طريق الشباب المغربي إلى اللجوء مفروش بـ”لا”- (صور)

سعيد المرابط
حجم الخط
2

الرباط- “القدس العربي”: محمد، صبي يبلغ من العمر ست سنوات، يعرفه كل من في السوق في مدينته ويعرف الجميع، يحيي أصحاب المتاجر ويقبلونه على الخد. يهرول بين بضائعه باسما، عندما يهرب من والدته حين تغفل عنه عيناها.

ولا يستغرق الأمر سوى لحظات من الهروب، حتى تنتهي اللعبة، ويظهر الصبي حاملا موزة أو عنقود عنب، أو بعضا من الشوكولاتة في يديه الصغيرتين.

كان والده يعمل أيضا في شوارع مدينة القنيطرة (شمال الرباط)، التي يتساءل أهلها عنه؛ “كيف حال عماد؟، هل ما يزال في البوسنة؟”، وهو السؤال الذي يوجهونه لوالدة الصبي، غزلان.

عماد هو والد الصبي محمد، يتواجد الآن في البلقان، حيث قضى أشهرا محاصرا بين الحدود بعد فراره من التهديدات التي يعانيها من النظام المغربي.

لقد تغيرت حياة عماد وعائلته تماما في نهاية شباط/ فبراير عندما اتخذ قرارا بشراء تذكرة طائرة إلى تركيا، وبدء طريق البلقان من هناك لتقديم طلب للجوء في أوروبا.

الآن، تسير غزلان، زوجته، وحيدة مع ابنهما؛ في شوارع القنيطرة – وهي مدينة بالقرب من الرباط – يتذكرون الأماكن التي عمل فيها عماد كبائع متجول.

الباعة المتجولون تجار صغار تحاربهم السلطات في المغرب، وقد “عانى زوجي من هذه الاعتداءات كل يوم، يضربونه أحيانا ويصادرون أو يكسرون بضائعه”، تقول غزلان. أما سعيد، صديق عماد، وبائع متجول، فيؤكد هذه الأقوال “تأتي الشرطة كل يوم، تصادر بضائعنا، وأحيانا عندما نبيع كل شيء، يجبروننا على منحهم نصف الأموال التي كسبناها”.

نمت صداقة سعيد وعماد على أرصفة الشوارع، ومنذ ذلك الحين، ناضل الاثنان واحتجا من أجل حقوق الباعة الجوالين.

ويقول سعيد “في عام 2015، أنشأنا جمعية سعت للدفاع عن حقوقنا، أردناهم أن يبنوا لنا سوقا حتى يتمكن الأشخاص الذين يعيشون على هذا النشاط؛ من العمل في ظروف لائقة”، ومع ذلك، لم يستجب المجلس البلدي الذي يرأسه عزيز الرباح، رئيس المجلس والوزير بحكومة العثماني.

وبعد رحلة استغرقت عامين منذ إنشاء الجمعية، تمكن الصديقان أخيرا من تسجيلها قانونيا، لكن ووفقا لتصريحات سعيد “لم يتغير شيء، لا نزال نفتقد كل الحقوق”.

المواجهات بين التجار والسلطات، ليست جديدة في المغرب، ففي عام 2016، أحرقت امرأة كانت تبيع “البغرير” نفسها حية، في القنيطرة بعد مواجهة مع الشرطة، التي أرادت منعها من العمل في الشارع.

وشهد سعيد وشارك في تلك المظاهرات التي تلت وفاة هذه المرأة وقال إنها عانت “الكثير من القمع” من قبل الشرطة.

منذ غادر عماد، لم يتغير شيء البتة، ولم تتحقق حقوق الباعة المتجولين. يقول سعيد “كان عماد صوتنا الجهور، وهو الصوت الذي دافع علنا عن تجارتنا، والآن ها أنا أحاول إكمال مسيرته، لكنني أخشى من العواقب التي قد أعاني منها”.

وأثناء حديثه، أكد سعيد أن فرص قيام شخص ما بإبلاغ الشرطة عن حديثه مع الصحافة الدولية كثيرة، وعواقبها وخيمة.

في الساعات التي تصفرُّ فيها عين الشمس، تصبح شوارع القنيطرة خالية؛ والعربات المنتشرة على الطرق، تصير هياكل خشبية وحيدة، في تلك الساحة التي اعتاد عماد على نشر بضاعته فيها.

وغير بعيد، يوجد منزل ابن عمه مفتاح، وداخله جلس وزوجته وغزلان حول طاولة يتوسطها إبريق شاي، وأكواب زجاجية جميلة؛ للحديث عن قضية عماد.

حديثهم المتقاطع، يشرِّحُ أكثر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الراسخة في المغرب، وبصوت حزين، تقول غزلان “كان على زوجي البيع في الشوارع؛ لأنه من الصعب جدا العثور على عمل هنا، ومع ذلك، لم يكسب أكثر من 40 درهم (حوالي أربعة دولار) يوميا”.

وتتذكر عائلته كيف أصبح عماد ناشطا، كما تسرد جميع المطالب والشكاوى التي قدمها للحكومة، وخاصة تلك التي كانت في مقاطع الفيديو التي نشرها على حسابه على “فيسبوك” أو “يوتيوب”.

ويقول مفتاح “لا أنكر أنه لا توجد حرية تعبير في المغرب، لكن هناك حدودا معينة”.

في إحدى التسجيلات، خاطب عماد، الملك محمد السادس، من خلال شريط فيديو تم نشره على “فيسبوك” عندما تم اعتقاله وتعذيبه وسجنه. ويقول مفتاح “لا تريد الحكومة من أي شخص الاحتجاج، لأنه إذا بدأ شخص ما، فمن الممكن أن يتحد المزيد حوله، ويطلق العنان لثورة جامحة”.

وفي الواقع، بدأت أشهر الاحتجاجات في المغرب، نتيجة مواجهة بين بائع متجول وقوات الأمن.

وبعد أن سُحق محسن فكري بواسطة شاحنة لجمع القمامة بينما كان يحتج ضد السلطات التي صادرت الأسماك التي كان يبيعها في الشارع، اندلعت احتجاجات عديدة في شوارع الحسيمة (شمال)، وهي الاحتجاجات التي عنونت بـ”حراك الريف”.

وعلى الرغم من أن المصادر الرسمية تصفه بالحادث، إلا أن المحتجين أكدوا آنذاك أن زر السحق بالشاحنة؛ قد تم تفعيله عن قصد لإسكات صوت فكري.

خلف حراك الريف، العشرات من السجناء السياسيين في السجون المغربية، وتم العفو عن بعضهم من قبل الملك محمد السادس، في أيام العطل الوطنية والدينية.

ومع ذلك، فإن الزعماء الأربعة الرئيسيين لاحتجاجات الريف، بمن فيهم الزعيم الظاهر للحراك، ناصر الزفزافي، حُكم عليهم بالسجن لمدة 20 عاما من قبل محكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

كان عماد نشطا دائما في الحياة السياسية وفي الحركات الاجتماعية المغربية؛ وشارك في الاحتجاجات التي شهدتها الحسيمة وانتشرت في جميع أنحاء الريف.

وفي القنيطرة، نظم مظاهرات تطالب بحقوق الباعة المتجولين، وعلى الرغم من إطلاق سراحه بعد الاعتقال الأول، إلا أنه كان يعلم أنه من المحتمل جدا أن يتم سجنه من جديد.

“عندما حددوا موعد المحاكمة، كنا متأكدين تقريبا من أنهم سوف يلفقون له تهما، وأنه سيذهب إلى السجن لا محالة، لذلك كنا على دراية بأن الخيار الأفضل له؛ هو الهروب”، توضح زوجته غزلان.

بعيدا عن القنيطرة، ومن صربيا، يروي عماد قصته السريعة بينما كان يشرب القهوة على شرفة حانة صغيرة في قرية سيد، بالقرب من الحدود مع كرواتيا.

حكايته تشمل أسماء البلدان، المغرب، تركيا، اليونان، كوسوفو، صربيا، البوسنة، كرواتيا، سلوفينيا، ولم يكن الوصول إلى البلقان رحلة سهلة.

يقول عماد، وهو يسرد فصول حكاية الهجرة والهروب؛ “في كل مرة أكتشف فيها في تركيا، أحاول العبور إلى اليونان، كانوا يضربونني، ويأخذون جميع أمتعتي، ويرمونني في النهر وكان علي أن أبدأ من جديد”.

ولم تكن الشرطة التركية الوحيدة التي هاجمته في رحلته عبر الحدود الأوروبية، فمنذ وصوله إلى البلقان، حاول الدخول إلى منطقة شنغن (أراضي الإتحاد الأوروبي)، في مناسبات عديدة، وتم ترحيله إلى صربيا أو البوسنة، وأحيانًا، بعنف.

وتؤكد الجمعيات النشطة في هذا المجال، مثل مراقبة عنف الحدود؛ معاملة اللاجئين اللاإنسانية، على أيدي قوات الحدود الأوروبية.

وفي 16 تموز/ يوليو، أصدرت لورا فيدوفيتش، أمين المظالم في كرواتيا، خطابا مجهول الهوية اعترفت فيه مجموعة من الشرطة الكرواتية بأنها تعاني من ضغوط من أجل العودة السريعة.

وتأكد الرسالة من أن أوامر التي وجهت للشرطة هي “ترحيل جميع من ليست لديه وثائق إقامة بالبلد، وأخذ أموالهم، وكسر هواتفهم المحمولة، ورميهم أو الاحتفاظ بهم، ثم إعادة اللاجئين قسراً إلى البوسنة”.

ورغم أنه بعد هذا الإعلان، كان متوقعا حدوث تغيير في ممارسات الشرطة الكرواتية، إلا أن تلك المعاملات ظلت مستمرة عند أبواب الاتحاد الأوروبي.

وفي الأسابيع التي تلت تلك الرسالة، استمرت عائلة عماد في تلقي الرسائل والمكالمات التي أبلغهم فيها أنه قد تم ترحيله.

ويقول عماد “أرسلت لي زوجتي 300 يورو، والتي كان يفترض أن أوفرها لمحاولة عبور الحدود، لكن الكروات قاموا بترحلي، وكسروا هاتفي المحمول وسرقوا كل أموالي”.

ونظرا لاستحالة العبور عبر صربيا، قرر الانتقال، وتجربة حظه مرة أخرى من البوسنة.

ووفقا للبيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، دخل نحو 9 آلاف مهاجر البوسنة والهرسك منذ بداية هذا العام، في انتظار فرصة عبورهم إلى الاتحاد الأوروبي.

وإلى صعوبات المرور بعد إغلاق حدود البلقان في عام 2015، تضاف المبالغ الكبيرة التي يتعين على اللاجئين دفعها، إلى المافيات التي تنقلهم سراً في الشاحنات والقطارات.

ومنذ أن اضطر عماد إلى الفرار من المغرب، فإن الدخل الذي يأتي لعائلته محدود للغاية، فزوجته غزلان، لا وظيفة لها، وبالكاد تعيش من المساعدة التي تهبها إياها عائلتها، أو من مداخيل مبيعات بعض السلع. وبالإضافة إلى ذلك، عليها أن تعتني بأطفالهما؛ ذوي ثمانية وست سنوات، والطفل الذي جاء إلى الدنيا بعدما توجه عماد مباشرة إلى تركيا.

وتقول غزلان “يعاني الطفل الأوسط من مشكلة صحية ويحتاج إلى جراحة، لكننا لا نستطيع إليها سبيلا”.

يعرف عماد أنه حتى عند وصوله إلى أوروبا، فإن مساعدة أسرته هي مهمة صعبة بسبب العمليات الطويلة لطلب اللجوء ولم شمل الأسرة. يوضح “لقد عشت حياتي بالفعل، والآن ما أريده هو أن أجد طريقة لجلب عائلتي إلى هنا، لأنني لا أريد أن يكبر أطفالي في دولة قمعية مثل باقي المغاربة”.

ومن سراييفو، يقول عماد إنه ينام أحيانا في الشارع وأحيانا في الحديقة، وتجعل درجات الحرارة في الصيف المكان لا يطاق، ولكن الوضع معقد خلال فصل الشتاء البارد في البلقان، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر.

اللاجئون في البلقان محاصرون عبر الحدود، لا يستطيعون العودة إلى بلادهم ويصعب عليهم العبور إلى أوروبا.

ويدرك عماد هذا جيدا، ولكنه يدرك أيضا شيئا آخر أشد مضاضة “إذا عدت إلى المغرب، بمجرد دخولي إلى المطار، فسوف أعتقل، ولن أرى ضوء الشمس بعدها”.

وندد تقرير لمنظمة العفو الدولية في عام 2015، بانتهاكات حقوق الإنسان التي يمكن أن يتعرض لها السجناء في المغرب.

ووفقًا لهذه المنظمة، فإن أساليب التعذيب التي تستخدمها قوات الأمن المغربية للحصول على اعترافات، وإسكات الناشطين وخنق المعارضة تمر عبر “الضرب، والإهانة، ومحاكاة الغرق، والعنف النفسي والجنسي”. ولا يزال عماد مدركًا لما قد يحدث له، ويفكر أحيانًا في تسليم نفسه للسلطات في بلده، “ماذا يمكنني أن أفعل؟ الحكومة تضايق عائلتي وآخر شيء أريده هو أن يعانوا من ذلك بسببي”.

عندما تستعد الشمس للغروب في القنيطرة، تغادر غزلان وأطفالها الثلاثة منزل مفتاح، وعبرالسوق، الذي بدأ في الامتلاء بالناس تدريجيا ، ينطلقون للعودة إلى ما هو منزلهم المؤقت.

وتؤكد غزلان “إننا نعيش الآن في منزل والدتي، لكن منذ مغادرة عماد، صار علينا أن نغير المكان عدة مرات؛ لأن الشرطة تأتي كل يوم لاستجوابي عن مكان زوجي”.

تمتزج أصوات الرسوم المتحركة المنبعثة من شاشة التلفزيون، في منزل والدة غزلان بأصوات الموقد أثناء طهي الكسكس، مع آذان المسجد المنادي لصلاة الظهر.

وفي هذا المنزل المكون مع غرفتين وسريرين يعيش حاليا خمسة أشخاص.

فبعد رحيل عماد أصبحت غزلان رحالةً في المدينة، “أقضي بضعة أيام في منزل والدتي، وأياما في منزل مفتاح … هذه ليست حياة تصلح لثلاثة أطفال صغار”.

عماد وغزلان، عنوانٌ لحياة مرتحلة بالتوازي، زوجة تتنقل مع أبنائها بين الفقر والبيوت، وزوج مُهجر يبحث عن حياة أخرى في المنافي والحدود. وأثناء كتابة هذا التحقيق، تمكن عماد من العبور إلى كرواتيا ومن هناك عبر الحدود السلوفينية مختبئا في القطار، ثم تمكن بعدها من الدخول إلى إيطاليا، ففرنسا وأخيرا إسبانيا. ولكن عمليات اللجوء في أوروبا مملة؛ سنوات من الانتظار والانتظار. أما نقل الأسرة فمن الصعب الحصول عليه.

ليبقى عماد في بلاد الماتادور، معلقا بين وجهته الأخيرة، وبعيد عن معرفة متى يمكنه تلبية الأشياء التي بقيت وراءه؛ وطن ينتظره بالزنازين والقضبان، وزوجة تحمل هم أبنائه فوق همه، ومستقبل لا يزال مجهولا على أرصفة المنفى الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية