الشاعر اللبناني غسان جواد: على شعوبنا ان تثبت استحقاقها للحرية وجدارتها بها!

حجم الخط
0

بيروت ـ من مازن معروف: هو من أكثر الوجوه الناشطة بمواقفها العلنية والاستفزازية أحيانا على ‘الفيس بوك’. كان انتقاله من قوى الرابع عشر من آذار (مارس) إلى معسكر الخصوم، صريحا ومفاجئا. يؤخذ عليه في بعض الأوساط الشبابية العلمانية، والثقافية، ارتداده إلى العمق الشيعي، ودفاعه عن سياسة النظام السوري، كحاضن وداعم للمقاومة اللبنانية في وجه إسرائيل. قدم استقالته من أوربت مؤخراً، وحُكي عن أسباب سياسية وراء الاستقالة. مجموعته الشعرية ‘الحب لا يسكن الحب’ (دار النهضة ـ بيروت)، أتت لتؤكد على هذا التوتر الذي يفعله حضور المرأة الدائم في قصيدته، والذي لا يستطيع الفكاك منه، لما يحمله من سلطة شعرية وعاطفية واستدراج للتفكر بالحب، ومحاولة مدّه بأبعاد وجودية وسياسية أحيانا. غسان جواد، الشاعر المشاغب والإعلامي والسياسي، يتحدث إلى ‘القدس العربي’ حول تجربته الشعرية والوضع الراهن على المستوى الداخلي والإقليمي. * ‘الحب لا يسكن الحب’ هو عنوان مجموعتك الشعرية الجديدة الصادرة عن دار النهضة العربية. نلاحظ أن للمرأة في هذا العمل، مساحة أساسية من حيث أنها موجودة لتحفز حواس الشاعر لاختبار الوجود. الى أي مدى يمكن لهذه المرأة ان تتمدد، على المستويين الانساني والعاطفي والسياسي حتى؟* في ‘الحب لا يسكن الحب’ امرأة واحدة محددة ومعرّفة ولديها دورها التحفيزي الواضح. إن صيغة المخاطب في مجمل نصوص الحب التي يتضمنها الكتاب، تعكس حضورا واحدا يتمدّد على مختلف المستويات وصولا الى حدود الامتلاء بها والاختناق بحضورها الطاغي. في مجموعاتي السابقة ‘وانا ظلّك’ (1997) و ‘تمرين على الاختفاء’ (2004) و ‘ضوء بين حياتين’ (2008) كانت المرأة عبارة عن عدد من النساء، اكتبهن بشكل مزاجي ومتقطّع او منقطع. النساء اللواتي كتبت لهن في كتبي السابقة كنّ في الغالب وهميات ومتعددات او لنقل انهن مزيج شعري بين الواقع والمتخيّل بين ما اراه في المرأة وما اريد ان اراه فيها. ولا شكّ في ان الاشتغال الشعري يلعب دوره الكبير من خلال اسقاط الصفات والافكار والصور المتخيّلة على شخصية شبه واقعية لدرجة تختلط فيها الامور بين ما هو واقعي وما هو متخيّل. انها حركة مزدوجة وشبه كلاسيكية في شعرنا العربي، بحيث ترفع الصورة الشعرية من شأن المعشوق وتكون كل اللعبة اللغوية قائمة على خلق اضافات جمالية عليه تجعله اجمل وافضل وأرق وأشهى الناس. الاحظ الان ايضا عندما اتصفح هذه الكتب الثلاثة انني كنت اخاطب اكثر من امرأة في حديثي عن النساء. ولفتني ايضا انني لم استعمل مفردة ‘احبك’ موجهة الى امرأة واحدة في جميع القصائد الموجودة فيها. غالبا كانت مفردة ‘نساء’ او ‘حبيبة’ او ‘حبيبات’ هي الصفات المستعملة في حديثي الشعري عن المرأة وفي كتابتي لها. في كتابي الجديد ‘الحب لا يسكن الحب’، ازعم انه مكتوب لامرأة واحدة موجودة ومحددة. وانني كنت اكتفي بالنظر اليها لكي اكتب. كأنني رسّام يرسم بورتريه لحبيبته ولا ينتهي. لا انفي هنا قدرة الشاعر على الابتكار، او على رؤية الكائن من زوايا جمالية وانسانية محددة. لكن ما