في أربعينية سميح القاسم: شاعر الأزمنة الصعبة

حجم الخط
1

حين رأيت الشاعر الراحل سميح القاسم 1939 ـ 1964 للمرة الأولى ، قلت في داخلي أنه حقاً منتصب القامة يمشي، كما مشت قصيدته مرفوعة الرأس دائماً، لتصبح أغنية شائعة، ثم مثلاً سائراً، يتردد على الأفواه في الجوائح والأيام العاصفة، لكَم كان المتلقي البسيط والعادي ، ابن الخيام والهجرات ومعسكرات اللاجئين، يحتاج الى أغان يصنعها الشعر المتفجر في الأعماق؟ يكتبها شاعر هو ابن تلك الأزمنة الصعبة، شاعر نتاج هذه التجارب الحارقة التي هبت كالصواعق على شعب عربي كامل فقد كامل أرضه، فقد مأواه وملجأه وسكنه الأبدي والتاريخي والميثولوجي في أزمنة الضيق، في الأزمنة الكولونيالية التي أخذت من العرب أعز ما يملك ومن العالم الاسلامي قدس الأقداس، ليتشرد شعب جبلته الأساطير الأولى ليضيع بعد ذلك في دياسبورا مثالية، هي مثيل للتيه الذي جاء في التوراة، لا بل هو التيه ذاته الذي ردّدته المزامير ونشيد الأنشاد والإصحاحات التي لم تصحح سوى الخطيئة، خطيئة الإحتلال.
من هنا كانت قصيدة سميح القاسم هادرة، تشبه الأغنية، تشبه النشيد الثوري، تشبه الحربة اللامعة في الشمس وتشبه على الأقل زناد البندقية في وجه من استباح ساحل اللازورد، وأغتصب عبق الأوركيد الريفي، وأسر حجر الغرانيت المتوامض وصادر رائحة التفاح والحان البرتقال، ليحمل الشاعر فيما بعد كالمقاتل دمه على كفه كما عنون في وقت سالف أحد دواوينه المبكرة «دمي على كفي».
لقد تقدم الشاعر سميح القاسم في هذا الأتون الشعري الحارق، بدءاً من «دخان البراكين» ديوانه الأول، حيث جاء بمثابة عتبة رمزية لقول الدلالة المتشظية والعلامة اللاهبة المحملة بالشواظ لتصيب ذهنية العدو السادر تحت سديم معتم من ضباب التلمود، تقدم في هذا المناخ المعادي وهو في كبد المكان، في تراب الطفولة، في «الرامة» التي رمت لهم هذا الشاعر الذي أرّق الحكومات المحتلة بأشعار أحتلت عقل العدو وحولته الى كائن يرى في القصيدة عدواً واضحاً ومتعدداً ينتقل بسهولة في الأمكنة والدساكر والأرباض مثل الهواء، لا يلمحه أحد ولا يستطيع جنود التحري وحرس الحدود والرقابة المدججة بالعتاد والبارود أن توقفه لتسأله عن هويته، لأن العابر هو المعنى والمجاز والرمز والبعد الكنائي
الخفيف كالنسيم والمتسرّب في مغزاه وتوجهه وهدفه كالرصاصة الى الصورة المختلة والسيرة الذاتية للمحتل.
وانعطافاً على ما سبق، ألم يؤرق نظيره الكبير محمود درويش العقل المتوجس والخائف المصنوع من فوبيا الهلكوت العقل الحذر والمتلفت والمرتجف من اقل نأمة متربصة؟ ألمْ يؤرق عقل الحاكم الإسرائيلي حين قال كلمته الخارقة لجدران المعزل العنصري «عابرون في كلام عابر؟».
أجل كانت قصيدة سميح القاسم تفتك كالقنبلة في أوصال اولئك العابرين، لقد اقلقتهم كثيراً وأزعجت مسارهم الذي يسعى الى التوسع والتنافذ مع هواء الجوار، مع ترابهم وشمسهم
وبحيراتهم، طبرية على سبيل المثال، أجل لقد سُجن الشاعر سميح القاسم ومُنع من التحرّك والسفر وشملته اقامات قسرية، ولكن قصيدته ظلت تتقدم: «تقدموا… تقدموا، كلّ سماء فوقكم جهنمُ… وكلّ ارضٍ تحتكم جهنمُ… تقدوا… تقدموا».
هذه القصيدة المدوّية كان قد ألقاها في مهرجان أدبي وثقافي عقد في الدوحة عام 2002 ، في قاعة كبيرة ملئت بجمهور محب لشاعر كبير بحجم سميح القاسم، أنا وصحبي من الشعراء كنا جالسين في الصفوف الأمامية، كان حينها يجلس الى جانبي الشاعر القدير والصديق المثالي محمد القيسي، حين دوى صوت القاسم ، هادراً، مخترقاً جدران القاعة الكبيرة. كانت المنصة الخشبية التي أمامه ترتجف من ضربات كفه الكبيرة وتداعيات توتره الشعري والفني، وحين كاد ينتهي ويفرغ من القصيدة وهي تتقدم باتجاه نهايتها، اندفع صوته الجهْوري اكثر ليعلو حتى وصل الى اماكن أبعد من القاعة، متسرباً عبر الأبواب المفتوحة الى الأروقة المجاورة، وحين رغا الصوت أكثر خرج الشاعر عن اطار المنصة التي وجدها تعيق تقدم صوته الباذخ والرجراج فتوجه الى الجمهور وكاد ينزل اليهم وهو يلوح ويؤشر ويسفح الحركات والإلتواءات الصوتية مثل يفتوشنكو الشاعر الروسي البارع في الإنشاد الشعري والمسرحي، فراحت ترتعد قامته المنتصبة التي كانت تقترب من السبعين وتختض وهو يرمي بالشرر الشعري المتوقد الى الجمهور الصانت والمتحمس لسماع شاعر يهز مشاعره كالقاسم.
بعد الفروغ من القراءة، وكنت أتمنى ألا اكون مع القاسم في برنامج القراءات الشعرية لأن صوتي ذو النبرة الخافتة سيضيع وسط هذه الحمحمة النارية، فأقترح حينذاك أحد المشاركين على صديق منظم للمهرجان أن تخصص امسية لسميح القاسم يقرأ فيها ما يشاء من الشعر دون أن يحدد بوقت معين، وذلك نظيراً لمكانته الشعرية وريادته وجسامة عمله الشعري الذي تخطى الخمسين عملاً شعرياً ونثرياً ومسرحياً، لقد قرأ القاسم لأكثر من ساعة متواصلة شعراً متنوعاً بين الهادئ والعالي النبرة، بين الحماسي والساخط والمتوتر، وبين القصائد القصار غير الملحمية التي تحسن الإيماء والاشارة وهي قليلة في شعر القاسم الزاخر بالروح الوثابة والأصوات الصوائت والرنين الخارجي المندفع كالنوافخ من الآلات النحاسية في جوقة الأوركسترا والكورال الكبير متعدد الاصوات والآلات الموسيقية.
في المساء رأيته وحيداً ، ينتبذ زاوية ما، يبدو أن الأصدقاء لم يأتوا بعد ويملأوا القاعة في احد أروقة فندق الكارلتون الجديد، أومأ لي بيديه من بعيد حين لمحني ادخل صالة الفندق، فتوجهت مباشرة مسروراً اليه، فبادرني حالما جلست الى جانبه عن رأيي في القراءات والأمسية المخصصة ورأي بقية الاصدقاء فقلت في الحال: «أني في الحقيقة خفت عليك من التوتر والإندفاع الشعري الحار والساخن، وخصوصاً على الصيعد القلبي»، فأجاب وهو يضحك: «أن الشعر يستحق من القلب أكثر من جلطة فنية».
كان سميح القاسم شاعراً مرحاً، ساخراً، محباً، ودوداً، ولا يتورع من أن ينم على أحدهم بطريقة بارعة وبريئة لا تخدش من كرامة الشخص الغائب وشخصيته مما يضفي على حديثه الساخر الكثير من المتعة والتندّر الخفيف والناعم.

هاشم شفيق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية