لسبب ما، يدفعنا عنوان فيلم «طفيلي» جديد المخرج الكوري بونج جُون هُو (1969) لأن نشعر بعدم ملائمته المطلقة لما يقع في الفيلم، أو أن دلالته تنسحب على جزء قليل من أحداثه فقط، هذا الإحساس يتنامى لدى المولعين بأدب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي (1821-1882)، وخصوصا روايته «في قبوي»، التي كتبها عام (1864) أو كل العناوين الأخرى التي اشتهر بها هذا النص؛ كمذكرات قبو، أو رسائل من أعماق الأرض، أو مذكرات صرصار، فكلّ شيء في هذا الفيلم يحرّكه القبو، من صناعة الحدث إلى خلق الصراع، انتهاء إلى الحل.
من المعروف أن المخرج بونج جُون هُو، حكّاء بارع، لا يمكن توّقع تفكيره على مستوى نوعية القصص التي يختارها، ولا الفئات التي تمثلها، الأمر نفسه ينطبق على اختياراته لأساليب التعبير وسرد القصص، فمثلا أنجز فيلمه «الأم» (2009)، عن أم تحمي ابنها الذي يعاني اضطرابات نفسية، وينتقل في فيلمه «أوكجا» (2017) لقصّة عن جشع شركات الأغذية والدفاع عن حقوق الحيوانات، وفي «طفيلي» (2019) يغيّر الوجهة تماما، فيحكي قصّة إنسانية عن الشكل الجديد للصراع الطبقي، أو هي تحية للفقراء الذين يصبحون مجرد أدوات في أيادي الأغنياء.

تعيش أسرة كيم (أب، أم، ابن، ابنة) في بيت وسط في ضواحي مدينة سيول، بيتٍ تحت الأرض؛ مكانٍ ضيقٍ وعفن، خانق لا يصلح لحياة كريمة، مصدر دخلهم الوحيد هو طيّ مئات من صناديق البيتزا يوميا، ومشاكلهم في الحياة يمكن أن تكون حرمانهم من شبكة الواي فاي بسبب التغير المتواصل لأرقام تشفيرها! ينجح الابن في الخروج من هذا الواقع، لأنه اجتاز مقابلة عمل لدى أسرة غنية، كي يدرّس ابنتها اللغة الإنكليزية، ويرسم خطّة للتوصية بمُدرِّسة فنون درست في أمريكا كي تشرف على موهبة الابن الصغير لهذه الأسرة الغنية، هذه المُدرِّسة هي أخته، التي ستنجح في إتقان دور مدرّسة الفنون، وستنجح أيضا في اقتراح والدها ليعوض سائق العائلة، بعدما أوقعت بالسائق السابق، لم يبق الآن سوى والدتهما ومنصب مدبّرة البيت، فينجح الأب نفسه بإقناع صاحبة البيت أن خادمتها مريضة بالسعال، فوجد طريقة لاقتراح زوجته. وهكذا انتقلت الأسرة من حفرة في ضواحي العاصمة إلى بيت أشبه بالقصر، ما يسمح لهم بالتصرف مثل الأغنياء، في وقت عدم وجود أصحاب البيت، حتّى هذه الفترة من الفيلم، التي استغرقت ثلث مدّته، كان البناء السردي يبدو بسيطا، وأحيانا متوقعا. لكن عبقرية المخرج، كانت تستدرجنا إلى هذه النقطة لتخلق انعطافة تعبث بكل هذا الاطمئنان. فالأحداث تنقلب في اتجاه آخر، بينما تجني الأسرة المتطفلة ثمار احتيالها فتستمتع بأمسية مترفة وسط قصرها الجديد، مستغلة ذهاب أصحابه في نزهة، تطرق مدبرة البيت القديمة الباب في ليلة ماطرة، وتدّعي أنّها نسيت أشياء لها في البيت، تتأخر السيدة في المطبخ، ويتضح بعد دقائق أنها تخفي زوجها هناك لمدة طويلة. صار القبو الآن صانعا لحكاية أخرى ومعوضا لتطفل العائلة على بيت لا تملكه، وصانعا لصراع مرير ولأسئلة مقلقة، فخاضت العائلتان صراعا داميا من أجل عدم كشف سرّها والاحتفاظ بامتيازاتها، الجميع كان خاسرا في هذا الصراع، لأن لا نهاية سعيدة تبدو في الأفق، ويزيد الأمر تعقيدا عند عودة أصحاب البيت، هذا المأزق العبقري الذي وضعه المخرج أمام الجميع، زاد من حجم الفوضى وسلب الجميع فرصة الخلاص.
يجعل المخرج جميع شخصياته في المستوى نفسه تقريبا، يمنحهم المساحة نفسها، يسمح للجميع برفع صوته، فيلمه لا يقدّم صوتا واحدا، ولا أيديولوجيا واحدة، هناك تعدّد أصوات، (بوليفونية) تساهم في تشكّل السّرد وبناء الأحداث
وفي النهاية يلقي المخرج ورقة رابحة أخرى، فتتحوّل حفلة عيد ميلاد طفل العائلة الغنية، التي وضع لها الأب خطّة لمفاجأة ابنه بأزياء هنود حمر يحملون فؤوسا بينما تحمل مدرسة الفنون طبق الحلوى، هنا يصعد رجل القبو في حالة هستيرية فيطعنها بسكين انتقاما لزوجته، يغمى على الطفل بسبب رجل القبو المرتبط لديه بذكرى سيئة، تتحرّك غرائز الأبوة لدى الفقير والغني، الجميع يريد إنقاد أبنائه، لكن هذه الغريزة وصعوبة الموقف لم تمنعا الأب الغني من إبداء اشمئزازه من رائعة رجل القبو الممدود أمامه، والسيد كيم نفسه أحسّ بمهانة شديدة كون رائحة جلده وجلد عائلته من الصنف نفسه، إنها رائحة القبو التي لا يزيلها أي منظف، الرجل لم يقبل هذه المهانة فينسى للحظة كل الفوضى التي أمامه، ويطعن صاحب البيت طعنة ترديه قتيلا. فيبحث عنه الجميع بدون جدوى لقد وجد السلام في القبو وانتمى إليه، ومنه وجد طريقة للتواصل مع ابنه، بنور المصباح مثلما كان يفعل رجل القبو الآخر. ومن الرسائل التي دارت بينهما أخبر كيم والده أنه سيعمل بجد وسيحصل على المال وسيشتري هذا البيت وعندها سيلتقيان من جديد.
يجعل المخرج جميع شخصياته في المستوى نفسه تقريبا، يمنحهم المساحة نفسها، يسمح للجميع برفع صوته، فيلمه لا يقدّم صوتا واحدا، ولا أيديولوجيا واحدة، هناك تعدّد أصوات، (بوليفونية) تساهم في تشكّل السّرد وبناء الأحداث، و(بذكر مفهوم البوليفونية، يعود اسم دوستويفسكي للظهور، فحسب ميخائيل باختين فالرواية البوليفونية ظهرت مع دوستويفسكي وليس قبله). يحقّق الفيلم بطريقته الخاصة والمميزة تعدّدا لزوايا النظر، وتعارضها ورؤيتها للحياة، فنظام العلاقات متشابك ومعقّد وبسيط في الوقت نفسه، بين الفقير والغني، بين الطفل والراشدين، بين المحتال والمخدوع… الجميع يبدو مدفوعا لما يقوم به، لأنّ هناك أسبابا دفعته، ومهمّة الكاميرا أن تجعلك ترى هذه الأسباب وتحسّ بأكثر مما تراه.
قد يبدو «طفيلي» أو باقي أفلام بونج جون هو مستندة إلى سرد تقليدي، لكن العكس هو الصحيح، النصوص التي يكتبها تضمر عبقرية كبيرة، فالبناء السردي الذي يتّخذ شكل متواليات حكائية تتبع فيها الأحداث منحنى خطيا، يجد طرقا عديدة أثناء الحوارات، لكي يعيدك إلى الماضي ويدفعك لتوقع المستقبل، والعبث بتوقعاتك، بدون أن يكون في حاجة لنقلك في الزمان أو المكان، وهذه واحدة من خصائص عمله الكثيرة، أنت مثلا تعرف في حوار لصاحب البيت مع السائق المتطفل، أن مدبّرة البيت طيبة وشاطرة، لكن هذا الرجل الغني يضيف صفة أخرى، فعيبها الوحيد، أنها تأكل كثيرا، ما يكفي لشخصين. هكذا تبقى هذه الجملة سابحة في سماء الفيلم حتى ظهور زوج السيدة في القبو ويجيبك عن أسلتك الكثيرة.
ومن هذا المنطلق يصير الفيلم أحد الأعمال القليلة التي تصل إلى تفسير الذات الإنسانية بعمق شديد ومعقد، الفيلم ينجح في كشف ما يعنيه انطباع الاشمئزاز الذي تخلفه رائعة الفقير على الغني، المشاعر نفسها تكون جزءا من كشف واقع طبقات المجتمع الكوري. كما يستثمر المخرج المكان لإبراز هذا الصراع الطبقي، فننتقل معه من قبو العائلة الفقيرة، فهو بيت له نافذة صغيرة هي مصدر العائلة لمشاهدة ما يحدث في العالم حولها، هذا العالم الذي لا تصله الشمس، بينما ينقلنا إلى بيت العائلة الغنية، وله شرفة كبيرة مطلة على الحديقة التي لا تغادرها الشمس. فكانت كاميرا المصور البارع هونغ جيونج بيو تنقل انعكاسات المكان على أصحابه، وأهم حوارات الفيلم كانت في مواجهة الباحة أو هذه النافذة الصغيرة، كأنه يقول لنا الأمكنة تصنع شخصيات أصحابها!
ما يميز بونج جون هو، هو نجاحه الدائم، في تحريك قضايا إنسانية كبيرة وعميقة، بطرقه السحرية المعتادة، بواسطة مشهد واحد أو لقطة أو إشارة من بعيد في حوار جانبي فقط، وهو أمر قد يلهث وراءه مخرجون آخرون بأفلام كثيرة، بدون أن يحققوا غايتهم منها، هذه ميزة وقدرة كبيرة نلمسها لديه، بلغت مداها في «طفيلي»، الذي يستحق وصفه بالتحفة السينمائية.
٭ ناقد سينمائي من المغرب