اود قوله ان هذه التجربة قريبة جدا الى الواقع لذلك اجد فيها ابتعادا عن الانشاد والغناء والشعر المتداعي، واظنها تقترب كثيرا الى النثر الشعري الذي يقرّبني اكثر من ‘كتابة’ اطمح إلى ان تكون جديدة وتشكّل اضافة ما في الشعر العربي المكتوب حول الحب والحبيبة. هذا مع العلم بأن اسم الحبيبة نفسه تم استخدامه في احد النصوص وكان جزءا من لعبة فنية غير مفتعلة في رأيي ولا تبتذل الحب بالبوح المعهود او الفجائعي. ثمّة فرح في هذا الحب. ثمة حزن، وثمة اشياء كثيرة لا اعرف كيف اتحدث عنها هنا. على ضفاف هذه المرأة ـ الحبيبة ثمّة تطواف تام على احوال العالم والوجود والكينونة والارض والسماء. هي عصب الكتابة الشعرية وعلى نواحيها تقيم احوالي وافكاري ومشاعري وامزجتي الكثيرة. من خلالها انظر للعالم الخارجي، ولعالمي الداخلي. واقيم علاقات شعرية بينهما. ولا اخفيك ان الحب قد يجعلك متسامحا الى درجة تؤثر حتى على آرائك السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى. ذلك انه يجعلك تصدر نحو العالم براديكالية اقل وبتسامح وتفهّم اكثر. الحب هو ان تتخفّف من العقائد وان تنظر للعالم على انه واسع وكثير ويحتمل كل نتاجنا البشري السلبي منه والايجابي. *هل ترى أن على الشاعر ان يحمل مشروعا كتابيا أو نقديا، أم أن دوره يتلخص في إنجاز القصيدة وحسب؟* مررت بعدة اطوار فكرية وثقافية في نظرتي لهذا الموضوع. كنت في بداياتي الشعرية اميل الى القصيدة ‘المثقفة’ والتي تحمل مشروعا داخليا ووظيفيا. كنت انظر للشعر على انه ‘خلخلة’ للعالم وانه تغيري وان في وسع القصيدة ان تفجّر القيم البشرية وتعيد صياغتها من خلال جوهرها. احيانا كنت اعجب بفكرة ‘الشاعر الرائي’ النبي يعني.. وقد تأثرت فكريا وثقافيا ببعض أصحاب وشعراء نظرية ‘المشروع الشعري’. لكنني لا اخفيك انني مع الوقت بدأت اصبح اكثر رحابة في علاقتي مع الشعر ومع النصوص التي اقرأها. لم اعد اضع في رأسي قالبا جاهزا اقيس عليه جودة هذا الشاعر او تلك القصيدة. ولم اعد أنظر الى كل التجارب الشعرية على انها ذات مستوى واحد. فكرة المشروع الشعري تخلصت من عبئها من خلال قراءتي للتجارب الشعرية التي تزعم انها تشتغل على ‘ثيمة’ محددة. فإذا بي اكتشف ان كل مجموعة شعرية وان كل قصيدة وربما صورة او جملة شعرية هي مشروع بحد ذاته. مشروع متخفّف من الدور والوظيفة والالتزام النقدي او المنهجي او المدرسي. احيانا انظر الى هذا المنطق على انه ‘استعلائي’ وعلى انه يحمّل الشعر اكثر مما يحتمل. محمد الماغوط اعمق واكبر شاعر عربي في منتصف القرن العشرين. ولم يكن يحمل مشروعا نقديا ولم يكن يؤمن بالايديولوجيا وقد كتب قصائد ونصوصاً باهرة وذات دلالات انسانية وثقافية وفكرية بالغة العمق والتوغل في النفس البشرية وفي احوال العالم والكائن. وقد عبّر في حداثته عن بعد ‘عربي’ مبتعد عن التطريز والمباشرة والغنائية، وبعيد ايضا عن الطلاسم والاحاجي والقوالب الجاهزة والمصبوبة في قوالب فكرية. الشعر هو الشعر، وعندما يصبح ‘مشروعا’ او ‘وظيفة’ يتحوّل الى ما يشبه المؤسسة القائمة على وجود ‘كاتب ومكتوب ومنشور وقارئ’، دائرة مؤسساتية تشبه الاحزاب وتمنع المتلقي من