احتج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الأشهر الأخيرة على أنه غير مستعد لأن يقبل وضعاً غير عادل تحوز فيه دول ما صواريخ نووية بينما لا يسمح لأخرى عمل ذلك. في إعلان ألقاه في بداية أيلول، لم يفوت الفرصة لأن يذكر بالتحديد، وليس لأول مرة، إسرائيل كمن يهدد -على حد قوله- المنطقة بالسلاح النووي الذي لديها. فما هو السبب الذي دفع أردوغان لطرح الموضوع النووي بالذات في هذا الوقت، وأكثر من ذلك، التهديد لأول مرة بتطوير قدرة نووية مستقلة؟ رغم ذكر إسرائيل المباشر، معقول الافتراض بأنها ليست هي الدافع للإعلان الحالي كونها تعتبر كدولة نووية منذ أكثر من 50 سنة. صحيح أن أردوغان سبق أن اشتكى في الماضي من الترسانة النووية لدى إسرائيل، لكنه فعل ذلك في سياق التأييد لنزع النووي، وليس لرغبة تركيا في تطوير قدرة نووية خاصة بها.
فما الذي تغير إذن؟ يحتمل أن يكون العامل المركزي للتغيير هو الرسالة التي تصل من إدارة ترامب حول النية لتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، والآثار التي ستكون لهذا الانسحاب. أردوغان كفيل بأن يرى في مثل هذا التغيير فرصة لتموضع تركيا في دور زعامي، واكتساب سلاح نووي هام لتثبيت مثل هذا الدور ولتعظيم مكانته. عاملان آخران كانا في خلفية الإعلان غير المسبوق هما الآثار التي ستكون لإخراج 50 قنبلة نووية أمريكية بقيت في الأراضي التركية تحت رعاية الناتو وبقيادة الولايات المتحدة، وكذا تقدم إيران في البرنامج النووي، مما يؤشر إلى تعزز السعي الإيراني للهيمنة الإقليمية – مكانة تركيا هي الأخرى تتطلع إليها. إضافة إلى ذلك، يحتمل أن يكون أردوغان معنياً بتثبيت صورة تركيا كمن تكشف علناً التحيز في المعايير والمقاييس الغربية، وهي رسالة تشرح بأنها مخصصة للجمهور البيتي. ومع ذلك هناك مخاطر سياسية واقتصادية في الإعلان عن النوايا النووية، وثمة مسألة حول الثمن الذي يرتقب لأردوغان إذا ما اتخذ بالفعل خطوات نحو سلاح نووي. فهل سيكون للأسرة الدولية إرادة سياسية لأن تواجه كما ينبغي التطلعات النووية التركية، بعد سنوات من محاولة لجم انتشار النووي في العالم بشكل عام، والتقدم النووي لكوريا الشمالية وإيران بشكل خاص.
لا يزال حلف الناتو يوفر مظلة نووية لتركيا، التي هي حالياً على الأقل مصداقة. ولكن يبدو أن لدى أردوغان شكوكاً خاصة به. بل ويحتمل أن بسبب التوتر مع الولايات المتحدة لا تجده بات معنياً بأن يكون تابعاً لمظلة من شأنها أن تظهر كغير مصداقة. منذ أعلن أردوغان عن برنامج نووي محتمل، يبدو أن خط التفكير هذا نال زخماً إضافياً، واجتياح تركيا لسوريا أكد الجدال في الولايات المتحدة بشأن الحاجة لإخراج القنابل النووية من طراز B61 التي توجد في تركيا (والتي في كل الأحوال كانت حاجة لإخراجها لغرض الصيانة). ويدعي المؤيدون لإخراج القنابل بأن تركيا لم تعد حليفاً مصداقاً للناتو، وإن عدم الاستقرار في امنطقة يجعلها مكاناً خطيراً للغاية للاحتفاظ بقنابل نووية أمريكية فيه.
يبدو أن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط يضيف إلحاحاً لضرورة تغيير ميزان القوى في المنطقة، تغيير بدا قبل أربع سنوات على الأقل، حين دخلت إيران وروسيا لتملأ الفرار بهدف تحقيق تطلعاتهما في السيطرة الإقليمية ولتصبحا لاعبتين مركزيتين، تكون حاجة لمراعاة إرادتهما. وحسب هذا السيناريو، يحتمل أن تعتقد تركيا بأن السلاح النووي سيمنحها تفوقاً هاماً. ولكن مثل هذا النهج يصطدم مباشرة مع عضوية تركيا في الناتو ويكشف التضارب بين الصورة الدولية لتركيا، التي -بصفتها حليفة للناتو- ملتزمة بالسلوك المسؤول وبالتعاون، وبين تطلعاتها في الساحة الإقليمية، التي تدفعها لأن تتبنى سياسة هجومية.
فضلاً عن مسألة الدافع، ينبغي التوقف والسؤال كم هو التهديد جدياً. هل توجد مؤشرات على أن تركيا تنفذ استعدادات ملموسة؟ بعض من المحللين الخبراء في الرقابة على السلاح يعتقدون أن تركيا تعمل بالفعل على برنامج نووي مدني بمساعدة روسيا، ولكن في هذه المرحلة ليس لديها بنية تحتية جدية لسلاح نووي، ولا الاستعدادات لذلك أيضاً. ومع ذلك، فإن تحليلاً نشر مؤخراً في “نيويورك تايمز” يدعي بأنه يوجد ما يدعو للقلق. بالفعل، توجد أدلة على أن تركيا تسلت بفكرة تطوير النووي في الستينيات، ولكن هذه كانت سنوات ما قبل ميثاق الـ NPT، ولم تكن أدلة على أنها بالفعل اتخذت خطوات لتحقيق هذه النوايا، حتى تصريحات أردوغان الأخيرة. ومع ذلك، نشر المقال على خلفية اجتياح تركيا لشمال سوريا، ويحتمل أن يكون قد تأثر بهذا التطور وبالغ قليلاً في إمكانية التهديد النووي الكامنة.
إذا قرر أردوغان السير في المسار النووي، فستكون لقرار كهذا آثار على علاقاته مع الناتو ومع الاتحاد الأوروبي، على نظام منع انتشار النووي وعلى منطقة الشرق الأوسط. عملياً، سيتعين عليه أن ينسحب من الناتو ومن ميثاق الـ NPT. وكبديل، يمكنه أن يبقى في إطار الميثاق ويخدع بشأن التزام تركيا البقاء غير نووية، في ظل جمع اليورانيوم المخصب وتنفيذ أعمال الفصل – ظاهراً لأغراض مدنية– وهكذا يجعل تركيا عملياً دولة حافة نووية. ولكن أردوغان سيصعب عليه عمل ذلك دون تبليغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول نشاطات التخصيب والفصل المخطط لها، وبعد أن أعلن على الملأ عن نواياه النووية، يمكن الأمل في أن تكون الوكالة أكثر تحفزاً، وهكذا ستفرض عليه المصاعب في إدارة مشروع سري. في ضوء حقيقة أن مصداقية نظام الـ NPT باتت منذ الآن قيد الاختبار، فإن أعمالاً مثل هذه من جانب تركيا ستوقع على نظام منع النشر النووي ضربة أخرى، وفي فترة تفرض فيها كوريا الشمالية وإيران عليه منذ الآن تحدياً جدياً. من أجل الحفاظ على مصداقية النظام، فإن على الأسرة الدولية أيضاً أن تتخذ عملاً ما.
ماذا يمكن أن نتوقع في كل ما يتعلق بردود الفعل الدولية؟ ما هي الوسائل التي تحت تصرف الأسرة الدولية كي تتصدى لمثل هذا التطور؟ توجد عدة أدوات، والسؤال هو هل ستكون للقوى العظمى الدولية الإرادة السياسية لاستخدامها، ولا سيما بعد الفشل طويل السنين في كوريا الشمالية والنجاح المحدود في حالة إيران، حتى بعد سنوات من العقوبات ومحاولات خوض المفاوضات.
تجدر الإشارة إلى أن تصريحات أردوغان لم تبعث حتى الآن انتقاداً دولياً على تركيا أو أي تحذير لأنقرة. تفسير واحد لذلك يمكن أن يكون.. أن أردوغان معروف جيداً بتصريحاته الفظة، ولا توجد رغبة في خدمته بواسطة رد فعل لكل قول من جانبه، مهما كان مثيراً للحفيظة. ودون التقليل من جدية تصريح النوايا، يحتمل أن يكون الاعتقاد هو أنه لا يوجد سبب للافتراض بأن تركيا انطلقت إلى الدرب لتطوير قدرة نووية عسكرية، وعليه فلا حاجة لدق أجراس الإنذار في هذه اللحظة أو لوضع خطوط حمراء. ومع ذلك، إذا ما برزت أدلة واضحة على تقدم تركي نحو نووي عسكري، فمن الحيوي أن ترسم الأسرة الدولية الخط الأحمر وترفع العصي التي ستستخدمها إذا ما اجتازته تركيا. كي تكون الرسالة ناجعة يجب أن تعرض موقفاً مشتركاً.
وبالنسبة للآثار على الشرق الأوسط، فإنه إذا ما سعت تركيا بالفعل إلى النووي، فإن المسألة التي تبقى مفتوحة هي هل سيتسارع سباق تسلح في أوساط الدول العربية. بقدر معين، فإن مثل هذا التطور سيرتبط بمسألة هل تركيا ستدرك إيران، سواء كدولة حافة أو كمن طورت قدرة عسكرية عملية. وبسبب الاعتبارات الإقليمية التركية، فمن غير المعقول أن تتقدم في وضع دولة حافة قبل إيران. في كل الأحوال.. صحيح حتى الآن أن إيران هي التي تدفع باقي دول المنطقة في الاتجاه النووي.
إن “تركيا نووية” هي الوضع المضاد للمصلحة الإسرائيلية، دون صلة بحقيقة أن تركيا دولة جارة ولا تعتبر جزءاً لا يتجزأ من منطقة الشرق الأوسط – مثلاً، هي لا تندرج في المنطقة في إطار المداولات لنزع أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط. بالنسبة لدول مثل مصر، والتي تفكر في أعقاب نوايا إيران النووية بالخيار النووي، فإن نوايا تركيا ستشكل حافزاً إضافياً. وهكذا، من شأن المنطقة، التي على أي حال لا تتميز باستقرار زائد، أن تتدهور أكثر فأكثر إلى حالة من عدم الاستقرار وعدم اليقين.
بقلم: اميلي لنداو وشمعون شتاين
نظرة عليا 11/11/2019