رياض معسعس طالعتنا الحكومة العراقية التي كانت تجهز نفسها، قبل قرار تأجيل القمة العربية في دورتها الثالثة والعشرين للعام المقبل، لاستقبال الزعماء العرب (التي انتفضت شعوب معظمهم ضدهم)، بالقول: إن تكلفة القمة ستبلغ 450 مليون دولار (أربعمائة وخمسون مليون دولار) فقط لا غير. وتساءل أحدهم أليس هذا الرقم المفجع وحده يستحق انتفاضة على الجامعة العربية؟
، ويتساءل آخر ببراءة: هل النتائج التي ستتمخض عن هذه القمة تستحق هكذا نفقات؟
سؤالان لا بد من الإجابة عليهما في هذا الوقت الكريم الذي يمن علينا بثورات مباركة ضد مبارك، وزين العابدين بن علي ‘والأربعين حرامي’، والأسد، وصالح وما بقي من الثلة الحاكمة بأمره منذ عشرات السنين. بدأت فكرة الجامعة العربية في العام 1941 في رأس وزير خارجية بريطانيا آنئذ انتوني إيدن لتضم الدول العربية الحديثة الاستقلال، وتم تأسيسها في العام 1945 تحت اسم جامعة الدول العربية، أو بتعبير أدق جامعة الأنظمة العربية، وهي ليست جامعة شعوب، لأن فكرة جمع الشعوب كانت مرفوضة تماما من قبل مفصلي ثوب سايكس بيكو على مقاس كل نظام أنشيء بمشيئتهم. وقد عقدت الجامعة العربية 36 مؤتمرا منذ إنشائها، ويمكن لنا هنا اختصارا البحث في أهمها. جاء لقاء أول مؤتمر قمة عربية في العام 1964 في القاهرة للبحث في مشروع إسرائيل بتحويل نهر الأردن. ورغم أن القرار الصادر عن هذه القمة دان هذا المشروع وتعهد زعماؤنا الأشاوس آنئذ بكل حزم مواجهة أطماع إسرائيل في المياه العربية، إلا أن مياه نهر الأردن مازالت تروي شرايين اسرائيل في حين لم يتبق لنا منها سوى الاسم. أما الحزم الموعود فبقي حبرا على ورق البيان تامي. في العام 67 عقد مؤتمر قمة الخرطوم الشهير، واتفق زعماؤنا الأشاوس، العائدون من حرب خاسرة أخرى مع اسرائيل، على مواجهة العدوان بكل حزم، وعلى لاءات ثلاثة: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض. لكن هذا القرار التاريخي لم يصمد طويلا، فما أن عاد كل منهم إلى بلده حتى تم التفاوض لقبول مشروع روجرز وقرار الأمم المتحدة رقم 242 والذي يعترف، من يوقع عليه، بإسرائيل ضمنيا. أما الحزم الموعود فبقي حبرا على ورق البيان الختامي. لكن الاعتراف العلني والصريح أمام الكنيست الإسرائيلي جاء من أم العرب، والدنيا مصر في اتفاق كامب ديفيد في العام 1977. في العام 1976 عقدت قمتان من أجل إيقاف الحرب الأهلية في لبنان واللتان تؤكدان على ضرورة وضع حد لهذه الحرب، وتنمية روح التعاون والإخاء بين الأطراف. لكن الحرب اللبنانية استمرت خمس عشرة سنة أخرى، أما روح التعاون والإخاء فبقيت حبرا على ورق البيان الختامي.
في العام 1978 عقدت قمة بغداد للبحث في توقيع مصر لاتفاقيات كامب ديفيد وخرجت بقرارين هامين: عدم موافقة المؤتمر على اتفاقيتي كامب ديفد، وحظر عقد صلح منفرد. لكن هذين القرارين لم يلتزم بهما أحد فقام الأردن فيما بعد، ثم موريتانيا بعقد صلح منفرد مع تل ابيب، وتعددت الزيارات والاتفاقات السرية بين اسرائيل والأنظمة العربية التي لا يعلم بها إلا الله وويكيليكس. وكل هذه الاتفاقات الخطيرة لم يؤخذ فيها رأي الشعوب باستفتاء حر ونزيه لأنهم يعلمون علم اليقين أن الشعوب الحرة سوف ترفضها.
ثم جاء مؤتمر عمان في العام 1980 الذي دعا إلى وقف اطلاق النار بين العراق وايران. لكن هذه الحرب الطاحنة هناك من زكاها من الانظمة العربية لتستمر ثماني سنوات، بل أن سورية وقفت مع ايران ضد العراق. ولتكون أكبر كارثة تصاب بها العراق والتي ستودي به فيما بعد إلى حروب أخرى تدمره وتعيدة عشرات السنين إلى الوراء.
في العام 1982 عقد مؤتمر قمة فاس وكان أول بند فيه إقرار مشروع السلام العربي مع إسرائيل (أي بعد خمس عشرة سنة فقط من لاءات الخرطوم). بعد اجتياح الكويت من قبل العراق في العام 1990 عقد مؤتمر القاهرة الذي كان مسرحا لتبادل الشتائم، والتقاذف بالصحون أكثر من الخروج باتفاق أو حتى بيان يمكن أن تعبر فيه الجامعة عن موقف.
بعد ست سنوات من الجمود فاجأتنا الجامعة بقمة القاهرة التي خرجت بقرارات ‘هامة’ لم ينفذ أيا منها: إنشاء محكمة عدل عربية، إقامة منظمة تحارة حرة عربية، التأكيد على شروط السلام الشامل من انسحاب كامل لاسرائيل من الاراضي العربية والتوقف عن النشاط الاستيطاني الحفاظ على وحدة وسلامة العراق. (أين نحن من كل هذه القرارات!!) وفي السابع والعشرين والثامن والعشرين من آذار/ مارس 2002 عقد مؤتمر القمة العربي العادي في العاصمة اللبنانية بيروت، وتبنى المؤتمر مبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز للسلام والتي بات تتعرف باسمه لإحلال السلام في الشرق الأوسط. وقد تقدمت الخطة بعرض سخي لإسرائيل بأن توقع اتفاقية سلام مع العرب واعترافهم بها جميعا مقابل استعادة الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية. ولكن إسرائيل استهزأت بالعرب وبخطتهم ورفضتها جملة وتفصيلا، وبعد عقد كامل من الزمن تقريبا على هذه القمة، ما زالت خطة السلام العربية موضوعة على الرف إذا لم نقل في سلة المهملات. في آذار/ مارس 2003م عقد مؤتمر القمة العربي العادي في شرم الشيخ بمصر، وكانت الحرب الأمريكية ضد العراق على الأبواب، أكد زعماؤنا الأشاوس رفضهم المطلق لضرب العراق أو تهديد أمن وسلامة أي دولة عربية. لكن الوقائع على الأرض أكدت عكس ذلك إذ اجتاحت القوات الأمريكية مع الدول المتحالفة العراق وبمشاركة عدة دول عربية، وأعانوها على إسقاط بغداد.
نتوقف عند هذا الحد لأن كل القمم التي عقدت بعد ذلك لا تساوي قيمة الورق التي كتب عليها بياناتها الختامية. نرى مما تقدم أن الجامعة العربية التي يصول أمينها العام ويعطي التصريحات النارية إنه لم يجرؤ حتى على اتخاذ موقف من شيمون بيريز في مؤتمر دافوس في حين انسحب منه رجب طيب اوردوغان بعد رد على بيريز رده الشهير. بل أن الجامعة وفي آخر مهزلة لها وافقت على التدخل الغربي في ليبيا، وهي التي أكدت في بياناتها على رفضها لأي تهديد لامن وسلامة أية دولة عربية. كان لا بد لهذه القمة إلا أن تتأجل لأن الكلمة اليوم هي للشعوب الثائرة على أنظمتها وعلى مثل هكذا جامعة التي لم تتخذ يوما قرارا واحدا في صالح هذه الشعوب ونفذته، بل أنها كانت ولا تزال تقف، كمجلس الأمن الذي يقف دائما إلى جانب أمريكا وإسرائيل، تقف هي إلى جانب الدول العربية القوية والغنية. وبانتظار القمة المقبلة كلنا أمل أن تكتمل الثورات العربية المباركة بإسقاط كل الطغاة، وإقامة جامعة شعوب عربية تمثل فيها الشعوب بنواب منتخبين في برلمان عربي موحد قادر على تنفيذ قراراتها التي بالضرورة ستكون في صالح هذه الشعوب وتستحق إسم جامعة الشعوب العربية قولا وفعلا. ‘ كاتب من سورية