بريطانيا بين طموح كوربن في ثورة اشتراكية وسعي جونسون للخروج من أوروبا

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

اللعب خارج الملعب هزيمة، والتصويب خارج المرمى مضيعة للوقت. لكن كلا من الطرفين الكبيرين في الانتخابات البريطانية، المحافظين والعمال، متمسك بأن يجري سباق الانتخابات المقبلة على ملعبه. المحافظون اختاروا ملعب الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أو بريكست، بينما اختار حزب العمال ملعب بناء مجتمع عادل ينحاز للأغلبية. الأحزاب الأخرى انقسمت بين الملعبين، وإن كان الموقف من الاتحاد الأوروبي هو الأكثر إلحاحا بالنسبة للناخبين، لأنه السبب الرئيسي وراء انقسام البلاد، والمحرك الرئيسي للدعوة لإجراء انتخابات عامة، في هذا التوقيت الصعب، وأنه المخرج الأقرب لإنهاء حال الغموض والقلق وعدم اليقين الذي يسيطر على البلاد منذ أكثر من 3 سنوات.

ومع أن كل واحد من الحزبين، يرى أن السباق إلى 10 داوننغ ستريت يجب أن يجري على ملعبه هو، فإن فوز أي منهما، يتوقف على انحيازات الناخبين، الذين بإمكانهم تقديم مفاتيح داوننغ ستريت للفائز، وحرمان المهزوم منها. وعلى الرغم من وجود تيارات مختلفة بين الناخبين أنفسهم، إلا أن مستوى الوعي السياسي العام، يسمح لنا بالقول إن الناخب البريطاني سيقدم مفاتيح دواننغ ستريت للفائز على أسس موضوعية إلى حد كبير. ويبدو من مطالعة نتائج استطلاعات الرأي العام، أن بوريس جونسون أو جيريمي كوربن، لن يتمكنا من الفوز إلا بعد اجتياز ثلاثة اختبارات رئيسية، الأول هو اختبار الثقة، والثاني هو اختبار الأولويات، والثالث هو اختبار الإيديولوجية. هذه الاختبارات الثلاثة ليست سهلة، لأن كلا من الحزبين الكبيرين يعاني من نقص فيها أمام الناخبين.

 

اختبار الثقة

 

يعاني كل من جونسون وكوربن من عجز في ميزان ثقة الناخبين. فزعيم حزب المحافظين بدأ حملته الانتخابية وهو ينزف بسبب وعود قطعها على نفسه ولم يحققها، مثل الوعد بالخروج من الاتحاد الأوروبي في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي مهما كان الثمن، ولم يتحقق. كذلك فقد اكتشف الناخبون أن جونسون لا يدرك طبيعة بعض تفاصيل اتفاقه مع الاتحاد الأوروبي، مثل المنطقة الجمركية لأيرلندا الشمالية. الأسوأ أنه وقع في أخطاء في الأسبوع الأول من حملته الانتخابية، مثل التصريح علنا بأن رفع حد الإعفاء من سداد التأمينات الاجتماعية سيزيد الدخل القابل للإنفاق، لمحدودي الدخل بقيمة 500 جنيه استرليني سنويا، وهو ما تحداه فيه معهد السياسات المالية، بالتأكيد على أن الزيادة في الدخل ستكون في حدود 85 جنيها فقط في السنة. مثل هذه التصريحات أدت إلى انتشار تعليقات تسخر من جونسون، ومن حزب المحافظين، بما يكرس الشعور بعدم الثقة السياسية. ولكي يرد حزب المحافظين على ذلك، فقد لجأ إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومنها غوغل، لنشر أخبار كاذبة تماما عن حزب العمال. ومن سوء حظ المحافظين، أن نشر هذه الأخبار الكاذبة، جاء عليهم بردود فعل عكسية، من خلال منصات التواصل الاجتماعي والمؤسسات الإعلامية.

جيرمي كوربن زعيم حزب العمال يعاني هو الآخر من عجز في ميزان الثقة السياسية، فهو خسر الانتخابات السابقة عام 2017 ببرنامج يشبه كثيرا البرنامج الانتخابي الحالي، وإن كان أقل منه راديكالية، وهو يخشى الإعلان عن موقفه من المسألة الرئيسية للانتخابات الحالية، وهي الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو متردد داخل حزبه، يحيط نفسه بمجموعة من ذوي الاتجاه اليساري، وهو يعتبر نفسه في حالة حرب مع النظام الرأسمالي القائم، ما يجعل جماعات كبيرة من أصحاب المصالح والشركات والأفراد يميلون إلى عدم الثقة في سياساته على أساس أنها نابعة من موقف أيديولوجي. كل من زعيمي الحزبين، يعاني من نقص ثقة الناخبين، لأسباب مختلفة. ومن المرجح أن تسمح الإسابيع الثلاثة المقبلة لهما بمحاولة اجتياز اختبار الثقة. من سيفوز فيه، سيمتلك المفتاح الأول لدخول 10 داوننغ ستريت في لندن.

