استفزني جداً خبر الفخ او المطب الأمني الذي وقعت فيه حركة «الجهاد الاسلامي» في فلسطين في بيروت الأسبوع الماضي، فهو يثير مجددا العديد من التساؤلات حول فاعلية الأجهزة الامنية للفصائل الفلسطينية كافة، ويعيد الى الذاكرة العديد من القيادات الفلسطينية التي نجح «الموساد» الاسرائيلي في اغتيالها، والسبب واضح انه إهمال وتسيب وترهل وغياب الحس الامني، وكذلك الاختراقات الأمنية، وفي حالات اخرى جراء الثقة المفرطة بالعدو لاسيما بعد اتفاق اوسلو، الذي سمح بعودة آلاف من رجال المقاومة وقياداتها، أصبحوا جميعا رهائن لديه. واكبر دليل على ذلك استشهاد أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مكتبه في مدينة رام الله عام 2001.
لا ادعي بأنني خبير أمني، ولكن الانسان لا بد ان يتعلم ويكتسب التجربة عبر متابعة قصص الاغتيالات التي عاشتها الفصائل الفلسطينية منذ انطلاقتها. والمثل يقول «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»، لكن يبدو ان اجهزة الأمن الفلسطينية، لدغت مئات، ان لم يكن آلاف المرات من الجحر نفسه، ولم تتعلم. ونتيجة لذلك فقدت هذه الفصائل قوافل من الشهداء من خيرة قيادييها، في مدن وعواصم أوروبية.
قائمة الشهدا تطول وسنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر بعضا من شهداء الصف الاول من القادة فقط، لان الحديث عن البقية يحتاج الى مجلدات:
– ياسر عرفات اغتيل في مقره المحاصر في رام الله 2004 بدس السم القاتل.. اختراق أمني أوصل اسرائيل الى قمة الهرم الفلسطيني.
– الشيخ احمد ياسين مؤسس حركة «حماس»، الذي اخرج من السجن عام 1997، في إطار صفقة بين الأردن واسرائيل، عقب محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، اغتيل في آذار/مارس 2004.. إهمال أمني.
– عبد العزيز الرنتيسي خليفة الشيخ ياسين في غزة، استشهد بعد اقل من شهر واحد فقط. إهمال أمني ايضا وربما اختراق.
– خالد مشعل: نجح «الموساد» في الوصول اليه في قلب العاصمة الاردنية عمان.. وحقنه بإذنه بمادة سامة تؤدي الى موت بطيء. وتدخل العاهل الاردني الراحل الملك حسبن الذي جرت محاولة الاغتيال في احد شوارع عاصمته، وأرغم الإسرائيليين على إرسال مصل مضاد أنقذه.. كيف يسمح رجال حراسته لشخص بالاقتراب منه.. إهمال أمني
– فتحي الشقاقي: أمين عام «الجهاد الاسلامي» اغتاله «الموساد» عام 1995، في مالطا بينما كان في طريقه من طرابلس الغرب الى دمشق.. إختراق أمني ويرجح وجود تواطؤ أمني.
– خليل الوزير (ابو جهاد) نائب عرفات، اغتيل في منزله في تونس 1988 في عملية كوماندوز إسرائيلية.. ترهل وإهمال أمني وربما تواطؤ.
هذا غيض من فيض
مقال اليوم ليس مخصصا للاغتيالات التي نفذها الموساد، ولا محاولاته التي لا تحصى، بل لما أعلنت عنه «الجهاد الاسلامي» من محاولة لاغتيال كانت تستهدف أمينها العام رمضان عبد الله شلح في بيروت الاسبوع الماضي.. وكأننا لا نتعلم الدروس من أخطائنا.
وهنا سآخذ برواية «الجهاد الاسلامي» حول العملية التي لها وجه آخر.. وجه يصعب تصديقه، لانه يعني الرجل الثاني في «الجهادي الإسلامي» زياد نخالة المشهود له من خصومه قبل أصدقائه، بحسن الخلق والفضيلة.
القصة من بدايتها باختصار.. كما رواها قيادي في الجهاد في لبنان لوكالة «وطن للانباء». «اتصلت صحافية زعمت بان اسمها امل علوي بخالد البطش القيادي في الحركة في غزة، اخبرته انها داعمة للمقاومة ومقربة من العائلة الحاكمة في المغرب، وتعمل رئيسة تحرير مطبوعة «الامل العربي»!.. وترغب باجراء لقاء مع الدكتور رمضــــان. كما جرت العادة أوصلها البطش بزياد نخالة نائب الامين العام للحركة».
تم الاتفاق مع نخالة على ان تأتي الى لبنان وتجري لقاء مع الدكتور رمضان، لكن الحركة عاودت الاتصال بها، وهي لا تزال في قبرص واخبرتها بالغاء المقابلة «لدواع خاصة» لكنها اصرت على انها ستأتي الى بيروت على أي حال». ورغم إلغاء الموعد وفي يوم الوصول في 12 أيلول/ سبتمبر الجاري، تقرر إيفاد نخالة لاستقبالها في المطار.. لعلاقتها كما زعمت بالعائلة المالكة في المغرب ودعمها للمقاومة، وبالتالي قد يكون برفقتها وفد من الديوان الملكي او تحمل دعما للمقاومة وايضا كنوع من التكريم لها. أوصلها نخالة الى الفندق، واكدت مصادر اخرى انه صعد الى غرفتها بعدما اتصلت به وطلبت الحديث اليه بموضوع مهم جدا، وصعد مرافقوه معه الى الاعلى و»عندما دخل واحس ان شيئا ما يحضر خرج مباشرة بعد اقل من دقيقة». عند ذلك احست الصحافية ان امرها انكشف وهذه معلومات غير مؤكدة، «حاولت تنفيذ خطة بديلة كي لا تعود فارغة اليدين ففبركت قصة الاعتداء عليها».
نعود مجددا الى رواية القيادي في الجهاد «في اليوم الثاني اتصلت الصحافية بالبطش من هاتف الاستقبال في الفندق وبدأت كلامها بلومه وتحميله المسؤولية عن الغاء المقابلة مع الدكتور شلح قبل ان تخبره بروايتها وتحاول ابتزازه مهددة بتقديم شكوى قضائية»، وهذا ما كان.. اذ تقدمت بشكوى الى الشرطة اللبنانية باسم مختلف وهو أمل احمد.
في هذا الوقت وفقا لرواية الجهاد كان جهاز الامن في الحركة (بعدما سبق السيف العذل) يواصل جمع المعلومات عنها وتحليلها قبل ان تختفي يوم الاحد وتغادر الاراضي اللبنانية الى جهة مجهولة لتظهر لاحقا في الرباط. وتعامل الأمن مع الموضوع على انها «عميلة تابعة للموساد او جهاز استخبارات عربي او غربي مدفوعة من قبله لاغتيال الدكتور رمضان او نائبه». وإذا اخذنا برواية الجهاد وانا أميل الى تصديقها كما قلت، فان الصحافية لو لم تكن مزيفة للجأت الى السفارة المغربية طالبة الحماية، خاصة أنها مقربة حسب زعمها من العائلة المالكة. باختصار فان مجمل المطب يعكس قصورا أمنيا ان لم يكن سذاجة من الدرجة الاولى من بدايته وحتى نهايته. وفي ما يلي سلسلة الأخطاء التي وقع فيها أمن الجهاد:
-الاول: يبدأ من غزة وهو تحويل «المدعية» مباشرة الى الرجل الثاني في الجهاد بهذه السهولة.
– الثاني عدم التأكد من هوية هذه الصحافية «المدعية» وإذا ما كان اسمها بالفعل هو امل علوي.. تبين لاحقا انها ايضا أمل احمد وأمل بوسعد. ولا يحتاج ذلك الى جهد كبير في عصر الانترنت.
– الثالث عدم التأكد ان كان هناك أصلا صحيفة او مجلة باسم «الأمل العربي» والتأكد من ذلك كان ممكنا بضغطة زر.
– الرابع التأكد من الادعاء بأنها مقربة من العائلة المالكة في المغرب. ولا يحتاج لاكثر من مكالمة هاتفية للسفارة المغربية في بيروت.
– الخامس والأكبر وهو قرار إرسال نائب الأمين العام لاستقبالها في مطار بيروت، رغم ما ينطوي ذلك على مخاطر أمنية، خاصة بعد إصرارها على القدوم الى بيروت رغم إلغاء المقابلة.. وهذا الاصرار بمفرده، موضع شك كبير.
– السادس وقوع النخالة في الفخ وصعوده الى غرفتها في الفندق بمجرد الاتصال به.
– السابع لماذا لم يعتقل جهاز أمن الجهاد بشبهة الإعداد لاغتيال زعيمه وتسليمها الى الأجهزة الأمنية اللبنانية.
– الثامن: كيف لا يشك بشخص يدعي انه رئيس تحرير مطبوعة ومقرب من العائلة المالكة في المغرب، وتبحث عن عمل في المغرب..
كل هذه الأخطاء الجسام كان يمكن تجاوزها ببذل جهد قليل في عصرنا هذا.
واختم بالقول ان هذه الصحافية نجحت في استغفال الجهاد الاسلامي بامتياز رغم انها لم تحقق مرادها كما تقول الجهاد باغتيال الدكتور شلح، ولكنها نجحت في هز أركان الحركة وتحقيق نوع من الاغتيال المعنوي لنائبه.. والمثل يقول «الطلق اللي ما يصيب بيدويش».
ونأمل ان يكون ما حصل درسا نتعلم منه في المرات القادمة وهي كثيرة بالتأكيد. وذكّر ان نفعت الذكرى.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح