أكراد سوريا من التجنيس إلى مأساة كوباني

حجم الخط
1

دمشق – «القدس العربي»: مطلع نيسان/أبريل 2011 أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مرسوماً يقضي بتجنيس الأكراد في شمال شرقي سوريا ممن كانوا مسجلين كأجانب في السجلات السورية، جاء المرسوم بعد أقل من أسبوعين على اندلاع احتجاجات شعبية انطلقت في محافظة درعا جنوباً. لاقى مرسوم الأسد حينها ترحيباً في الأوساط الكردية التي كانت تتذمر من استمرار الدولة في اعتماد إحصاء سكاني أُجري في العام 1962 وأقصى عشرات آلاف الأكراد معتبراً إياهم أجانب غير سوريين. وشمل المرسوم جميع الأكراد المسجلين كأجانب في محافظة الحسكة والذين يبلغ عددهم نحو 205 آلاف شخص إضافة إلى نحو 15 ألف شخص مكتومي القيد. لكن البلاد كانت تتجه شيئاً فشيئاً نحو أزمة سياسية عميقة تحولت بسرعة إلى صراع مسلح حصد أرواح أكثر من مئتي ألف شخص حتى الآن.

بين النظام والمعارضة

مع تعمق الأزمة السياسية والأمنية التي ضربت سوريا، انقسم الأكراد السوريون سياسياً بشكل لافت فمنهم مَن ذهب لجهة الحكومة السورية والنظام إلى حد التحالف معه رافضين الإحتجاجات الحاصلة ضد الحكومة. أبرز وجوه هذا الخط كانت ما تُعرف بـ «المبادرة الوطنية لأكراد سوريا» التي يتزعمها القيادي الكردي عمر أوسي والذي صار لاحقاً نائباً في البرلمان السوري. إضافة الى قدري جميل زعيم حزب «الإرادة الشعبية» حالياً الذي انخرط في الحكومة السورية كنائب لرئيس الوزراء ووزير للاقتصاد إضافة لكونه نائب في البرلمان السوري. لكن الرجل الذي كان يمارس «المعارضة الناعمة» غرّد فيما بعد خارج السرب وطار إلى موسكو في تشرين أول/أكتوبر من العام 2013 ليُقيله الرئيس السوري بشار الأسد من منصبه ويبقى في العاصمة الروسية حتى هذه اللحظة.
أطياف أخرى من الأكراد السوريين انخرطوا فيما يُعرف بـ «المعارضة الداخلية الوطنية» التي تتزعمها هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي برئاسة المعارض العجوز حسن عيد العظيم. شكل الأكراد أساساً جوهرياً في معارضة الداخل السوري لاسيما من خلال القيادي صالح المسلم والحزب الذي يتزعمه «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني» أبرز الأحزاب المنضوية في هيئة التنسيق الوطنية. لكن يبدو أن وزن صالح المسلم وحزبه الاتحاد كان أثقل من هيئة التنسيق برمتها فطغى نشاطه ومواقفه وتجاوزت الهيئة بأشواط.
الطيف الثالث من الأكراد السوريين انخرط في معارضة الخارج سواء منها «المجلس الوطني» المعارض الذي وُلد في اسطنبول، أم «الائتلاف الوطني» المعارض الذي أبصر النور في الدوحة.

إدارة ذاتية أثارت الهواجس

أواخر العام 2013 قرر اجتماع كردي في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا تأسيس ادارة مؤقتة لتسيير الأمور في المناطق الكردية ذات الصبغة العربية المسيحية المختلطة خاصة في البلدات التي انسحبت منها الدولة بمؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية إبتداء من مدينة رأس العين الى الدرباسية الى عامودة والقحطانية والجوادية والرميلان والمالكية وصولاً الى عين عرب وعفرين حيث ملأ هذا الفراغ حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردستاني» أبرز الأحزاب الكردية وجناحه العسكري المتمثل بوحدات حماية الشعب الكردي التي كانت تحارب «جبهة النصرة» ومقاتلي الجيش الحر إضافة إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش». على أن تستمر هذه الادارة المؤقتة لمدة ستة أشهر لحين إجراء انتخابات واعلان ادارة ذاتية محلية لتلك المناطق يشارك فيها المكون العربي الإسلامي والمسيحي بالإضافة الى الأكراد الى حين انتهاء الأزمة في سوريا .
وتتضمن وثيقة هذا الاجتماع تشكيل حكومة لإدارة ذاتية ديمقراطية تضم 21 وزيـرا، ولا تشمل وزارة لـلـخارجية، وتحـدد مدينة القامشلي عاصمة لهذه الإدارة. وبحسب المصادر، ستعرض المسودة على استفتاء عام في المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا، وتعتبر المسودة غرب كردستان مناطق إدارة ذاتية ضمن دولة سوريا ذات السيادة.
حينها رأى عمر أوسي رئيس المبادرة الوطنية للأكراد السوريين عضو مجلس الشعب السوري، أن هذه الخطوة لا تعتبر انفصالاً عن الدولة السورية قائلاً انه «لا يمكن الحديث عن كيان كردي مستقل أو الإنفصال عن الجغرافيا السورية، أن أكراد سوريا مكون عريق من مكونات الشعب السوري وأن المناطق الكردية تمثل الخاصرة الشمالية للوطن السوري وجزءا لا يتجزأ من الجغرافيا السورية». مؤكداً أن ما طرحه الأكراد في سوريا لا يتعدى إدارة مؤقتة لمناطقهم لحين إنتهاء الأزمة.
وأكد أن الإدارة الذاتية لتلك المناطق ليست مشروعا انفصاليا ولن تشمل الأكراد فحسب بل والأطياف الأخرى الموجودة مثل العرب والمسيحيين. وكانت بعض المصادر قد أشارت الى طرح عدد من الخبراء الأكراد مسودة دستور للإدارة المؤقتة لما يسمونه بغرب كردستان في الشمال الشرقي لسوريا.

كردستان سوريا.. الحلم الممنوع

لكن بعض السوريين توجسوا من الخطوة ملمّحين إلى أنها خطوة انفصالية. وأياً تكن تلك الخطوة انفصالية أم غير ذلك فإن التطورات الميدانية لم تسمح بأن يتجه أكراد سوريا نحو الانفصال على غرار أشقائهم على الأراضي العراقية الذين أنشأوا إقليم كردستان العراق. ذهب بعض المراقبين السوريين للحديث عن طموح كردي بإنشاء «إقليم كردستان سوريا»، لكن قدري جميل القيادي الكردي والنائب الأسبق لرئيس الحكومة السورية يقول لإذاعة «شام إف إم» قبل أن يغادر دمشق ويستقر في موسكو أن مفهوم كردستان سوريا خطر مبالغ فيه وهو احتمال صعب، مضيفاً: سوريا غير العراق، ونحن نرفض كل تشكيل مسلح كردي أو عربي ويجب الانتهاء من ظاهرة المسلحين، ويتابع: موضوعياً وجغرافياً وسكانياً لا يمكن إنشاء دولة كما يشاع، لأن الحلم القومي موجود ومشروع في تركيا وفي المناطق ذات التجمعات السكانية الكردية واضحة المعالم جغرافياً، ومعظم الأحزاب الكردية لا تطرح أكثر من سقف الحدود الثقافية والمدنية، بمن فيهم حزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي بالجوهر، وهو لديه مشروع في المنطقة هو وحدة شعوب الشرق «الأكراد والـــعــرب والأتراك والفرس» أي ليس من أجل التقسيم بل التوحيد من أجل حل جميع المشاكل بين هذه الشعوب.

كوباني «عين العرب» مأساة جديدة

إذاً، أبرز الأحزاب الكردية الـفـــاعلة على الأرض سياسياً وميــدانياً همـا حـــزب «الاتــحــاد الديمـقـراطي الـكـردســــتـاني» (pyd) و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» (kdp) يبدو الأخير مقرباً جداً من قيادة إقليم كردستان العراق ويُظهر ولاء منقطع النظير لزعيم الإقليم مسعود البارزاني. العلاقة بين الحزبين الرئيسيين متوترة للغاية لا بل إن الحزب الديمقراطي وجّه انتقادات حادة لنظيره حزب الاتحاد متهماً إياه بممارسة اعتقالات لناشطين وإعلاميين كرد. يقول نوري بريمو، عضو اللجنة المركزية للحزب «الديمقراطي الكردستاني» أن حزب الاتحاد الديمقراطي (ب.ي.د) يمنع كافة الأحزاب في غرب كردستان (المقصود هنا هو الشطر السوري من الوجود الكردي)، في حين هو لا يستطيع الدفاع عن غرب كردستان، ولا يسمح لأي طرف بمشاركته والتعاون معه، نحن في الحزب «الديمقراطي الكردستاني» نمتلك قواتٍ مسلحة مستعدة للدفاع عن غرب كردستان، لكن اذا اتخذنا قرارا سياسيا بذلك، سندخل في حرب أهلية، الـ(ب.ي.ك) تريد قتلنا وليس مشاركتنا، هي تطلب التعاون لكي نحارب تحت رايتها، وهذا لا يجوز».
اشتعل هذا الخلاف وتعمّق على خلفية اقتحام تنظيم «داعش» واستيلاء مقاتليه على عشرات القرى والبلدات الكردية شمال غرب سوريا بريف محافظة حلب ومحاصرتهم لكبرى المدن الكردية هناك وهي عين العرب المعروفة باسم «كوباني». ريف كوباني تعرض خلال الأيام الأخيرة لهجمات تنظيم «داعش» الذي سيطر على أكثر من 80 قرية في شرق وغرب مدينة كوباني، وأدى إلى حملة نزوح قرابة الـ (200) ألف من المدنيين في مناطق ريف كوباني الى مركز المدينة وباتجاه الحدود التركية.
أمام هذا الوضع لم يجد صالح المسلم أمامه سوى الاستنجاد بطلب الدعم العسكري الغربي، وقال في حديث لصحيفة (Die Presse) النمساوية: الآن يهاجم «داعش» مستخدما الأسلحة الثقيلة من مدفعية ودبابات. نحن لا نملك أسلحة ثقيلة للرد، وبشكل خاص مضادات الدروع. كوباني محاصرة الآن بأكثر من 50 دبابة حديثة ومدفع ثقيل. وهذه كلها تستخدم في الهجوم علينا. المجتمع الدولي مطالب بدعمنا بالأسلحة الثقيلة لكي نتمكن من إعطاب هذه الآليات والحيلولة دون استخدامها من قبل «داعش» لشن هجمات علينا. نحن لدينا شباب كثير يريدون القتال حتى النهاية، ولكن لدينا نقص في الأسلحة الثقيلة الفعالة والأمور التكنولوجية الأخرى.

لماذا تحب أمريكا كُرد العراق

وليس كُرد سوريا؟

تحت عنوان «لماذا تحب أمريكا كُرد العراق وليس كُرد سوريا؟» يتسائل الكاتب الأمريكي غريغ ماير في مقال له بموقع «ناشيونال بابليك» الأمريكي عن الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة تتلكأ في دعم المُقاتلين الكُرد في سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية وإقامة تحالف معهم في ظل حرب تقودها مع المجتمع الدولي ضد التنظيم الدولة الإسلامية. ويُضيف ماير: «في العراق المُقاتلون الكُرد الذين يُحاربون تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية هم حلفاء أساسيون للأمريكيين، وفي سوريا مُقاتلون كُرد يُحاربون نفس التنظيم يتم إعتبارهم جزءا من فصيل إرهابي بحسب حكومة الولايات المُتحدة. فلماذا يحدث هذا؟».
يتابع ماير: تقول الولايات المُتحدة بأنها سوف تقوم بتدريب الثوار السوريين «المعتدلين» وهي عملية قد تستغرق عاما لتجهيز 5 آلاف مُقاتل . لكن الولايات المُتحدة لم تعط إشارة حتى الآن بأنها مُستعدة للعمل مع المُقاتلين الكُرد في سوريا والذين يحاربون تنظيم الدولة الإسلامية.

كامل صقر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية