دارا خسروشاهي، المدير التنفيذي لشركة أوبر
لندن- “القدس العربي”:
نشر موقع “ذا فيرج” المتخصص في شؤون وأخبار التكنولوجيا تقريرا أعده كل من أندرو هوكينز وشين أوكين، تحدثا فيه عن استمرار شركات التكنولوجيا الأمريكية الخنوع للسعودية.
وعلق الكاتبان في البداية على مقابلة أجراها الموقع الإخباري “أكسيوس” يوم الأحد مع المدير التنفيذي لشركة أوبر دارا خسروشاهي، والتي وصف فيها مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بالحادث الخطير قبل أن يتراجع ويصحح كلامه، مشيرا إلى أن ما قاله كان وليد اللحظة، وأن مقتل خاشقجي لم يكن في الحقيقة خطأ.
ويقول الكاتبان إن تعليقات خسروشاهي لم تأت من فراغ، فهناك شكل يبرز من شركات النقل والاتصالات التكنولوجية ممن لها علاقات مالية عميقة مع السعودية في وجه الشجب الدولي. فمن غير المقبول قيام شركات عملاقة بالتعاون مع دول تحكمها أنظمة قمعية، كما هو الحال مع الصين.
إلا أن السعودية تستثمر كميات ضخمة من الأموال في الشركات من خلال الهيئة العامة للاستثمار أو الصندوق السيادي، كما هو الحال مع أوبر، مما يجعل مدراء هذه الشركات مفضوحين. ففي الشهر الماضي شارك بيتر رولينسون، المدير التنفيذي لشركة صناعة السيارات الكهربائية لوسيد موتورز وجي وولدر، مدير فيرجينيا هايبرلوب وان وأليخاندرو أغاغ مؤسس مجموعة سيارات السباقات الكهربائية فورميولا إي في المؤتمر الاستثماري بالرياض وتسابقوا بكيل المديح للسعودية.
وعقد المؤتمر الذي يعرف أيضا بدافوس الصحراء في فندق ريتز كارلتون، وهو نفس المكان الذي اختاره محمد بن سلمان عام 2017 لسجن الأمراء ورجال الأعمال في أثناء عمليات توطيد سلطته. وأصبح المؤتمر العام الماضي نقطة سياسية ساخنة حيث قاطعته الكثير من الشركات ورجال الأعمال بسبب مقتل الصحافي خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، لكن لم تكن هذه دافعا للمدراء الثلاثة لتجنب المشاركة هذا العام.
فرولينغسون الذي أنقذ شركته استثمار مليار دولار من هيئة الاستثمارات العامة السعودية عام 2018، تحدث بلغة غامضة وهو يعرض الموديل الجديد من سيارات لوسيد موتورز “لوسيد إير”.
وقال: “أنا في الحقيقة سعيد لأنه سيتم الإعلان عن لوسيد إير في أقل من عام وأنا ممتن لهيئة الاستثمار العامة لجعل هذا حقيقة.. شكرا جزيلا”. وقال إن فريق إدارته ملتزم بالمساهمة في إنشاء صناعة السيارات في المملكة، وهو ما لم يكن جزءا من خطة الاستثمار الأولى.
وكانت شركة ريتشارد برانسون “فيرجين هايبرلوب وان” أولى الشركات التي قررت عدم المشاركة في المؤتمر الاستثماري وعلقت اتفاقية بمليار دولار، حيث قالت إن قتلاً تدعمه الدولة واغتيالا لصحافي “سيغير قدرة أي منا في الغرب على التعامل التجاري مع حكومة السعودية”، لكن وولدر الذي تولى منصب المدير التنفيذي للشركة نهاية العام أصدر بيانا أعرب فيه عن ابتهاجه بحضور مؤتمر هذا العام.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه إدارة ميناء دبي من كبار المساهمين في شركة فيرجين هايبرلوب، إلا أن وولدر عبر عن رغبة بالتعامل التجاري مع السعودية. وقال: “الفرصة أمامنا لخلق أول منشآت لصناعة (هايبرلوب) في أي مكان في العالم”. قبل أن يوضح أن سلطة المدن الاقتصادية السعودية تعتقد أن فيرجين هايبرلوب وان، يمكنها خلق 124.000 وظيفة وزيادة 4 مليارات دولار في الناتج المحلي العام و5 مليارات دولار من الموارد غير النفطية بحلول عام 2030. وقال إن ما تقوم به شركته متناسق مع “رؤية 2030” برسالة: “دعونا نطور تكنولوجيا جديدة ودعونا نجعل هذا حقيقة خدمة للمملكة وللنظر أماما أيضا”.
أما أغاغ الذي وقع عقدا بمئات الملايين من الدولارات مدته 10 أعوام لتنظيم سباقات “فورميولا إي” في السعودية، فقد تباهى بأنه حضر المؤتمرات الثلاثة. وقال إنه يأمل بالحضور دائما، ودعا ياسر الرميان، مدير هيئة الاستثمارات العامة وعضو في مجلس أمناء شركة أوبر، مواصلة دعوته للمؤتمر بغمزة وابتسامة.
وجاءت مشاركة أغاغ للإعلان عن سلسلة جديدة من السباقات، حيث قال: “ستعقد بطولتا السيارات الكهربائية في السعودية” و”لم يكن هذا ليحدث لولا رؤية 2030 ورؤية سمو الأمير محمد”.
وكانت “فورميولا إي” قد أعلنت عن صفقتها أولا مع السعودية، في الوقت الذي رفعت فيه المملكة الحظر عن قيادة السيارات، ولكن عندما سئل عن سجن الناشطات الداعيات للتغيير تجاهل السؤال، مفضلا الحديث عن رؤية الأمير محمد الجريئة 2030 للتغيير الاقتصادي باعتباره السبب الذي أدى لحصول هذا. ولم يرد ممثلون عن فورميولا إي، ولا هايبرلوب على أسئلة للتعليق.
ورد الناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بغضب وصدمة على تعليقات خسروشاهي، وأن كلاما مثل هذا يصدر منه حول مقتل الصحافي الذي قطع على يد فرقة موت في إسطنبول. فقد وازى خسروشاهي بين الجريمة وحادث سيارة مريع وقع أثناء قيادة سيارة أوبر بدون سائق في مدينة تيمبي بولاية أريزونا، ووصف الحادثين بـ”الخطأ”.
وحتى منتصف يوم الإثنين، غرّد أكثر من 8.000 متابع على هاشتاغ مقاطعة أوبر. وبالطبع لم تكن مجرد حادثة في الحالتين. فقد أكدت المخابرات الأمريكية (سي أي إيه) وجود رابط بين مقتل خاشقجي والحكومة السعودية. كما أن مقتل إيلين هيرزبرغ لم يكن نتيجة دهس من سيارة بدون سائق، ولكنه نتاج إهمال في تعليمات السلامة، خاصة أن البرمجية للسيارة لم يتم برمجتها للوقوف عند خطوط المشاة. ولم يتم توجيه تهم جنائية لأوبر، ولكن السلطات الفدرالية ستصدر قرارها عن المسؤول نهاية الشهر الحالي.
ومن الباكر لأوانه الحديث عن ضرر يتسبب به هاشتاغ مقاطعة أوبر بنفس الطريقة التي تسبب فيها هاشتاغ احذف أوبر بداية عام 2017، عندما اتهمت الشركة بالاستفادة من الإضراب المؤيد لترامب والمعادي لسائقي السيارات في مطار “جي إف كينيدي”.
وبحسب “نيويورك تايمز” فقد قال كاتب السجلات مايك إيساك إن 500.000 شخص حذفوا تطبيق أوبر في الأسبوع الأول من الحملة، مما أدى لخسارة الشركة ملايين الدولارات.
واعترفت أوبر بالأثر المدمر الذي تسبب به الهاشتاغ، وذلك في أوراق قدمتها قبل وضع أسهمها في السوق المالي. واعترفت أن الهاشتاغ أدى إلى شيء مثل انهيار الدومينو، حيث قررت الشركات والمطاعم والزبائن التي تعتمد على أوبر حذف التطبيق. وحذرت أوبر الشركات الأخرى من الأثر.
وجاءت الصدمة من تعليقات خسروشاهي من رجل محبوب، خاصة أنه قضى الجزء الأكبر من عمله كمدير يعتذر عن أخطاء وفضائح سلفه ترافيس كلانيك الذي أجبر على الاستقالة. ولم يساعد مقتل هيرزبرغ خسروشاهي في حادث الدهس، ولكن المراقبين أجمعوا أنه نجح في تصحيح الصورة ووضع الشركة على الطريق الصحيح.
واعتذر خسروشاهي عن تصريحاته لموقع أكسيوس مباشرة، وفي اليوم التالي أصدرت الشركة بيانا صححت فيه تصريحاته. ولم يكتف المدير بهذا، بل كتب تغريدة قال فيها إن كلامه جاء وليد اللحظة وإنه أخطأ بوصف مقتل خاشقجي بالخطأ.
وسواء كان ردة الفعل مضرة لأوبر، فالشركة عانت خلال تاريخها من ردات فعل سلبية وفضائح ودعاوى قضائية ولكنها استمرت بالنمو، وحتى من قاطعها عام 2017 عاد لاستخدامها.
وفي ظل الثقافة التي لم يعد فيها الواحد يركز على الأحداث، من الصعب تذكر لماذا قاطعها البعض في المقام الأول. ولكن مشكلة الشركة ليست في زبائنها بل من المساهمين فيها، وهذا واضح من استعداد خسروشاهي الوقوف مع السعودية. وعانت أسهم الشركة في السوق المالي من أدنى مستوياتها، خاصة أن المستثمرين والموظفين الأوائل لهم الحرية ببيع أسهمهم لأول مرة منذ طرحها في السوق المالي. ويتوقع توفر 90% من الأسهم للشراء، ولكن ليس بنفس السعر الذي بيعت به أولا.
وربما تراجع خسروشاهي عن تعليقاته حول جريمة خاشقجي لكن مديحه للسعودية وخاصة مدير هيئة الاستثمار العامة الرميان مثير للدهشة. وهو مثل مدراء لوسيد موتورز وفيرجين هايبرلوب يدفعان ثمن التعامل مع دولة قمعية. فعندما تقبل هذه الشركات استثمارات كبيرة من السعودية فإنها تدخل عقودا بثمن أكبر مما اتفق عليه وكتب على الورق.