الخيارات والتعدد والتنوع.. الشاعر ليس معنيا في رأيي بإقامة مؤسسات حتى ولو على الورق. * أنت من أكثر النشطاء السياسيين بين ابناء جيلك من الشعراء وانت كاتب زاوية سياسية يومية في احدى الصحف، ‘اللواء’، وعبر ‘الفيس بوك’.. وحضورك كان قويا في الحركات السياسية التي تشكلت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.. أثرت جدلا في الاوساط الثقافية اللبنانية لما اعتبر انتقالا ‘ممنهجا’ من موقع 14 آذار إلى موقع ‘الخصوم’، فيما اعتبرك البعض الآخر مرتدا باتجاه كينونة ‘شيعية’ مذهبية.. كيف ترد على هذه الاستنسابات؟* في الاصل انا من الشعراء القلائل الذين اتجهوا الى الصحافة السياسية كمهنة يعيشون منها. الاخرون من الشعراء غالبا ما عملوا في الصحافة الثقافية وهذا امر طبيعي. انخراطي في العمل السياسي اليومي سابق حتى على كتابة الشعر. في طفولتي كنت اخرج في تظاهرات محلية في الجنوب اللبناني ضد الاحتلال الاسرائيلي، وكنت استمع الى نشرة الاخبار باهتمام ولم اكن قد بلغت السابعة. اكثر ما يعلق في ذهني حتى الان متابعتنا واهلي للحرب العراقية – الايرانية، وكيف كانت العائلة تقف نفسيا الى جانب ايران، وكنت استغرب واسأل ابي: لماذا نحن مع ايران بينما نحن عرب والعراق عربي ايضا’.. لم اعد اذكر كيف كانت اجابات ابي آنذاك لكن وعيي السياسي بدأ مبكرا في الحرب الاهلية والاجتياحات الاسرائيلية. اما ذروة انخراطي في العمل السياسي فكانت مطلع التسعينيات حيث أعتبر نفسي وابناء جيلي ‘نماذج’ هذه المرحلة التي سمّاها وضاح شرارة ‘مرحلة السلم الاهلي البارد في لبنان’، حيث كانت الاحزاب قد وضعت احمالها واثقالها، وحلت الميليشيات، وانتقلت البلاد من الحرب الى السلم دونما ركائز او تنقية للذاكرة او محاكمات معنوية للحرب. عند انخراطي في العمل الصحافي عام 1996 كنت من القلائل من الصحافيين الذين تجرأوا على انتقاد ‘الوصاية السورية’ على لبنان وشاركت في معظم التظاهرات التي كان العونيون والقوات اللبنانية يدعون لها من اجل المطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان. جميع الذين يتصدرون مشهد ‘الخصومة’ مع سورية اليوم من المثقفين اللبنانيين كانوا يقرعوننا انا وجيلي على موقفنا حيال الوجود السوري، وكانوا يعتبروننا مجرّد اولاد صغار. قبل تلك المرحلة كنت قد اصبحت قارئا للتاريخ السياسي في المنطقة، وللتجارب السياسية وتحديدا تاريخ الاقليات، ناهيك عن الكتب السياسية التأسيسية او تلك التي درجت كنوع من الموضة بين اليساريين من ابناء جيلي. انجذبت كثيرا للسيرة السياسية واكثر ما جذبني كان شخصيات صناع القرار من العرب والساسة الغربيين سيرة الملك حسين بن طلال ووزير خارجية اميركا الاسبق هنري كيسنجر. المهم قبل اغتيال الرئيس الحريري كنا ‘انا ومجموعة من الصحافيين المسلمين’ مع العونيين والقوات، قلة قليلة تقاطعنا على رفض الوصاية وعلى رفض السلاح غير الشرعي في الداخل واقصى طموحنا كان عودة السياسة الى البلد من اجل بناء الدولة والعبور من الدولة الطائفية الى الدولة المدنية. وبعد اغتياله كانت حركة 14 آذار ذروة انتفاضتنا بعدما خرج الاخرون عن تحالفهم مع سورية وانضموا