في أدبيات الأسفار العربية تعني «الرحلة» أو «سفرنامة» أداء فريضة الحج، فلقرون ظل الطريق إلى مكة محفوفا بالأشواق والأمال، وبقي أداء فريضة مكتوبة على كل مسلم مرة في العمر تتويجا لحياة المسلم ونتاجا لكل ما يتطلع إليه من أمنيات هو العبور في الطريق الصعب وتكحيل العين بالبيت العتيق وتقبيل الحجر الأسود وزيارة قبر الحبيب المصطفى. فهذا البناء المكعب يجعله المؤمن قبلته في الصلاة ويستحضره في قلبه خمس مرات في كل يوم، ويظل يمني اليوم بإكمال دينه والرحلة إليه لكي يحقق الميلاد الجديد. وشوق كهذا جعل رحلة السفر للحج موسما من مواسم الأدب والفكر، التجارة والمنفعة.
الموسم الأكبر
وفي الذاكرة الإنسانية يعتبر الحج إلى مكة الموسم الأكبر في التاريخ، فكل الطرق تؤدي إلى مكة، ففي الماضي كان الحجيج يقطع ألالاف الأميال مشيا على الأقدام، أو بالسفن متحدين العواصف والأمواج الهائجة، أو على ظهور الجمال التي ظلت الوسيلة المفضلة للحجيج، وكانت الصحراء رفيق الحجاج وعدوهم فخلف الكثبان والتلاك كان العربان ينتظرون القوافل للإغارة عليهم ونهبهم، وخلال القرون قتل مئات الألوف وهم في الطريق للكعبة أو في طريق عودتهم ولهذا كانت عادة من أكمل حجه أن يغرق إحرامه بماء زمزم كي يكفن به إن مات في البحر أو البر. وخلقت «الرحلة» والتحضير لها أدبيات هائلة خلفها لنا شعراء وكتاب وعلماء ومتصوفة، جواسيس ومغامرون، رجال دولة، أمراء وأميرات. ففي حاضرة مكة كان ولا يزال يجتمع كل الألوان والأجناس والأعراق، وكان يحضر إليها كل ما يثمر في الأرض تصديقا لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام «وارزقهم من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر»(البقرة:126). وسجل كل هؤلاء مشاهداتهم ومغامراتهم وحواراتهم الأدبية والفقهية والزهدية في أطنان من الكتب والحبر حولت الرحلة للحج إلى طريق من الكلمات.
ألف طريق
ويتوفر في المكتبة الإسلامية مئات إن لم نقل ألافا من السرديات عن الحج وبكل اللغات الحية في العالم، عربية وفارسية وملايوية وأردية وهندية ولاتينية، فرنسية وإنكليزية واسبانية. وتقدم هذه السرديات رؤى مختلفة عن مكة والكعبة والحج والدول الإسلامية التي تعاقبت على الحكم، والأمم والشعوب التي أمت الحجيج، وسجلت ذاكرة وتطور مكة التي ظلت تحافظ على مهبط الوحي وذكرياته حتى عهد قريب قبل أن تتغير مكة ويختلط فيها الحداثي بالقديم في توليفة غريبة هي صورة عن حياتنا المعاصرة. وعلى العموم لم يهتم إلا قلة من الكتاب والعلماء بجمع واختيار مواد من الرحلات العديدة المتوفرة في المكتبات الإسلامية. ومن الكتب المهمة في تحليل الرحلات ومحتوياتها كتاب علامة الجزيرة حمد الجاسر «أشهر رحلات الحج»، وكتاب عبد الهادي التازي «رحلة الرحلات: مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة» (2005)، وبالإنكليزية أصدر مايكل وولف عام 1997 كتابه المهم «ألف طريق إلى مكة» قدم فيه مختارات من الرحلات القروسطية في زمن كانت فيه الأمة الإسلامية في ذروة نهضتها العلمية والحضارية، وقدم بعض مختارات من رحلات ناصر خسرو وابن جبير في القرن الثاني عشر ورحلة إبن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي. ومن ثم قدم رؤية «الأخر» الغربي الذي تلبس بصورة المسلم كي يصل للمشاعر المقدسة ويرسم صورة عنها للقاريء والذهنية الأوروبية حيث ظلت مكة والمدينة مدنا مخفية يريد الغربي اختراقها ورؤية ما فيها ومن هنا جاءت رحلة الإيطالي لودفيتشا دي فارثيما (1503) وجوزيف بيتس أو الحاج يوسف (1685) ودومينغو باديا الإسباني الذي تسمي بعلي باي العباسي (1807) وجون بيركهارت أو الحاج إبراهيم 1814 وريتشارد بيرتون أو الحاج عبدالله (1856)، وقدم أيضا سرديات المسلمين الأوروييين والأمريكيين من محمد أسد (1927) ، إلى عبدالله فيلبي (1931) والإنكليزية أيفلين كوبولد (1933) والإسترالية وينفريد ستيغر (1927) كما وقدم رحلات الإيراني جلالي أحمد (1964) ورحلة المسلم الأمريكي مالكوم إكس (1964) بالإضافة لرحلته أي الجامع وولف عام 1990 وعدد آخر. ووضع وولف رؤية عن أهمية الحج والمخاطر التي كانت تعتري الحجاج خاصة هجمات البدو التي لم تكن مخصوصة في الحجاز وقبائل بني حرب أو عتيبة بل كانت جزءا من الرحلة في العراق وسوريا وفلسطين وغيرها.
صورة الحج
ولهذا فكتاب الكاتب والشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي «لبيك اللهم لبيك: 365 صور ومشاهد من الحج» محاولة طريفة لوصف رحلة الحج على مدار عام كامل من حياة الإنسانية، وفيه مختارات تتسم بالجزالة والإختصار والظرافة والعمق الفكري والسحر الصوفي والمعنى الفقهي والبحث عن الحضارة وتراث الأباء والأجداد في مكة، والتأمل في مكان نزول الوحي- غار حراء، والحديث عن جو مكة وأنواء البحر وطريق السفن وأسمائها، والأمراض والقتل والصعود لسقف الكعبة، وعادات أهل مكة والمدينة وصورة جدة. وفيها حكايات عن الأمن والأمان والخوف من الملك عبد العزيز بن سعود، والطرق والقوافل، والرشوة والكذب والسرقات والمطوفين، ومكانة الطائف التي اعتقد الجغرافيون العرب أن الملاك جبريل اقتطعها من الشام وغرسها في أرض الحجاز- واد غير ذي زرع. وهناك وصف للبيوت المكية والقهوة والمقاهي واستقبال الأمراء للحجيج خاصة الكتاب والشعراء ويصف لنا إبراهيم عبد القادر المازني الذي تتميز رحلته بالظرف وخفة الدم «بروفايل» عن الأمير فيصل في شبابه، ومواقف من المسعى ورجم الشيطان.
مالكوم إكس
وعلى تعدد الرؤى والأهداف تأخذ المختارات القاريء رحلة في التاريخ والحضارة. فها هو الشهيد مالك الشهباز (مالكوم إكس) في مذكراته يصف أثر الرحلة عليه «لقد وسع الحج نطاق تفكيري، وفتح بصيرتي فرأيت في أسبوعين ما لم تره عيني في تسع وثلاثين عاما. رأيت كل الأجناس والألوان من البيض ذوي العيون الزرق حتى الأفارقة ذوي البشرة السوداء..» ونعلم كيف تركت رحلة مالكوم إكس أثرا على أجيال من المسلمين حول العالم. فمكة مركز العالم ومهبط الروح كما في وصف محمد أسد للطواف «لبيك اللهم لبيك» «ها نحن نمضي عجلين مستسلمين لغبطة لا حد لها، والريح تعصف في أذني صيحة الفرح، لن تعود بعد غريبا، لن تعود.. لم أعد أسمع سوى صوت «لبيك» في عقلي دوي الدم وهديره في أذني، وتقدمت أطوف، أصبحت جزءا من سيل دائري، لقد أصبحت جزءا من حركة في مدار، وتلاشت الدقائق، وهدأ الزمن نفسه، كان هذا المكان محور العالم».
