الرياض/دبي – رويترز: سيكون الإدراج الوشيك للجزء من أسهم عملاق النفط «أرامكو» لحظة محورية لبورصة «تداول» السعودية الشابة وغير المختبرة، والتي تقول أنها تستعد منذ سنوات وأنها جاهزة لبيع الأسهم الذي طال انتظاره في الأسابيع المقبلة.
لكن استضافة ما قد يكون أكبر طرح عام أولي في التاريخ يمثل قفزة ضخمة إلى نادي الكبار لبورصة وُلدت قبل 12 عاما فقط، ولم يُسمح للمستثمرين الأجانب بدخولها إلا منذ أربع سنوات.
وللطروح الأولية العملاقة سجل تاريخي من التسبب في أعطال فنية في أسواق الأسهم، حيث قد تفضي إلى صعود حاد في أوامر التداول قادر على إغراق نظام البورصة ومنع المستثمرين من شراء الأسهم أو بيعها.
وعلى سبيل المثال، شاب إدراج «فيسبوك» في بورصة «ناسداك» الأمريكية عام 2012 تأخيرات واسعة النطاق ومشاكل في معالجة حجم الأوامر الضخم. وكان ذلك طرحا أوليا أصغر من المتوقع لـ»أرامكو»، وفي بورصة شهيرة بخبرة تتجاوز الأربعة عقود.
وحاليا يستضيف مؤشر «ناسداك» المُجَمَّع أسهما تتجاوز قيمتها 13 تريليون دولار، وفقا لبيانات «رفينيتيف»، أي نحو 27 مثل قيمة أسهم بورصة «تداول» البالغة حوالي 500 مليار دولار.
مخاوف حول المصداقية
ويقول خبراء القطاع ان أي مشاكل فنية أو مشاكل في السيولة قد تطيح بمصداقية تداول. وحسب سبنسر ميندلين، المحلل لدى مجموعة «أيتي»، فإن البورصة السعودية «تحتاج إلى امتلاك تكنولوجيا موثوقة حقا لكي تستوعب الطفرة المتوقعة من طرح عام أولي رفيع المستوى.»
وأضاف أنه بالنسبة لبورصة في سوق ناشئة مثل السعودية، يمكن القول ان طرح «أرامكو» يحمل معه مخاطر أكبر منه بالنسبة لبورصة في بلد يملك أسواق مال ذات بنية تحتية أكثر تطورا، لأن الطرح الأولي سيحدد إيقاع السوق.
ولم ترد «تداول» على طلب للتعليق بشأن مدى استعدادها لبيع الأسهم.
خبراء يحذرون من مشكلات فنية محتملة وأخرى متعلقة بالسيولة
لكنها قد ترد على هذه المخاوف بالقول أنها تعلمت من زلات وقعت في أماكن أخرى عند القيام بإدراجات كبيرة مثل إدراج «فيسبوك». كما أنها جلبت منصة تعامل جديدة ابتكرتها «ناسداك» في 2015، في حين استحدثت «هيئة السوق المالية السعودية» العام الماضي آلية استقرار سعري، للحيلولة دون تراجعات كبيرة في أسهم الشركات المُدرجة حديثا.
وعلى الرغم من ذلك، فإن عدم التَيَقُّن الذي يلف قدرة البورصة على استيعاب الإدراج الضخم يمثل مبعث خطر محتمل آخر للمستثمرين، الذين أثار قلقهم بالفعل هجوم سبتمبر/أيلول على منشأتين لـ»أرامكو» والذي سلط الضوء على المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بشركة النفط الوطنية.
ويقول بعض المستشارين العاملين على الطرح الأولي ان قدرة سوق الأسهم السعودية على تولي الصفقة كان أحد الأسئلة الرئيسية التي يسألها المستثمرون.
وقال مصرفي، طلب عدم نشر اسمه لأنه غير مخول بالتحدث علنا «يسألون عن هوية المستثمرين الرئيسيين، وهل توجد سيولة في السوق، وكم سيبلغ حجم الاستدانة، وهل ثمة مخاطر محتملة من طلبات التغطية؟»
يبدأ بيع أسهم الشركة الأعلى ربحية في العالم يوم الأحد المقبل وفقا لوثيقة رسمية صدرت أمس الثلاثاء.
