وأنا أيضاً مثلك يا إبراهيم نصر الله أفتقد خفة ظل غسان كنفاني

حجم الخط
26

كان غسان كنفاني كاتباً ساخراً بامتياز. وللأسف، لما يتم بعد جمع تراثه الكتابي كله حتى بعد انقضاء زمن طويل على اغتياله.
تراث غسان الكتابي معظمه خفيف الظل، وبالذات في مقالاته السياسية؛ إذ كان يكتب الجرح بسخرية محببة تزيدنا وعياً بعمقه. وثمة العديد من كتابات غسان كنفاني بتوقيع فارس فارس لما تجمع كلها في كتبه، وما زال تراث ذلك المبدع كنفاني يفتقد إلى من ينشر الأعمال الكاملة له حقاً. وفي زمن ثقيل الظل تكاثرت فيه الكوارث الوطنية، كما كتب إبراهيم نصر الله، نفتقد من كان سيكتب الجرح ساخراً بإبداع.

غسان وغيرته على اللغة العربية

مرة مثلاً اتصل غسان كنفاني هاتفياً بـ«دار الفن» لشأن صحافي، فردت عليه عاملة الهاتف قائلة: «داغ» الفن، بدلاً من «دار الفن» أي أنها لفظت الراء على الطريقة الفرنسية بلثغة كان بعض (مثقفي) لبنان يومئذ يفخرون بها. ويومها كتب غسان مقالاً ساخراً نارياً حول ذلك بعنوان «داغ الفن»، وهو من مقالاته التي لما تنشر بعد في أي من الكتب التي يفترض أن تحفظ تراثه كله ولا تكون انتقائية لأسباب لن أخوض فيها.. وبينها نصوص وجدانية.

سخرية من نزار قباني

السخرية السياسية لغسان متأججة، تضحك وأنت تدمع أمامها.. ولكنه كان أيضاً يسخر من الأشخاص على نحو يثير إعجاب القارئ بدلاً من غضبه حتى إذا كان موضع السخرية قريباً لك وصديقاً تحبه.
وأذكر على سبيل المثال كتابات لغسان في زاوية.. «أوراق خاصة» في جريدة المحرر، وسخر في بعضها من صديقي وقريبي عائلياً نزار قباني. وكانا يلتقيان معاً في بيتي أحياناً، ونزار يبادله كرهاً بكره. وكان منظرهما معاً (مسلياً!). مبدعان وذكيان ويتبارزان بالأبجدية كطفلين، كما هي حال المبدعين الكبار جميعاً. يكتب عنه غسان: إنه رجل تافه، لو قدر له أن يقطع حياته جيئة وذهاباً أربع مرات على التوالي فوق حقل من الطين، لما ترك أثراً!
ويكتب غسان عن نزار قباني أيضاً ساخراً: ثرثار.. إلى حد صار من غريزة أجيال الذباب أن تعرف الفخ المنصوب بين أسنانه. ويضيف: إنه كالإبريق، رأس يتلقى كل شيء، وأذن لا تصلح إلا لرفعه، وفم يقول أي شيء. ويضيف: أعرفك: أنت الرجل عديم الشخصية كعلبة سجائر «الغلواز».

إبداع في السخرية الشخصية كما السياسية

إلى جانب السخرية السياسية التي أتخيل مع إبراهيم نصرالله ما كان يمكن لغسان أن يكتبه لو ظل حياً في هذه الأيام المظلمة، كان غسان متعدد الوجوه فنياً كالماسة. يسخر من كل شيء حتى من صديقة لي يضايقه حضورها كلما زارني، ويكتب في زاويته «أوراق خاصة»: كانت سخيفة ومخيبة للآمال، وتعطيك إذا ما حادثتها شعوراً بأنك تلبس حذاء ضيقاً!!
ويكتب عنها أيضاً: لها صوت قبيح، مثل ضفدعة تزوجت ثوراً، ثم جاءها المخاض! يضيف: حين تضحك أنظر إلى الأرض. أحسب أنها داست على طرف زجاجة!

غسان المأساوي إلى جانب الساخر

ولكن كان بوسع غسان أن يكون مأساوياً مبدعاً، وها هو يتحدث عن طفلة يقول: «لست أدري كيف جاءت أمس إلى رأسي، بدون مبرر، بعد أن غابت أكثر من خمسة عشر عاماً.
يومها سحبتها من تحت عجلات القطار واغتسلتُ بدمها وعدوت بها من قرب المخيم إلى الطبيب. كانت صغيرة، منتوفة الريش كفرخ بجعة أصابته شظية، وكانوا يركضون معي ويقولون إنها ميتة، ولكنني كنت أحس نبضها يتدفق على ذراعي مع الدماء والرعب والضجيج. مرة واحدة رأيتها بعد ذلك بشهور: كانت تحجل على طريق دارنا، كل براءة العالم في عينيها الحزينتين، وكل بؤس العالم في ساقها المبتورة. والآن أيتها الصغيرة، صار عمرك عشرين عاماً، كان اسمك اعتدال، ورفض والدك أن يراني حين قالوا له إنني أنقذتك.. كيفك الآن؟».
في هذا النص نلحظ ريادته في الدفاع عن الأنثى من خلال تلميحه إلى والد اعتدال الذي كان يفضل موتها لأنها ليست «ذكراً». هذا هو غسان يسيل إبداعاً، وفي سطور عدة ينجح في شحنها بتيار إبداعي مكهرب، ويكاد يلخص في سطور رواية مأساوية.. مدافعاً أيضاً عن المرأة وحقها في الحياة كالرجل. (كل ما تقدم من نصوص نشرتها بخط يد غسان في كتابي «محاكمة حب»).

متى تُجمع بقية كتابات غسان بلا انتقائية؟

غسان الأديب المبدع الرائع يستحق جمع كتاباته كلها.. بدون استثناء إكراماً لخاطر هذه أو ذاك. ثمة كتابات أخرى كثيرة لغسان موقعة باسم مستعار هو «ربيع مطر» منشورة في «مجلة الحوادث» حين كان يساهم فيها كمحرر حر، وكان يكتب في الزاوية نفسها سواه، ولكن روح السخرية المبدعة في مقالات كنفاني تدل عليها وتميزها.. وكنت قد جمعت كل سطر كتبه غسان، ولكن الحرب اللبنانية أحرقت مكتبتي حين انفجرت فيها قذيفة وأحرقتها بكل ما فيها من وثائق ولوحات، ولكنها فشلت في قتلي! ونجت بعض أوراقي التي لم تكن في مكتبتي.
وبانتظار اهتمام «مؤسسة غسان كنفاني» بنشر تراثه كاملاً وبكل روح السخرية الدامعة التي تميزه في معظم إبداعاته، إلى جانب كتاباته الوجدانية في «أوراق خاصة» و«فارس فارس».

السباق على التعري

في زيارتي الأخيرة إلى بيروت فوجئت بظاهرة جديدة هي تسابق بعض جميلات لبنان للتعري على «إنستغرام» في صور مغرية، وقرأت تحقيقاً حول ذلك موثقاً بالصور (في مجلة نادين)، إنها «نجومية التعري» إلا من ورقة توت! وأتخيل غسان يكتب ساخراً: أتمنى أن يقوم بالتعري ذاته بعض أهل السياسة في لبنان الذين يرتدون قناعاً فوق قناع.
غسان لم يرتد قناعاً في أي يوم.. وربما لذلك اغتاله العدو الإسرائيلي. وكل حرف له أو عنه يجعلنا نفتقده أكثر كما فعل بي مقال إبراهيم نصرالله! وقول محمود درويش بعد رحيل غسان: «لن نلتقي بغسان بعد اليوم ولن نسمع المزيد من تعليقاته الساخرة»…

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية