د. عصام نعمان خرج مارد الشعب من قمقمه ولن يعود اليه. أخرج نفسه بنفسه ولم يستعن بأحد. قيل إن البوعزيزي التونسي حكّ بروحه المتمردة مصباحاً فإنطلق المارد وما زال منطلقاً. البوعزيزي هو الشعب ومصباحه معاً. الشعب حكّ نفسه وأطلق من نفسه مارده. الشعب فاجأ نفسه بإطلاق مارده. المارد هو مفاجأة الشعب لنفسه.
المفاجأة ما زالت مستمرة. الشعب يعاود إطلاقها وما ينفك يفاجىء نفسه بها ويفاجىء حكامه في كل مكان وبلا هوادة. لا غلو في القول إنه عصر الشعوب في عالم العرب والعجم. ألا يعاود شعب تونس اليوم مفاجأة نفسه وحكامه بإنتفاضته المتجددة لإزاحة حكومةٍ ملتبسة الهوية؟ ألا يعاود شعب مصر اليوم مفاجأة نفسه وحكامه بثورته على ما تبقّى من قديم نظام مبارك؟ هل توقف شعب اليمن عن مفاجأة نفسه بإنتفاضته منذ لحظة تفجرها اول مرة؟ أليس ما يحدث في افغانستان وباكستان، على مرارته، مفاجأة الشعب لنفسه؟ هل مَن يجرؤ على التنبؤ متى تتوقف الشعوب في عالم العرب والعجم عن مفاجأة نفسها؟
الشعب كسر حاجز الخوف لحظة فاجأ نفسه بإنتفاضته وما زال. الشعوب في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وقبلها جميعاً في فلسطين ولبنان، وبعدها في افغانستان وباكستان فاجأت نفسها وفاجأت حكامها وما زالت.
قيل في توصيف انتفاضات الشعوب إنها جاءت خلواً من اشارات الى قضايا الماضي وشعاراتها. قيل إن احداً لم يذكر اسامه بن لادن او ‘القاعدة’ سلباً او ايجاباً مذّ تفجرت انتفاضة شعب تونس. قيل إن احداً لم يذكر فلسطين ومقاومتها او يهتف بشعاراتها عندما تفجرت انتفاضة شعب مصر. قيل الشيء نفسه في توصيف بقية الانتفاضات. ثم سارع البعض، بنزق، الى الإستنتاج بأن قضايا فلسطين والاسلام الجهادي والمقاومة قد ماتت.
فجأة ينفجر في سيناء خط تزويد ‘اسرائيل’ بالغاز المصري. بعد انفجار خط الغاز ينفجر غضب شعب مصر، فيتجه ألوف من شبابها المحتشدين في ميدان التحرير الى سفارة اسرائيل لمحاصرتها ومحاولة انزال رايتها من فوق ساريتها، وتشفع ذلك كله بهتافات النصرة لشعب فلسطين ومقاومته الباسلة في غزة. تشتعل للتوّ حمية نصرة فلسطين في عروق الشباب، فيتداعون الى تنظيم مسيرة النصرة والعودة من القاهرة الى العريش ورفح. تدعو السلطة الى إلغاء المسيرة، ‘نظراً لدقة الظروف وحساسيتها’ ، فيرد شباب الاسكندرية بـ ‘جمعة نصرة فلسطين’ في الاسكندرية، ومنها تنتشر دعوات النصرة في بقية انحاء مصر.
فجأة يعلن باراك اوباما ان مجموعة من قواته ومخابراته قتلت بن لادن في منزله على مقربة من موقع عسكري ليس بعيداً من اسلام اباد، عاصمة باكستان. تهتز اوساط ‘الاسلام الجاهدي’ ، فلا تلبث مجموعة من انتحاريي ‘طالبان باكستان’ ان تقوم بعمليتين انتحاريتين داخل كلية عسكرية للتدريب على مقربة من مدينة بيشاور الباكستانية، فيذهب ضحيتها اكثر من 80 قتيلاً ومئات الجرحى. تعلن ‘طالبان باكستان’ ان هذا اول رد انتقامي على تواطؤ بعض حكام باكستان مع الاميركان لتصفية بن لادن.
قضايا فلسطين والإسلام الجهادي والمقاومة لم تمت اذاً. بصرف النظر عن رفض بعض مضامينها وسلوكيات بعض قيادييها، فإنها ما زالت حيّة في نفوس انصارها العنيدين. يذهب بعض الخبراء والمراقبين الى أبعد من ذلك. يقولون إن ثمة صحوتين جديدتين تتفجر بهما الانتفاضات في عالم العرب والعجم: صحوة قومية واخرى اسلامية سلفية. ارى ان ثمة صحوة أعمق هي صحوة الحرية تخالط الصحوتين الاخريين. اجل، ثمة صحوة عميقة، متفجرة ضد الإستبداد التاريخي الذي خيّم على عالم العرب والعجم منذ نحو ألف سنة. صحوة الحرية هي السمة الأبرز للانتفاضات المتجددة.
ثمة سمة اخرى بارزة في الإنتفاضات المتفجّرة يُغفلها البعض سهواً ويتجاهلها البعض الآخر عمداً. انها معاداة اميركا. ذلك ان جميع الإنتفاضات الناشطة حالياً إنما قامت أصلاً ضد أنظمة متحالفة مع اميركا او ممالئة لها. معاداة اميركا هي القاسم المشترك بين الانتفاضات جميعاً. فالولايات المتحدة هي العدو، وتعرف هذه الحقيقة، وقد بنت على الشيء مقتضاه.’ المقتضى’ الاميركي، على ما يبدو، هو مدّ الجسور الى الإسلام السلفي في محاولة مكشوفة لتجعل منه على المديين المتوسط والبعيد البديل من الأنظمة الفاسدة التي تهاوت او التي في طريقها الى السقوط. هذا النهج اعتمده اوباما عند مباشرته مخاطبة العالم الإسلامي بدءاً من انقره. اختياره انقرة، قبل القاهرة، منطلقاً لخطابه التصالحي مع الإسلام لم يكن صدفة. فقد جرى اختيار تركيا بعناية لأنها معقل الإسلام العلماني، إن صحّ التعبير، او قل معقل نظام سياسي نجح في المزاوجة بين الإسلام والعلمانية وبالتالي بين الإسلام والغرب.
اميركا ترتاح الى نموذج الإسلام التركي وترغب في تعميمه في عالم العرب والعجم. ارتاحت الى تقرّب سوريا من تركيا ورأت فيه، الى إيجابية ولوجه بلاد الشام التي تعتنق عقيدة قومية راديكالية، فرصةً لإبعاد دمشق عن طهران. لهذا ارتاعت واشنطن عندما سقط نظام مبارك بينما هللت لذلك دمشق وصدرت عنها اصوات توقّعَ بعضها خروج مصر كلياً من قبضة اميركا، بينما توقّع بعضها الآخر انضمامها القريب الى حلف دمشق طهران. تفادياً لعودة مصر وسوريا الى التحالف، قررت واشنطن إضعاف نظام الاسد سلفاً بركوب موجة الإحتجاجات المطالبة بالحرية والإصلاح ثم خرقها بمجموعات مسلحة من الإسلاميين السلفيين ممن يحملون ثارات قديمة ضد النظام مذّ هجْمته الكاسرة على معقلهم في حماة سنة 1981. الى هؤلاء جميعاً، نسبت القناة التلفزيونية الاسرائيلية الثانية دوراً لحلف ‘الناتو’ ضد النظام بالتعاون مع عبد الحليم خدام. ثمة دافع آخر لإضعاف نظام الأسد. انه خشية اميركا من دعم دمشق لقوى المقاومة العراقية المناضلة لإحباط تمديد العمل بالإتفاق الأمني بغية تأمين انسحاب الجيوش الاميركية من العراق قبل نهاية 2011 . هكذا تتكشف الإنتفاضات الشعبية عن تيارات ثلاثة: قومي، واسلامي سلفي، وحريوي ديمقراطي. اميركا، بالتعاون مع تركية اردوغان، تراهن على التيار الاسلامي السلفي المتجدد والمتمثل بالاخوان المسلمين في مصر وسوريا وغيرهما. ربما لهذا السبب مَنَح اردوغان الاخوان المسلمين السوريين مقراً في اسطنبول. وربما لهذا السبب ايضا سمح الرجل لنفسه بإنتقاد ‘حليفه’ بشار الاسد بدعوى تباطئه في تنفيذ وعوده الاصلاحية.
في موازاة الاخوان المسلمين يتنامى التياران القومي والديمقراطي ويتلاقيان في التشديد على مسألتين: بناء المؤسسات الدستورية الجديدة من خلال انتخابات تشريعية حرة ونزيهة، وتفعيل النضال القومي التحرري من اجل تحرير فلسطين والعراق ولبنان بدعم قوى المقاومة العربية ضد ‘اسرائيل ‘ ومن ورائها الولايات المتحدة.
صحيح أن التيارات الثلاثة تتلاقى في تظاهرات الميادين والساحات والشوارع، كما تتلاقى في طرح الشعارات المناوئة لاهل الانظمة الساقطة او المرشحة للسقوط. لكن الوقت لن يطول قبل ان تجد نفسها متمايزة، وربما متصادمة، في طروحاتها واهدافها وتحالفاتها المحلية والاقليمية والدولية.’ كاتب من لبنان