ومن المتوقع ان تعرض «أرامكو» بين واحد وإثنين في المئة من أسهمها، لتجمع ما بين 20 و40 مليار دولار. وستتجاوز عملية الطرح (إذا جمعت أكثر من 25 مليار دولار» الطرح العام الأولي القياسي لعملاق التجزئة الصينية «علي بابا» في بورصة نيويورك في 2014.
وتبدي البورصة السعودية تفاؤلا، حيث قال رئيسها خالد الحصان هذا الشهر أنها «مستعدة لاستقبال أضخم إدراج في تاريخ أسواق المال».
لكن «أرامكو» نفسها حذرت من أن العملية قد تعطل حركة التداول في البورصة، التي كان حجم أكبر إدراج فيها حتى الآن ستة مليارات دولار.
وقالت الشركة في نشرة الإصدار، التي كشف عنها منتصف ليل السبت/الأحد الماضيين، ان التغييرات الحديثة على آليات التداول، لتطوير المنصة واستيفاء المعايير العالمية، لم تخضع للتجربة «ولا تضمن الشركة أن تلك الإجراءات ستساعد في تيسير حجم التداول العالي المتوقع في الأسهم».
وجاء في النشرة أيضا ان التغييرات تقلص الفترة الزمنية بين تسعير أسهم الشركة وبيعها ثم السماح بتداولها، بما قد يؤخر الإدراج.
وشهد العامان الأخيران انضمام عدة بنوك استثمار رئيسية إلى البورصة كأعضاء مثل مصرفي «غولدمان ساكس» و»سيتي بانك» الأمريكيين، بما يسمح لها بمزاولة أنشطة الوساطة المالية والتداول هناك، الأمر الذي يتيح مزيدا من منافذ التداول للمستثمرين.
لكن حجم التداول في السوق ضعيف منذ بداية العام الحالي. ففي 2015، عندما بدأت الصناديق الأجنبية شراء الأسهم السعودية، كان متوسط قيمة التداولات اليومية 1.8 مليار دولار. لكن بعد تراجع للأسهم السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2018 عقب اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، تناقص الحجم، ليبلغ المتوسط اليومي 900 مليون دولار في 2019.
إغراءات لمنع البيع السريع
وقال الاقتصادي السعودي فضل البوعينين «أعتقد أنهم مستعدون من حيث متطلبات الإدراج، خاصة وأنهم أدخلوا بعض التحسينات تحوطا لطرح أرامكو. غير أن إجراء اختبارات الضغط قد لا تكون متحققة».
وتفاديا لانزلاق البورصة في نوبة أوامر بيع عقب الطرح الأولي، تعتزم «أرامكو» تقديم أسهم مجانية للمستثمرين الأفراد السعوديين الذين يحتفظون بالسهم لستة أشهر. وتعهدت الحكومة السعودية أيضا بعدم بيع مزيد من الأسهم لعام على الأقل.
ويقول المستثمرون الأفراد، الذين بوسعهم اقتناص ما يصل إلى ربع الأسهم المعروضة للبيع، أنهم يستعدون منذ شهور عن طريق ادخار المال وبيع قطع الأرض والتخارج من أسهم أخرى.
وقد يصبح سلوكهم عنصرا حاسما في تحديد طريقة تداول السهم، إذ مازال من غير الواضح حجم الصناديق الأجنبية التي ستشارك في الإدراج.
كان دخول السعودية على مؤشر «إم.إس.سي.آي» للأسواق الناشئة هذا العام قد أخفق في جذب صناديق الأسواق الناشئة النشطة، بسبب التقييمات العالية للأسهم، والمخاطر على السمعة، حسبما أظهره تحليل أجرته «كوبلي» لأبحاث الصناديق. وعزا ستيفن هولدن، الرئيس التنفيذي لـ»كوبلي»، أحد أسباب نأي المستثمرين بأنفسهم إلى اغتيال خاشقجي. لكنه أضاف «الانخفاض الهائل للوزن النسبي يشير بالفعل إلى ذخيرة وفيرة غير مستغلة في محافظ الأسواق الناشئة يمكن استخدامها في أرامكو».