الى افكارنا وطروحاتنا، وبعد ذلك عادت الطوائف والكتل الاجتماعية الكبرى لتلعب دورها في استيعاب ‘النزق التغييري’ عند الشباب في الداخل وتحويله نحو مسارب طائفية جعلتنا مجددا امام واقع صعب. حاولنا تأسيس حراك ضمن الطائفة ‘الشيعية’ يكون رافدا لحركة 14 آذار، لكنه فشل فشلا ذريعا لأنه لم يكن مبنيا على ارضية صلبة. وفي العام 2008 القيت محاضرة في مركز ‘امم للتوثيق والنشر’ ضمنتها ملاحظاتي ورؤيتي النقدية لفشل الحراك الشيعي الثالث الذي كان يحاول كسر الثنائية القائمة بين حزب الله وحركة امل. وتلخّصت هذه المحاضرة بنقد الخطاب السياسي الذي تلا مصادما لوجدان اهل الجنوب في موضوع المقاومة اضافة الى استشراء منطق الفساد المالي والسياسي بحيث اصبحت بعض هذه الحركات عبارة عن دكاكين لعشرات ومئات الانتهازيين او اصحاب الحاجة. ومن ضمن ما رأيته في تلك المحاضرة تلخّص في ان ‘العمل الاصلاحي’ من ضمن الكتلة الاجتماعية الطائفية او الجهوية او حتى الحزبية يكون من داخلها في بلد لا وزن فيه للأفكار السياسية النظرية والبريئة. والاخرون لم يساعدونا على العبور معا لبناء الدولة. بحيث كانت لديهم مشاريعهم المذهبية الخاصة التي تضعف موقفنا وطهرانية حركتنا وتجعلنا خارجين عن كتلتنا الاجتماعية المذهبية نحو كتلة مذهبية اخرى. لذلك وبعدما انتهيت من هذه المحاضرة والنقاش الذي ساد فيها قررت تطبيق بنودها النقدية على نفسي اولا الامر الذي اعتبره البعض ارتدادا نحو ‘الشيعية السياسية’ او عودة الى احضان المذهب، وهذا ليس صحيحا. انا رجل مدني اؤمن بقيام الدولة المدنية الديموقراطية التي تحترم التعدد الثقافي والفكري عند جميع مكونات الشعب اللبناني. اما عملي السياسي اليومي فهو جزء من الحراك الذي قررت البدء فيه من ضمن الكتلة الاجتماعية التي خرجت منها على قاعدة وقوفي الى جانب ‘مشروع المقاومة’ طالما ان اسرائيل تحتل الاراضي العربية ولا تعطي اي اشارة الى انها تؤمن بالسلام او تريده او تسعى اليه. سمعت وقرأت انتقادات كثيرة اعتبرت انني انتقلت من ضفة سياسية الى ضفة سياسية اخرى. والبعض اتهمني بالطائفية والمذهبية. لكنني اجيب بكلمة واحدة بعد هذا الشرح المستفيض، لم اكن يوما طائفيا وليس في وسعي ذلك لأن تربيتي وثقافتي مبنية على التعدد والتنوع. اما وقوفي الى جانب المقاومة ومشروع المقاومة على مستوى المنطقة فهذا شرف لا ادعيه وتهمة لا انكرها. ليس في وسعي انا وغيري من ابناء جيلي ‘تنظيف’ كل الوسخ الطائفي في البلد منذ تأسيسه حتى الان. والارجح أن مساهماتنا الاصلاحية في الكتابة والقول على مستوى البلد وعلى مستوى كتلنا الاجتماعية تخلق جسور تواصل واعية ومثقفة تستطيع لعب دور في هذه المرحلة من تاريخنا ومن تاريخ المنطقة. والمقاومة هي انظف مشروع سياسي ‘شاعري’ على مستوى كل المنطقة حرر عقولنا من الهزيمة وجعل من كلمة ‘انتصار’ موجودة في قاموسنا. هنالك خطان متوازيان يجب العمل عليهما بدقة في لبنان في رأيي. حمايته من الاطماع الاسرائيلية من جهة، والشروع في خطاب اصلاحي جدي وصولا الى تحقيق بناء الدولة المدنية الحديثة. وغير ذلك من اطروحات ما هي سوى شعارات مذهبية اخرى تغلّف نفسها بالبعد المدني وهنا اقصد ما آلت اليه حركة 14 آذار، والتي تحولت من حركة للعبور الى الدولة الى حركة لعبور مشاريع تفتيتية مذهبية لاضعاف ثقافة المقاومة. لست بالطبع في معرض الدفاع عن اي خطوة او فكرة اخطوها، لأن الافكار تمر دائما في مختبر الحياة، والتاريخ كفيل بالحكم على مواقفنا كمثقفين وشعراء وعلى صوابية خياراتنا من عدمها.* كيف تنظر إلى الواقع السياسي اللبناني؟ وكيف ستؤثر الثورات العربية على التركيبة الداخلية؟* ليس في لبنان سياسة بالمعنى التعريفي للكلمة. الواقع السياسي اللبناني واقع مهترئ وقائم على اصطفافات طائفية ومذهبية وسياسية حادة، واذا ما ظلّ النظام الطائفي اللبناني على حاله المتردي امام نهضة العرب فسوف نتحول في غضون اعوام الى اكثر البلدان العربية تخلفا على مستوى النظم السياسية. لقد كان لبنان اقرب الى ‘الاعور بين العميان’ في المنطقة العربية. والان وبعد ان ذاق بعض العرب مفردة الحرية وشرعوا ببناء نظم سياسية حديثة سيبقى لبنان الكيان السياسي الوحيد القائم على الطائفية كنظام سياسي الى جانب الدولة العنصرية التي زرعت في منطقتنا وهي دولة اسرائيل التي يريدونها يهودية الطابع. لا خلاص للبنان الوطن والدولة الا من خلال الغاء الطائفية السياسية والشروع في بناء دولة جديدة وحديثة بكل ما للكلمة من معنى. حتى الاصلاح اصبح صعبا في ظل نظام المحاصصة الطائفية ولا بد من عقد اجتماعي جديد قائم على الدستور والقانون وفصل الدين عن الدولة واعلاء شأن المواطنة مقابل الانتماءات الضيقة والهويات المذهبية الضيقة. هذا مسار طويل وتربية وثقافة، لكن لا بد منه اذا كان اللبنانيون يريدون المحافظة على الكيان اللبناني كوطن نهائي لجميع ابنائه.*ما هو موقفك مما يحصل في سورية حاليا، وهل ترى أن الإعلام العربي يمارس تعتيماً على ما يدور هناك؟* ما يحصل في سورية حاليا ينقسم الى قسمين في رأيي. هنالك مسار اصلاحي تغيري عبرت عنه قوى المعارضة السورية في الداخل، واستجاب لها النظام بشكل سريع. وهذا المسار انتقل بالعدوى من خلال عصر الثورات العربية وتوق الشعوب للحرية والتغيير. اما المسار الثاني فهو مسار تفتيتي تقسيمي مخيف وينذر بحرب اهلية او بتقسيم سورية اذا ما ظلّت الضغوط الخارجية قائمة وتستهدف الدور السوري الحاضن للمقاومة في فلسطين ولبنان. هنالك مصالح الشعوب وهنالك ضرورات الانظمة وعلينا ان نجد صيغة للتوفيق بين هذه المصالح وتلك الضرورات. ‘رومانسية’ ميدان التحرير في مصر انتهت مع بداية الحرب الاهلية في ليبيا واليمن ومع الاحداث في البحرين وسورية. في مصر مجتمع متجانس الى حد ما ومنسوب المواطنة مرتفع ولذلك شهدنا ‘ثورة نظيفة’ في القاهرة. ومع ذلك نرى ظواهر سلبية كثيرة ومنها ظاهرة التطرف الديني تطفو على سطح المجتمع ورغم ذلك انا اراهن على مصر في رفع منسوب العروبة التقدمية الحديثة في المنطقة اذا نجحت ونجت بثورتها. في البلدان الاخرى التي ذكرتها، هنالك تعدد جهوي او اثني او عرقي والكتلة الاجتماعية الوازنة هي القبيلة او الطائفة او المذهب ولم تنجح الدولة في تلك الدول في تعزيز موضوع المواطنة واعلاء شأنه امام الهويات الثقافية الضيقة. لذلك أرى ان التغيير السريع والعنفي في تلك الدول سيمس بالضرورة بوحدتها وبنسيجها الاجتماعي وانا اميل الى الاصلاح الدستوري والمكتسب النضالي السلمي البطيء خوفا من الانجراف الى الغموض والمجهول. ودعني اعترف لك بأنني فعلا لا استسيغ الحريات التي تخرج من المساجد والتي تقف وراءها وسائل اعلام ضخمة بأجندات غير واضحة. وسائل الاعلام هذه ترى بعين واحدة وتدمع بعين واحدة وترى الى الضحايا على انهم ابناء ست وابناء جارية. جزء من موقفي الداعي للاستقرار في سورية منطلق من اعتبارات ودواع لبنانية لأن امن لبنان وسورية متداخلان الى اقصى الحدود. وخوفي على سورية هو خوفي على لبنان والمشرق والنموذج العراقي لا يزال طازجا. على شعوبنا ان تثبت انها جديرة بالحرية وانها تستحقها. ثم ان وجود دولة اسرائيل في المنطقة يعتبر في رأيي اهم وابرز ‘نواقض’ قيام دول ديموقراطية على المدى القصير والمتوسط والبعيد ويبدو ان الغرب قد قرر التحالف مجددا مع ‘الاسلام السياسي’ الذي قد يبرر بفتوى واحدة بقاء هذه الدولة المغتصبة لشدة براغماتيته ولظنه انه يمثل الله على الارض. *كيف تنظر إلى سلاح المقاومة بعد قيام الثورات العربية؟ هل ترى أن أسبابه تعززت أم تقهقرت؟*سلاح المقاومة هو جزء من ‘ازمة النظام اللبناني’ او قل انه واحد من تعبيرات هذا النظام. وهو في الحقيقة تعبير عن عدم قيام الدولة بمسؤولياتها تجاه الجنوب اللبناني المحاذي لاسرائيل والذي كان عرضة للأطماع والاستهدافات الاسرائيلية منذ تأسيس اسرائيل. هو ردة فعل على فعل قائم منذ زمن واهل الجنوب مع ‘مشروع المقاومة’ مهما كان اسم الحزب الذي يحمل هذا المشروع، وكلّما اشتدت الضغوطات الغربية على المنطقة، وجنحت الانظمة نحو الحل السلمي ارى ان على لبنان التمسك بهذا السلاح لأن لديه ما يقرب من 400 الف لاجىء فلسطيني، ومياهه مستهدفة وكذلك نفطه الموجود على الحدود البحرية الجنوبية مع دولة الكيان الاسرائيلي. كل ذلك يجعلني على قناعة بأن المقاومة حاجة لبنانية وعربية. مع ملاحظة ان اي استخدام لهذا السلاح في الداخل وفي الحياة السياسية اللبنانية هو استخدام قاتل ينزع الاجماع اللبناني حوله ويحوله الى جزء من الازمة الداخلية. * قدمت استقالتك من تلفزيون اوربت، وقيل ان الامر يتعلق بمواقفك الجريئة والصريحة التي تطلقها بين حين وآخر على المنابر التلفزيونية والصحافية و’ الفيس بوك’. هل للاستقالة فعلا أبعاد سياسية؟* ما قيل وكتب حول هذا الموضوع صحيح ولكنني لا اريد ان انتحل دور البطل. لقد عملت عشر سنوات في هذه المؤسسة وعندما تناقضت مصالحنا ومواقفنا وآراؤنا السياسية قررت ان استقيل، مع العلم بانني احترم هذه التجربة وانظر الى من عملت معهم بمحبة واحترام. استقالتي جاءت في لحظة الفرز السياسي في المنطقة وهذا ما جعلها ذات طابع سياسي. هنالك تفاصيل كثيرة ربما اتحدث عنها يوما. وتتعلق بقدرة الصحافي على ان يكون نزيها في مؤسسات ذات اجندة او طابع او صفة سياسية ومذهبية وطائفية معينة. مجمل الاعلام العربي واللبناني يعيش حالات اصطفاف تشبه المحاور المتصارعة في المنطقة وانا لم اعد احتمل الحديث عن دم غال ودم رخيص..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية