لا نعلم إن كان «مستر نون» قد عاش تلك الحياة، أو أنه تخيّلها، أو توهّمها، أو أنها تألفت من هذيانه. لن نعرف مثلا إن كان خرج من غرفته ليتجوّل في برج حمود، أم أنه بقي الوقت كله وراء باب الغرفة المقفل؟ الناس الذين تعرّف إليهم في تجواله، هل هم حقيقيون، أم أنهم شخوص مكمّلة للمكان المتوهّم؟ ذلك الذي اسمه لقمان، وهو عضو ميليشيا سابق وصاحب محل يرتاده الشبان للتحديق بشاشات الألعاب الإلكترونية، من هو؟ أقصد أيّ واحد هو من الثلاثة الذين أطلقت عليهم الرواية ذاك الاسم.
كان مستر نون، الذي تبدأ الرواية مضيفة صفة الكاتب إلى أوصافه الأخرى، قد ابتكر لقمان بطلا لإحدى رواياته، لكنه ما لبث أن صادفه رجلا حقيقيا، بل هو اصطدم به في أحد أزقة برج حمود، وتلقى منه ضربا مبرحا أقعده. ولم يتوقف ظهور لقمان عند تلك المواجهة السريعة، بل إنه سيعاود الظهور مرات عمد في إحداها إلى تعذيب الفتاة النيبالية (شايغا،عشيقة مستر نون) ثم رميها من شرفة الطابق الرابع.
ولقمان هذا ليس معذِّبا وقاتلا فقط، إذ لطالما تسرّب إلى داخل الغرفة لطمأنة مستر نون وحمايته. شخصيات رواية نجوى بركات كثيرة التحول والتقلّب بين وجوه كثيرة. لم ينج من ذلك إلا قليلون، وهم أولئك الذين عاش بطلنا الجزء الأول من حياته في كنفهم: أمه ثريا، مثلا، الذي دفعه إيثارها لأخيه الأكبر إلى تحويل مشاعر بنوّته لمدبرة البيت ماري. أما أخوه فلم يتوقف عن إشعاره بدونيته. ذاك هو الأخ الأكبر، الناجح في علاقاته وأعماله. أما الأخ الأصغر فهو مستر نون، المريض دائما والغارق في الهلوسة والهذيان. الرعاية التي يوليها نحوه ذلك الأخ لا تشبه تلك التي بين فنسنت فان غوغ وأخيه، فما يسعى إليه الأخ الراعي هنا هو إخفاء أخيه، حجزه في تلك الغرفة التي يصفها مستر نون، في النصف الأول من روايته، بأنها غرفة في فندق بخمسة نجوم.
حين تأتي الرواية على ذكر وقائع حقيقية، نشعر كما لو أننا نقلنا من عالم إلى عالم مختلف، أو من زمن إلى زمن، أو من مناخ روائي إلى آخر.
لكن من هناك، حيث طبقة الفندق السفلى، كانت تأتيه أصوات أولئك المحتشدين الذين حُشروا معا لعدم قدرتهم، أو قدرة ذويهم، على مجاورته في طبقته. كان مستر نون يسمع أصواتا تأتيه من الغرف الملاصقة، مخطئا في تقدير ممن تطلع وإلى من تُوجَّه. كما كان يتلقى دعوة كل يوم من تلك المرأة المقيمة بمفردها، فيتوارى مقفلا على نفسه باب غرفته. وكما هي حال شخصيات الوجوه المتعددة، سنعرف لاحقا أن ما بين غرفتي الجوار علاقة تكفي وحدها لبناء سياق روائي معقّد وعميق، هكذا كفرع من الرواية يمكن جعله متنا آخر. في ذلك المشهد الذروة يرى مستر نون من نافذة غرفته خروج الاثنين، المرأة والرجل، إلى الحديقة في الأسفل، مثل حبيبين، لكن من أجل أن يساعد الرجل، بكل ذلك الرفق، المرأةَ على شنق نفسها.
هي ذروة في الرواية تتعايش مع ذرى أخرى. من تلك الذرى علاقته بمعشوقته النيبالية التي، هي أيضا، يمكن أن تتشكل حكايتها كبناء قصصي خاص. ثم علاقته بأبيه الذي أنهى حياته قافزا من النافذة ليتحطم جسده على الطريق، لكن لتبقى روحه معلقة في فضاء الغرفة. هذا الجانب المتعلق بالأب يبدو حادثة تقف على تخوم الرواية، إذ يمكن أن يستمر جريان السياق من دونها، على الرغم من الثقل الروائي لتلك الحادثة. فلنقل أنها واحدة من محطات الرواية، أو من حبكاتها المتراوحة دائما بين الحقيقة والوهم. في الفصل التالي لا تظهر الشخصيات كما كانت في الفصل الذي سبق. المكان أيضا لن يظل على حاله، حيث سنعرف لاحقا أن ذلك الفندق ليس إلا مصحّا للمرضى العقليين، أودع فيه مستر نون كما أودع المرضى الآخرون، وبهذا يصير للصراخ الطالع من الأسفل وقع آخر يستدعي تخيلات أخرى.
في هذه الرواية لا تكف نجوى بركات عن تبديل أدوار الشخصيات والأمكنة، وأخذنا إلى تقلّباتها. وهي تجري هذا التبديل على الزمن أيضا. كأنها تحرص على أن تبقينا متسائلين إن كنا في الماضي، أم أن ما نحن فيه هو جريان الرواية في حاضرها؟ أما عن الشخصيات وتحولاتها، أي انصرافها عما كانته، فنقرأه في الصفحة الأخيرة من الكتاب حيث يُبلّغ القارئ أن شخصية مستر نون التي قرأها على مدار 250 صفحة، هي لامرأة وليست لرجل.
حين تأتي الرواية على ذكر وقائع حقيقية، نشعر كما لو أننا نقلنا من عالم إلى عالم مختلف، أو من زمن إلى زمن، أو من مناخ روائي إلى آخر. أو أننا أوقفنا عند نقاط ارتكاز تُخرجنا للحظات من ذلك التراوح بين الحقيقي والوهمي. ذلك حين نعرف مثلا أن المرأة قررت شنق نفسها بسبب خسارتها زوجها وأولادها في الحرب السورية، نشعر كما لو أننا أُخرجنا من عالم الرواية الغامض والتخيّلي إلى راهن واقعي. هذا يحدث كلما ذكرت في الرواية قضايا وحروب جارية الآن.
٭ رواية «مستر نون» لنجوى بركات صدرت عن دار الآداب في 255 صفحة -2019
٭ روائي لبناني