بلومبيرغ: في السعودية البدعة هي أن تنتقد الدولة لا المسجد.. والشباب يسألون أين الوهابية؟

حجم الخط
6

لندن- “القدس العربي”:
الحياة في السعودية اليوم هي عما يمكنك فعله وليس ما هو محرم عليك، فالقيود التي مورست على السعوديين خاصة الشباب لدرجة جعلت الكثيرين يتساءلون عن “الوهابية وأين ذهبت” كما يشير تقرير في موقع بلومبيرغ أعدته دونا أبو ناصر ورودني جيفرسون.

وأشارا إلى ما يجري في السعودية من تحولات نحو التحرر والتي بدت في المشاريع التي يقدمها شباب في “الظهران إكسبو”، شاب يريد صناعة زلاقات على الرمال للسياح، وأخرى تامل بالحصول على دعم لمشروع يسمح لأصحاب الاحتياجات الخاصة بممارسة السباحة وهم على كراسيهم المتحركة، وتعلق أخرى أن الفرق في عامين هو مثل “الجنون” و”أخيرا أصبحت أشعر أنني نفسي”.
وفي الوقت الذي يهتم فيه العالم المالي باكتتاب شركة النفط السعودية (أرامكو) في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، إلا أن التغير الحقيقي هو ما يقدمه “إكسبو الظهران” وهو ما يمكن وصفه بالثورة في إشارة لخطط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نقل المملكة إلى العالم الحديث والعودة إلى الإسلام المعتدل وتعهده بالقضاء على المتشددين “اليوم وحالا”. ففي ظل العلاقة بين آل سعود وآل الشيخ، أبناء مؤسس الحركة الوهابية التي ظلت تتحكم بالقضاء والتعليم والسلوك العام، كان على منظمي “إكسبو الظهران” الفصل بين الرجال والنساء. وكانت الشرطة الدينية “المطاوعة” ستمنع المرأة من الكشف عن وجهها أو أي جزء من جسدها.
ففي عام 2016 منع كاتب كويتي في معرض كتاب الرياض كان يوقع كتابه من الابتسامة لأن غمازة في وجهه تجعله مغريا عندما يضحك. واليوم اختفى المطاوعة ولا يرون في أي مكان، وحل محلهم جيل يدفعه الحس الوطني أكثر من الديني.

وتقول مشاعل وهي في الثلاثين من العمر، وكانت تقف خلف معروضاتها من جلد التمساح الملونة بلون العلم السعودي وغطاءات الهواتف المحمولة التي تحمل صور ولي العهد أو العلم السعودي: “الهوية السعودية هي نحن أما الوهابية فليست نحن”، وتقول عن المطاوعة “لقد تلاشوا” و”لأنهم ليسوا هنا نستطيع الكشف عن وجهنا الحقيقي”.
ويعلق الكاتبان أن السعودية “وحتى نكون متأكدين، ليست مثل الديمقراطية الليبرالية الغربية، فهي عالقة في حرب أهلية دموية في اليمن وتعاني من تداعيات جريمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي العام الماضي وتراجع حرية التعبير وهي أمور مهمة مثل التغييرات التي أحدثها الحاكم الفعلي المستبد للبلاد”.

وفي الأسبوع الماضي وجهت الحكومة الأمريكية إلى موظفين سابقين في تويتر تهمة التجسس لصالح السعودية. ومن هنا فتركيز الحكومة اليوم هو عما يمكن للسعوديين عمله وما لا يمكن عمله. فالبدعة في السعودية اليوم هي أن تنتقد الدولة لا المسجد.

ويسجل الموقع الفرق ما بين الجو الخانق والمنفتح اليوم من دور السينما إلى النشاطات في متنزه الملك عبد الله في الرياض، إلى قاعات الشيشة في جدة، حيث بدأ رجال الأعمال يستثمرون الجو المنفتح أو التسامح. وهناك أحاديث يتداولها السعوديون عن رفع الحظر عن بيع الخمور والذي قد يتزامن مع استضافة المملكة لقمة العشرين العام المقبل.

وكل هذا يعتمد على قدرة الاقتصاد في تحقيق توقعات السكان، ممن هم في غالبيتهم تحت سن الخامسة والثلاثين. وفي الوقت الذي يشعر فيه الشباب بالبهجة بحس الانفتاح الجديد، إلا أن ما يثير قلقهم هو الوهابية: أين ذهبت وهل ستعود مرة أخرى؟ والخطر هو ردة فعل من الشيوخ وأتباعهم الذين سيطروا مرة على الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية.

أما ثمن دفع المتشددين إلى الخلف، فهو كما يقول مدير الأبحاث في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية، الأمير عبد الله بن خالد آل سعود: “هذه ثورة، والسعودية تقف على منعطف حرج في تاريخها” مضيفا أن السماح للمتشددين الدينيين نشر آرائهم القديمة سيكون مثارا للاقتتال وعدم الاستقرار ولا أحد يريد رؤية هذا. ولهذا السبب “هناك نقاش مشروع لضبط المجتمع في هذه المرحلة الانتقالية حتى نصل إلى شواطئ الأمان”.

ويشير الكاتبان إلى أن حصار الحرم والثورة الإسلامية في إيران عام 1979 دفعا الدولة السعودية إلى تبني الوهابية بشكل متشدد، خاصة أن هذه المرحلة جاءت بعد فترة من الطفرة النفطية في السبعينات من القرن الماضي.

ويرى المسؤولون السعوديون والأمريكيون أن تبني الوهابية بشدة كان عاملا في تنشئة أسامة بن لادن والخمسة عشر انتحاريا الذين شاركوا في هجمات 9/11 بعد عقدين تقريبا. واليوم هناك مخاوف حول الكيفية التي سيرد فيها المحافظون على حالة الانفتاح.

ويتساءل أكاديمي سعودي قائلا: “السؤال الكبير الذي دائما أطرحه هو: أين ردة الفعل؟ ولماذا هناك صمت؟ وهل هناك دفعة ضد كل هذا؟”. وقال إن القوى التي تتضرر من التغيير الحاد عادة ما تحاول الرد وانتهاز الفرص التي تملكها، مضيفا أن المحافظين لم تعد لديهم الفرص لمواجهة التغيير.

وبحسب التقرير، فالأمير محمد بن سلمان لا يمنح المحافظين فرصة الرد، فمنذ إعلانه عن رؤية 2030 الطامحة لإبعاد السعودية عن النفط وفتح سوق العمل أمام المرأة، والسماح بقطاعات كانت ممنوعة مثل الترفيه والسياحة، بالإضافة لتحضير السعوديين أكاديميا في بلد تأثر فيه التعليم بالدين، هناك ملامح للنمو في المجال غير النفطي في الربع الأخير من العام، وهو الأعلى منذ أربعة أعوام، كما يقول زياد داود، المسؤول الاقتصادي لبلومبيرغ في الشرق الأوسط.

فيما دعا صندوق النقد الدولي في أيلول/ سبتمبر السعودية لسياسات مالية متشددة لحماية ميزانيتها في حال تراجعت أسعار النفط. كما دعا إلى أهمية تنويع الاقتصاد لتخفيف حدة أي أزمة نفطية في المستقبل.

ويرى عيد الشمري المدير التنفيذي للبنك الاستثماري “إثراء كابيتال” أنه لو كان مستشارا لولي العهد لنصحه بالتركيز على خلق فرص عمل دائمة من خلال الاستثمارات والصناعات المحلية على المدى القريب والتركيز على نوعية التعليم في المدى البعيد والمتوسط. وقلل من إمكانية حدوث ردة فعل طالما كان الاقتصاد قويا.

كل هذا لا يعني أن السعودية تخلت عن هويتها التقليدية والدينية، فهي لا تزال بالأسود والأبيض، العباءة والثوب. وحتى في جدة التي تعتبر أكثر انفتاحا من غيرها تتمشى المرأة مع زوجها وهي ترتدي عباءتها. وبين الشباب هناك قلة تعارض التغيير وتعبر عن قلقها من السرعة التي يحدث فيها.

وحتى زياد، الطامح لصناعة زلاقات رمال يرى أن “تخفيف القيود جيد ولكننا لا نريد التطرف وبحاجة للحفاظ على ثقافتنا”. وتظل هذه مواقف هامشية، في ظل التنافس على الاستفادة من الفرص الجديدة، فالفنادق أضافت ضريبة 5% على فترة “موسم الرياض” الذي يشمل معارض وحفلات موسيقية بالإضافة لحفلات في منطقة العلا، التي لم يكن يسمع بها أحد في الماضي وهي مدينة الأنباط القديمة. واليوم يسمع في السعودية صوت الروك والجاز وأغاني البوب التركية لا الصمت الذي فرضه المطاوعة. وبدلا من الفتاوى عن مصاحبة الرجل للمرأة والهجوم على الشيعة الروافض، هناك اليوم سياسة ترحيب بالزوار ومد يد خجولة للشيعة وفتح الثروات الأثرية القديمة في محاولة لصناعة المال من المحظور والمدفون.

وهناك مشاهد لنساء بالعباءات على دراجاتهن الهوائية يظهر من تحتها الجينز، ورجل وامرأة يحتسيان كوكتيل شراب خاليا من الكحول. ومعجبون ومعجبات سعوديات يصرخن في حفلات ماريا كيري وفرقة “بي تي أس” الكورية والنجوم العرب في منتزه الملك عبد الله.

وتعلق ربة بيت أن النافورة في المتنزه كانت قبل عام ترقص على أنغام النشيد الديني. ونفس المشهد في القطيف حيث قاعات الشيشة والشراب. والتغير واضح في القطيف، المدينة الشيعية حيث نقاط التفتيش على مداخلها فارغة، والحديث يدور بين سكانها عن الاقتصاد والعثور على وظيفة جيدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية