لندن -“القدس العربي”: تمكن باحثون، في دراسة نشرت في مجلة “سيل” من دراسة جينات سكان من قرى أوغندا الأصليين، ما أظهر تنوعات جينية هائلة تقارب ربع الجينوم الافريقي، لم يكن العلماء يعرفونها مسبقاً، ما قد يؤدي، حسب مجلة “ساينتفك أمريكان” إلى “بناء صورة أكثر وضوحًا عن الآليات الجينية لتطور الأمراض وسبل تحسين صحة الإنسان”.
وقال الباحث ديبني غورداساني، من معهد وليام هارفي للأبحاث في جامعة كوين ماري في لندن، الباحث الأول في الدراسة “لقد وجدنا أن الجينوم الأوغندي أكثر تنوعًا واختلافًا، مقارنةً بالجينوم الأوروبي الذي اعتاد العلماء دراسته في السنوات الماضية. كانت نسبة الاختلافات الجينية التي نجهلها كبيرة، أستطيع الجزم أنها تتخطى ربع الجينوم الأوغندي الكامل الذي قمنا بدراسته، والتي لم نعرفها من قبل على الرغم من الدراسات الجينية الكبيرة التي حظي بها الجينوم الأوروبي”.
وقام العلماء، في إطار هذه الدراسة، بسحب عينات دم من حوالي 5000 شخص ينتمون إلى 25 قرية أوغندية، ما جعلها إحدى أكبر الدراسات للجينوم من القارة الافريقية. وتمكنوا ببناء 2000 جينوم أوغندي كامل، كما جمعوا معلومات طبية من هؤلاء الأشخاص، تتمثل في بعض التحاليل كمعدل ضغط الدم، ونسبة الكوليسترول والغلوكوز في الدم، وبعض القياسات الطبيعية كالطول والوزن.
وأظهرت الدراسة، وجود ارتباطات جينية لم يعرفوا بها من قبل، ويعتقد العلماء أنها قد تكون خاصة بالجينوم الافريقي “أو أنها لم تكتشف بعد في الجينوم الأوروبي أو غير الافريقي”. كما وجد الباحثون أن أغلب تلك الاختلافات الجينية الجديدة مرتبطة بالدم ووظائف الكبد ونسبة الغلوكوز في الجسم.
وعند سؤاله عن السبب المحتمل وراء تلك الاختلافات الجينية أجاب غورداساني: “نعتقد أنه ربما بسبب الاختلاف في التغذية وتأثيرها على المحتوى الجيني مقارنةً بالجينوم الأوروبي”. وأضاف: “على سبيل المثال فإن بعض التأثيرات الوراثية على ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم يُنسب بشكل كبير إلى سوء التغذية في المرحلة المبكرة من الطفولة لدى هؤلاء السكان، ومن ناحية أخرى فإن باقي الأنماط الغريبة من الغذاء لديها تأثير أقل على نسبة الكوليسترول في الدم فيما بعد مرحلة الطفولة، ما يجعلها أكثر قابليةً للتحديد الوراثي”.
ويذكر أن الدراسة كان لها نتائج غريبة وغير مسبقة “إذ اكتشف العلماء وجود عدة ارتباطات جينية بين ما يُعرف بثلاسيميا ألفا، وهو مرض وراثي ينتج عنه خلل في تكوين سلسلة ألفا، وهي من مكونات هيموغلوبين الدم الرئيسية، ومستويات الهيموغلوبين السكري عند الأوغنديين”.
كما يذكر أن هذه الصفات موجودة في أكثر من 22 في المئة من الافارقة إذ تعمل على الوقاية من مرض الملاريا الحادة. وتشير “ساينتفك أمريكان” إلى أن “الغريب في الأمر أن هذه الارتباطات الجينية بين هذه الصفات هي أمر نادر الحدوث في المجتمعات التي لا تستوطنها الملاريا، ولذا يعتقد العلماء أن استخدام قياس نسبة الهيموغلوبين السكري كمؤشر طبي لتشخيص مرض السكري ربما يحتاج إلى إعادة نظر، خاصةً عند الافارقة الأوغنديين”.
ولم تتوقف جوانب الدراسة الحالية عند هذه الناحية الجينية أو الطبية، بل امتدت إلى استخدام النتائج في بناء قاعدة بيانات يتم استخدامها في فهم تاريخ هجرات البشر وتنقلاتهم في محيط دولة أوغندا، حيث تمكن الباحثون من خلال بياناتهم الجينية من إثبات أن أوغندا كانت محطًّا للترحال من كل المناطق المجاورة لها قبل نحو 4 آلاف سنة، وأن الهجرة إليها من المناطق المجاورة استمرت على مدار مئات أو آلاف الأعوام.
ويعتقد الباحثون أن نتائج الدراسة ستساعد علماء البيولوجيا الجزيئية على فهم آليات التطور الدقيق لعديد من الأمراض، الأمر الذي من شأنه إزاحة الستار عن طرق جديدة لعلاج العديد من الأوبئة والأمراض المزمنة مستقبلًا.