حاملة الجثمان

حجم الخط
0

لخبطت كل كياني صورة ام الشهيد عامر ابو عيشة و هي تتقدم جموع المشيعين و تحمل جثمان ابنها الى قبره بين قمة الاعجاب و الانبهار و قمة الحزن و المأساة.
يوم حملت ام عامر ابو عيشة ابنها لاول مرة بعد ولادته لم تكن تحلم او تتمنى ان يأتي اليوم الذي تحمل جثمانه.
ليس باستطاعة أم ان تتمنى هذا المشهد، و لكن ما يحصل من مشاهد صبر تخر لها الجبال هو حصيلة لشيء بسيط او بالاحرى أمر عظيم هو الايمان الذي لولاه لفاضت العيون بحرا من دموع لا تجف و تقطعت النفس على إثرهم و لحقت بهم و عاشت الموت في الحياة!
عجيب هذا الايمان الذي يقذفه الله في قلوب عباده الذين اصطفاهم ليضربوا المثل و لذا لا يمكن ان يُفهم المشهد بدونه فهذا الصبر و هذا التحمل و هذا التجلد لا يمكن ان يكون قوة بشرية صرفة، انه تأييد الله و وعده لكل أم آمنت ووثقت بقضاء ربها من يوم أم موسى بالربط على قلبها لتكون من المؤمنين و ان يرزقها قرة العين.
فهل كان الدرس اليوم في الشهيد عامر على فضله ام في أمه؟ من استخدم الله لضرب المثل للذين امنوا عامرا ام أمه؟ عامر روح طاهرة انضمت الى كوكبة الشهداء و لكن كم في النساء بل كم في البشر بل كم في الأمهات بل كم في الآباء يطيق مثلما اطاقت ام عامر؟
من يجرؤ اليوم يا أم عامر و قد تقدمت ببنات حواء خطوات نحو العلياء ان يشكك في دور النساء في الجهاد و صناعة النصر في مقدمة الصفوف الأمامية؟ من يجرؤ ان يشكك ان النساء قلب هذه الأمة اذا نبض للأمة ضخ الدماء في عروق الرجال فيصبح الموت في سبيل الله بحق اسمى أمانيهم؟
ليس كل نساء الامة يطقن ما اطقت يا ام عامر غير انك بهذا المشهد و بهذه الوقفة ستبقين منارة في وعي الأمة، النساء تحديدا، تؤرق القلوب و الهمم الحية نحو مزيد من العمل و التضحية و تلطم كل مذل لنفسه و أمته و مقل بجهده و مقصر عن بلوغ غايته.
لقد صنع الله موقفك و مشيتك على عينه لتكوني لمن معك و من خلفك آية بأننا لا نبكي الشهداء في بيوتنا حسرة و لوعة نخفيها عن الناس بل نرفعهم على أكتافنا أقمارا لنضيء بهم دروب العزة و الكرامة.
لقد صنع الله موقفك ليفهمنا معنى جديدا لقوله سبحانه « ويتخذ منكم شهداء»وكأن الشهادة ليست تفردا بل صناعة جماعية ولذلك استحق أهل الشهيد شفاعة الشهيد، وكأنه سداد دين لمن كانوا سببا في اصطفائه.
شكرا لكل النساء اللواتي يمكننا ان نرفع عقيرتنا بفخر و نقول هذه هي المرأة المسلمة، هذه حريتها، هذا عطاؤها، هذا دورها و لا يمكن لأحد أن يحدها.
شكرا لكل النساء اللواتي يثبتن ان روح خديجة لم تمت فينا و ان شجاعة ام عمارة قابلة للتكرار و ان الخنساء قوية الجينات ما انفكت تتوالد في نسائنا.
لسنا بحاجة ان نعرف كثيرا كيف بلغ عامر منزلة الشهداء يكفي فقط أن ننظر الى فعل أمه لنقرأ القصة من أولها الى آخرها.
سلام عليك يا حاملة الجثمان، سلام عليك يا زفة الشهيد، سلام عليك يا حادية الركب، سلام عليك يا رافعة الراية، سلام على قلبك الحزين، سلام على دمعك الحبيس و فؤادك الكسير و إنا و إياك لفي انتظار جبر الله نصرا مؤزرا يشفي صدور قوم مؤمنين.
ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية