الناصرة – «القدس العربي»: شهدت أراضي 48 تغيرات سياسية واجتماعية واسعة جدا في مسيرة ابتدأت منذ نكبة 1948 المستمرة بتبعاتها المختلفة، لكن ظاهرة قتل النساء العربيات على حالها وربما أكثر انتشارا اليوم وهذا ما دفع بعض منظمات المجتمع المدني لإطلاق مشروع تربوي توعوي علّه يحد منها.
يعد فلسطينيو الداخل اليوم نحو 1.3 مليون نسمة تعمل إسرائيل على تغيير هويتهم تارة بالاحتواء وتارة بالاستعداء وبالأساس عبر مناهج تعليمية يتفق الباحثون على أنها تتسبب بتبلور هوية ثقافية وسياسية مشوهة لأجيالهم ويربط بعضهم بين ذلك وبين ظواهر تخلف اجتماعي رائجة خاصة في الأرياف.
ويستدل من معطيات رسمية أن ثمانين مرأة عربية قتلت في إسرائيل خلال العقد الأخير غالبيتها على خلفية ما يعرف بـ «شرف العائلة».
على هذه الخلفية أطلقت جمعية الشباب العرب «بلدنا « و»جمعية كيان» (تنظيم نسوي) هذا الأسبوع «الدليل التربوي الأول لمناهضة ظاهرة قتل النساء». ويندرج المشروع ضمن مشروع مشترك اجتمعت فيه الجمعيتان في رؤية مُشتركة ومُكمِّلَة من أجل إحداث تغيير تجاه هذه الظاهرة. ويركز الدليل على تشكيل وعي مؤسِّس لخطورة الظاهرة والممارسات المؤدية إليها، من خلال جمع طاقات وجهود الشباب والنساء بهدف مناهضة ظاهرة قتل النساء واقتلاعها. وقالتا إنّ أهمية هذا الدليل، الذي قامت بكتابته سمية شرقاوي، وساهمت في تحريره وإخراجه، منى محاجنة ونداء نصار، تكمُنَ بكونه يتفرَّدُ بعرض موارد تربوية تتناول الظاهرة بشكل مباشر.
ويُفَكِّكُ محتوى هذا الدليل تركيبَ هذه الظاهرة وتعقيدها مُبيِّنًا كيف تتراكم وتتكامل مُعطياتٌ عديدةٌ مثل، الهوية، النوع الاجتماعي، حقوق الإنسان، العنف في المجتمع عامةً، العنف ضد النساء، قتل النساء، البُنية الذكورية الأبوية للمجتمع، ودور سياسات ومؤسسات الاحتلال المختلفة في تسبب الظاهرة وتكريسها.
يحتوي المشروع على مواد تتعلق بالهوية والسياق التاريخي، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، العدوانية وقتل النساء وأدوات تربوية لبناء الوعي المطلوب لمناهضة الظاهرة.
وتوضح نداء نصّار إحدى القيمّات على هذا الدليل لـ «القدس العربي» أنه يأتي في ظل تفاقم الظاهرة الآخذة في الاتساعً في الرقعة وحِدَّةً في الوتيرة.
يشار أنه قد فاق الثمانين عدد النساء والفتيات الفلسطينيات اللاتي قُتلن في العقد الأخير. وتشير نصّار الى أن بعض جرائم قتل النساء العربيات تقع أحيانا على خلفية جنائية وسط استغلال المجرمين لـ «شرف العائلة» لتغطية دوافعهم أو تخفيف وطأة الأحكام أو الانتقادات الموجهة لهم.
ويُضاف هذا العدد المذهل لعددُ النساءِ المُهدَّدات بالقَتلِ والّلاتي يعايِشنَ الموتَ يوميًا، ومُعطياتٌ مُقلقةٌ أخرى وتغذي اتساع ظاهرة قتل النساء ومن أبرزها تأييد 55٪ من الشباب الفلسطيني في الداخل لقتل النساء لتوجهاتٍ وأسبابٍ مختلفة.
وهذا الدليل الفريد هو الدليل الثاني ضمن مشروع «شباب ونساء ضد جرائم قتل النساء» لجانب دليل خاص بمناهضة الطائفية ودليل آخر خاص بالتطوع.
وسبق الدليل الأخير «مسح احتياجات» يدرُس مواقف الشباب في ما يتعلَّق بظاهرة العنف ضد النساء وفي الأساس بقتلهن والذّي كشف عن مواضع تُشكِّل مُعالجتها وتسليط الضوء عليها أمرًا أكثرُ إلحاحًا.
وسيوفر الدليل مضامين وأدوات توضع بين يدي شرائح شبابية في ورشات ستقام في المرحلة الأولى بست بلدات(الناصرة، أم الفحم، كسيفة، الطيرة، دالية الكرمل وجسر الزرقاء). ويفترض أن تؤهل هذه الورشات مجموعات من الشباب والشابات من خلال زيادة وعيهم للظاهرة الخطيرة وليكونوا نواة قيادية تؤثر على مجتمعاتهم.
وترى نصّار أن الدليلين يشكلان مراجع مهنية معتمدة في المشروع، كخطوةً رياديةً بحُكمِ المزاوَجَةِ بين شريحتي الشباب والنساء كشرائحِ مهمَّشة مَستَبعَدَة من مواقع صُنع القرار. إضافة للمزاوجة بين العملِ التوعوي والتمكينيّ للمجموعات المُشاركة وبين العملِ الجماهيريّ والمرافعة، بهدف التأثير والتغيير محليًا وقَطريًّا، ويتم ذلك على المستويين، المُجتمعي العام ومستوى متّخذي القرار.
وتستذكر نصار أن المؤسسات الإسرائيلية جزء من المشكلة وليست من حلها فهي تتحمل جزءا من التعقيدات الاجتماعية الناجمة عن تشوش الهوية مثلما أنها لا تتدخل وتتجاهل ظاهرة قتل النساء والعنف المستشري بشكل عام.
وتتابع «هنا نتقاطع مع الأوضاع في دول عربية تراعي محاكمها القتلة عند إصدار الأحكام بحقهم عندما تكون الجريمة على خلفية ما يعرف بشرف العائلة».
أما الظاهرة فتبدو برأيها قائمة في المجتمع الفلسطيني في الضفة وغزة منوهة أن لكل مجموعة خاصيتها وإن كانت الظاهرة تبدو أقل حدة هناك.
وديع عواودة