فتح باب الكعبة
حفظت لنا سرديات تفاصيل الحياة الإجتماعية والثقافية لمكة طوال القرون، وفيها نقرأ سيرة المكان في تغييره، فها هو ناصر خسرو، يصف لنا في رحلته (1046-1051) كيف قام بنو شيبة بفتح باب الكعبة في مشهد طقسي مليء بالحركة والحياة «يتقدم زعيم القبيلة وبيده المفتاح ويصاحبه في ذلك خمسة أو ستة أفراد من ذويه..»، وها هو العياشي (1661-1663) يصف لنا كيف تم تعمير السقف الثاني للكعبة حيث صلى فوق سقف الكعبة وساهم في وضع الطين وأخذ وهو الصوفي الذي يتبرك بكل ما يحمل من رائحة القرون والنبوة قطعة خشب، ويخوض العياشي في مسائل فقهية حول حلية نقل تراب وأحجار من الحرم للخارج. وتتسم الرحلة العياشية بروحها الصوفية وإيمانها بالكرامة والتبرك بكل ما يذكر بآثار الأسلاف، ولكن لم يبق من هذه الأثار الكثير. وفي رحلة بن جبير التي ينقل لنا الجامع عددا من الصور وصفا جميلا للحرمين وغار ثور وحراء وما تبقى من آثار الصحابة، بيت خديجة ودار الأرقم، ولدى إبن جبير عين معمارية فقد قدم لنا وصفا لمساحة الحرم ووصفه بنائه. وما يميز رحلة بن جبير، هذا القادم من الأندلس حبه واحترامه للرجل العادل، والحاكم صلاح الدين، فكل نقيصة يراها في المجتمع يردها لعدم علم هذا الحاكم العادل. وفي لهجة إبن جبير إخلاص وحب لوطنه الإسلامي وحاكمه الناصر صلاح الدين استمع لصوته وهو يصف لنا نهب الحجاج واستغلالهم، حيث يعامله الحجازيون أكثر مما يعامل أهل الذمة، ويشكو ابن جبير الحال. وعلى العموم ترى في قصص الحجاج نوع من عدم الرضى والنظرة الدونية للبدو الأعراب الذين لا يعرفون صلاتهم وشعائرهم. وفي الرحلات الحديثة هناك قلق على ضياع تراث كان يمكن أن يحفظ التاريخ، وهناك قلق لما تم هدمه منذ سيطرة الوهابيين على الحجاز كما في رحلة محمد حسين هيكل حيث تحسر على ضياع قباب «بارعة الفن لم يكن يجمل بيد تقدر الفن أن تمتد إليها بسوء، لكني إنما وجدت المشقة في الإهتداء إلى أثار لها في تاريخ المسلمين الأولين أثر بالغ، ولا ترضى أمة تقدر تاريخها أن تذرها للنسيان يعبث بها ويجنى عليها». في هذا البستان من الصور والذكريات نعثر على تاريخ أمة في جهلها وقمة عطائها وروحانيتها وملوكها ورجالها، ويظل المكان هو مركز العالم يجذب إليه الناس مثل المغناطيس. ونتعرف على الكيفية التي تطورت فيها الطرق لمكة، سفن تحمل أسماء مثل «زمزم» و «كوثر» و «جدة» التي غرقت بمن فيها عام 1880 وقتل 800 حاج ملايوي من جنوب شرق آسيا، وهي التي أقام عليها جوزيف كونراد روايته «لورد جيم» (1899) واحدة من الروايات التي يجب اعتبارها جزءا من سرديات الحج.
الدعاية الفلسطينية
ظلت السياسة في العصر الحديث محظورة في مكة، ويشير محيي الدين رضا في «رحلتي إلى الحجاز» (1935) أنه التقى فلسطينيين حاولوا توزيع نشرات تعريفية بقضية فلسطين وهو ما حفزهم لحضور موسم الحج وحاول أحدهم إلقاء خطب في الحرم لكن كبار موظفي القصر صدوه، وحاول أحدهم الحصول على تصريح من الملك السعودي- عبد العزيز- واجتمع مع الملك وتلقى كلاما طيبا ولم يؤذن له في النهاية بالحديث علنا عن فلسطين.
كتاب السويدي، موسوعة مصغرة عن الحج في التاريخ، وهو قائم على عدد كبير من رحلات الحج، وتحضر أمام القاريء أسماء شكيب أرسلان، خير الدين الزركلي، محي الدين بن عربي، محمد لطفي جمعة، عبدالغفور شيخ وغيرهم.. وزوده بصور نادرة عن الحرم المكي والمدني، جدة وبيوتها، القوافل، والمطوفين، مناسك الجح، عرفات ومنى، رمي الجمار، مقبرة البقيع. محاولة جميلة وهدية غالية في العيد الذي يحل علينا وكالعادة فهو عيد يحمل معه ثقل المأساة التي تمر بها أمتنا.
لبيك اللهم لبيك: 365 صور ومشاهد
من الحج
اختارها وقدم لها: محمد أحمد السويدي
دار السويدي- أبو ظبي- 2014
إبراهيم درويش