشريف التي يظهر منها أن إسرائيل تريد تغيير الوضع القائم الذي اتفق عليه بعد حرب الأيام الستة. فالوضع القائم بني على اتفاقيات سابقة يعطي الأردن الوصاية على الحرم الشريف بحيث يمنع مواجهة بين إسرائيل والعالمين العربي والإسلامي. وفي الوقت نفسه تقوية السيادة الإسرائيلية على المكان وحماية حقوق اليهود. ويرى شوفال أن نتنياهو يفهم أهمية “الوضع القائم” وكذا العلاقة مع الجار في الشرق. مشيرا إلى أن الدفء في العلاقة يحتاج جهدا من الطرفين وتخطي العقبات التي تقف في الطريق.
قصة معاهدة
ويعتقد بروس ريدل، المحلل السابق في “سي آي إيه” أن من بين محاولات السلام التي شهدها عقد التسعينات من القرن الماضي كانت معاهدة وادي عربة استثناء. وفي مقال نشره موقع معهد “بروكينغز” (23/10/2019) قال فيه إن النجاح نابع من البعد الإستراتيجي المشترك بين البلدين. وتذكر كيف كان في ميناء العقبة الأردني عندما رعى الرئيس بيل كلينتون المصافحة التاريخية بين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات واسحاق رابين. وكانت مهمته في الميناء الأردني التأكد من عدم خرق الأردن للمقاطعة المفروضة على صدام حسين. ويرى ريدل أن المعاهدة مشتقة من أوسلو وشعور الملك حسين بالخيانة نظرا لعدم علمه بها. ففي الوقت الذي كان يلتقي فيه سرا مع المسؤولين الإسرائيليين قام هؤلاء بالتفاوض مع الفلسطينيين من وراء ظهره. ويقول إن موقف الأردن من حرب الخليج سمم العلاقات مع أمريكا التي قطعت الدعم العسكري والمساعدات الأخرى ووضعت ميناء العقبة تحت الرقابة، إلا أن الإدارة الأمريكية الجديدة لكلينتون كانت تريد طي صفحة العراق وإعادة العلاقات مع الأردن. وفي أيلول (سبتمبر) 1993 جاء رابين من إيلات إلى العقبة وأكد للملك حسين بأنه سيأخذ بعين الاعتبار قلقه ويخبره مستقبلا بمجريات أوسلو. ووجد الملك حسين وشقيقه الأمير حسن أن المعاهدة الإسرائيلية مع الفلسطينيين جيدة للأردن. فالملك حسين تردد من عقد معاهدة مع إسرائيل لأنه لا يريد أن يكون في المقدمة ولأنه لم يكن راغبا في عقد سلام منفرد كما فعل أنور السادات. وبعد محادثات عرفات مع الإسرائيليين فلن يكون الأردن وحيدا، وحتى السوريين كانوا يتحدثون مع الإسرائيليين عبر الأمريكيين. وأهم من هذا فالمعاهدة مع إسرائيل ستكون مفتاحا لإعادة العلاقات مع واشنطن. ودعم كلينتون محادثات السلام بحماسة، فاتفاق سلام بين الأردن وإسرائيل سيكون مفيدا له كي يقنع الأمريكيين الذين لا يزالون ساخطين على عمان وموقفها من حرب الخليج. وفي نيسان (إبريل) 1994 أرسل الملك حسين إلى إفرايم هاليفي نائب مدير الموساد ودعاه إلى لقاء سري أخبره فيه أنه مستعد للسلام. وكان يريد التعجل في المحادثات خاصة أنه كان راغبا بمساعدة إسرائيل في ترطيب الأجواء مع أمريكا وعودة المساعدات السنوية وقطع الغيار وتسليم طائرات أف-16 لسلاح الجو الملكي. واشترط الملك حسين عدم تدخل الأمريكيين في المحادثات وطلب أن يكون هاليفي هو المفاوض لا وزير الخارجية شمعون بيرس، فقد كان الملك ساخطا عليه لعدم وفائه باتفاق بينهما عام 1987. ويرى ريدل أن العلاقة بين الملك ورابين كانت مهمة لنجاح المفاوضات. وأن رابين وعد الملك حسين باحترام علاقة العائلة الهاشمية بالقدس وذكره بنص المعاهدة (بند9). ورغم الشكوك الأمريكية حول تقدم المحادثات بين الطرفين، وعلم الإدارة أن الملك حسين تراجع في السابق، وتفضيل العاهل الأردني الحديث مع الإدارة عبر “سي آي إيه” إلا أن الملك زار واشنطن في 22 حزيران (يونيو) 1994 ومعه خطة لاستئناف العلاقات الثنائية وعلى رأسها شطب الدين الأردني الذي يصل إلى 700 مليون دولار. واجتمع مع كلينتون الذي أخبره أن المطالب الأردنية يصعب تسويقها إلى الكونغرس إلا في حال وافق الملك على لقاء رابين في واشنطن بحفلة توقيع عامة. وكان الملك سعيدا بلقائه مع كلينتون حيث أخبر مساعديه أنه أفضل لقاء يعقده مع رئيس أمريكي منذ لقائه الأول مع دوايت أيزنهاور في 1958. وأثناء توقيع إعلان المبادئ في واشنطن في 25 تموز (يوليو) 1994 والخطاب الذي ألقاه كل من الملك حسين ورابين امام جلسة مشتركة للكونغرس، كان هاليفي يقوم بالضغط على الكونغرس لشطب الدين الأردني، وعاد إلى المنطقة على الطائرة الملكية مع الملك والملكة. وطارت فوق الأجواء الإسرائيلية ورافقتها طائرات أف-16 حيث حلقت فوق القدس، وكانت أول مرة ينظر فيها الملك حسين من الجو للقدس منذ عام 1967. ويشير ريدل إلى مشكلة الماء والأرض في المحادثات وما تم التوصل إليه في مسألة أراضي الغمر والباقورة وتأجيرها إلى المزارعين الإسرائيليين. وشهدت فترة توقيع الاتفاقية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1994 تظاهرات تواصلت طوال الـ 25 عاما الماضية. وكانت مشاركة كلينتون فيها هي الزيارة الثانية لرئيس أمريكي للمملكة منذ زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974.
في خطر
وبعد مقتل شريك الملك حسين في السلام وإرسال نتنياهو عملاء الموساد لقتل زعيم حماس خالد مشعل بدأت العلاقة تأخذ شكلا آخر. لكن الهدف الإستراتيجي للملك حسين تحقق وهو إعادة العلاقة مع الولايات المتحدة. ومنذ وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض مال في كل مواقفه تجاه إسرائيل من دون أخذ اعتبار للمصالح الأردنية. وكان نقله للسفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس صدمة لمعاهدة السلام. ولو بدأت إسرائيل بضم مناطق في الضفة الغربية فالمعاهدة ستكون في خطر أكبر من أي وقت مضى. يتذكر الكاتب أنه رافق وزير الدفاع الأمريكي مايكل بيري في زيارة لعمان لتسليم سرب من مقاتلات أف-16 حيث وصف الوزير الأمريكي الأردن بأنه “العمود الفقري” للشرق الأوسط. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1999 حضر الرئيس كلينتون مراسم تشييع الملك حسين مع ثلاثة من رؤساء أمريكا السابقين كدليل على التزام واشنطن بالأردن.