لا شك ان خطف المراسل الصحافي لمحطة التلفزة البريطانية بي بي سي في قطاع غزة الن جونستون الذي ما يزال مصيره مجهولاً بالرغم من مرور حوالي شهرين علي ذلك، هو عمل اجرامي بكل المقاييس والاعتبارات الانسانية والاخلاقية والقانونية. الا ان من الظلم ومن السابق لاوانه اعتبار هذا العمل صنفاً من صنوف الارهاب وتحميله للشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة، لمجرد ان مجموعة من الافراد ادعت مسؤولية اختطافه وقتله. فعلي حد علمي انه لم يسبق لاحد داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة او خارجها ان سمع باسم منظمة كتائب التوحيد والجهاد التي ادعت تلك المسؤولية، والتي لربما ليست اكثر من وهم تتخفي وراءه عصابة خطف وقتل اجرامية غايتها الكسب المادي والاثراء غير المشروع او عصابة معادية مندسة بين صفوف الفلسطينيين تعمل لخدمة العدو الاسرائيلي وغايتها الرئيسية الاضرار بالوحدة الوطنية الفلسطينية التي لم يتم التعبير عنها بشكل حقيقي ومقنع بعد والتي ما تزال حلماً يداعب خيال الاغلبية الساحقة منهم. لكن لا جدال في ان هذه العملية الاجرامية تندرج تحت عنوان ظاهرة الفلتان الامني التي استشرت في الساحة الفلسطينية بشكل منفر ومقزز بعيد الانتخابات البرلمانية الفلسطينية الاخيرة التي حملت حركة المقاومة الاسلامية حماس الي السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولنقل بصراحة منذ ما بعد اغتيال الرئيس ياسر عرفات الذي كان صمام امان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. وعملية خطف جونستون المستنكرة والمدانة جملة وتفصيلاً مثلها مثل اي ضرب من ضروب الفلتان الامني، تدمي قلوب الحريصين علي القضية الفلسطينية وتطرح مليون سؤال وعلامة استفهام حول ما جري ويجري في الاراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام وفي قطاع غزة علي وجه الخصوص من تعديات متواصلة علي المؤسسات والاملاك العامة والخاصة وعمليات خطف واختطاف وقتل واغتيال وتصفية جسدية يذهب ضحيتها اناس ابرياء من ابناء فلسطين انفسهم ومن ضيوفهم علي ايدي مجرمين ساديين وقتلة محترفين لم يفدوا الي الساحة الفلسطينية من المريخ او زحل او اي من الكواكب الشمسية والقمرية الاخري، بل هم من ابناء الشعب الفلسطيني نفسه، او لربما من المندسين بين ضهرانيهم تحت حجج ومسميات مختلفة.
ترقبنا جميعاً بفارغ الصبر والامل المفرط ان تتم معالجة ظاهرة الفلتان الامني بشكل جذري وحاسم يؤدي الي اقتلاعها من جذورها بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية العتيدة التي ضمت ممثلين لمعظم المنظمات والاحزاب السياسية الفاعلة علي الساحة الفلسطينية. ترقبنا ذلك لانه كان من المفترض استناداً لبيان الثقة بها واستناداً لتصريحات رئيسها ووزرائها التي سبقت وتبعت ذلك البيان ان تحتل معالجة هذه الظاهرة الطارئة والدخيلة علي المجتمع الفلسطيني سلم اولويات عملها، كي يستعيد المواطن الفلسطيني الامن المفقود ويتخلص من هاجس الخوف الذي يطارده ويقـــــض مضجعه ويحد من قدرته علي مواجهة قسوة الحياة التي افرزها الحصار الظالم الذي فرضته عليه ادارة المحافظين الجدد في واشنطن خدمة للمشـــروع الاسرائيلي العدواني المتواصل عليه ليلاً نهاراً دون ما واعز من ضمير او شعور انساني. لكن هل حدث ذلك؟ ان شيئاً منه لم يحدث بعد.
محمود كعوش ـ الدنمارك[email protected] 6