اختبار الأولويات

 

بوريس جونسون زعيم حزب المحافظين، الذي يحلم بهزيمة أوروبا والانفصال عنها، وإقامة تحالف أوسع مع الولايات المتحدة، لا يجد صعوبة في إقناع مؤيديه وقطاعات مختلفة من الرأي العام، بأن بريكست أو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي هو موضوع السباق، وهو الأولوية المقدمة على غيرها في السياسة البريطانية حاليا. وبسبب انقسام العمال بين تيارين، واحد مؤيد للانفصال، والثاني مؤيد للبقاء، فإن جونسون يستخدم بريكست منصة للهجوم على خصومه وتعرية قيادة حزب العمال المترددة بين الخيارين. إذا نجح جونسون في إقناع أغلبية الناخبين، بأن الملعب هو بريكست، وأن المرمى هو الخروج العاجل من الاتحاد الأوروبي، بالاتفاق المتاح الآن، فسيفوز المحافظون بالأغلبية. أما إذا فشل، فستكون النتيجة هي إما فوز العمال، وإما تشكيل برلمان عاجز، لا يحظى فيه طرف بأغلبية لتشكيل حكومة بمفرده.

ما يضعف الحملة الانتخابية للعمال أيضا، هو أن قيادة الحزب تقترح مسارا بطيئا لاتخاذ قرار نهائي، يتضمن إعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي حتى يتم التوصل إلى اتفاق، ثم عرض الاتفاق الجديد على مؤتمر طارئ للحزب، ثم طرحه للتصويت في استفتاء عام، للإختيار بين الخروج، أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، ثم عرضه بعد كل ذلك على مجلس العموم لإصداره كقانون. هذا مسار كارثي في نظر البعض، لأنه يتجاهل نتيجة استفتاء 2016 بالانفصال، ويعيد المباراة من بدايتها إلى ساحات التفاوض والتصويت الانقسامي. في مقابل ذلك يؤكد جونسون أن اتفاق الخروج موجود، وأنه يستطيع إبرام اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي بحول نهاية العام 2020 وبذلك يتم حسم علاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، لتتفرغ لإعادة بناء نفسها، وإطلاق طاقاتها، وإقامة تحالفات جديدة حول العالم، أهمها تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة.

اختبار الأيديولوجية

 

زعيم حزب العمال جيريمي كوربن، يرى نفسه مؤهلا لقيادة ثورة اشتراكية في القرن الواحد والعشرين عن طريق صندوق الانتخابات. وقد استطاع فعلا، عندما قدم برنامجه الانتخابي، أن يحول الأنظار عن بريكست، وأن يشغل الناخبين بقضايا الفقر والتفاوت، وضرورة بناء مجتمع جديد ذي طابع اشتراكي، تقوم فيه الدولة بدور أكبر في قطاعات الاقتصاد، خصوصا في مجالات الاحتكارات الطبيعية مثل الاتصالات، والسكك الحديد، والكهرباء، والمياه، والبريد. كوربن لم يخفِ الطابع الاشتراكي لبرنامجه، وان كان قد وصفه بأنه يهدف لإقامة “اقتصاد سوق ديناميكي” وهو وصف جديد لاقتصاد السوق، لم تستخدمه الأحزاب الاشتراكية من قبل. وعلى هذا الأساس.

وبدون الدخول في تفاصيل البرنامج الانتخابي للعمال أو للمحافظين، يمكن القول إن قضية العدالة الاقتصادية والاجتماعية هي بحق قضية القرن الواحد والعشرين في العالم كله، وليس في بريطانيا وحدها، وليس في الدول الصناعية المتقدمة فقط، وإنما في الدول النامية أيضا. لكن الانتخابات البريطانية لا تجري على أرضية قضية عامة، وإنما على أرضية قضية شديدة الإلحاح، فشلت الحكومة والبرلمان في حلها على مدى السنوات الماضية، مما تسبب في تعطيل المصالح، وزيادة حدة القلق على المستقبل. قضية العدالة الاقتصادية والاجتماعية مهمة نعم، لكن قضية الانفصال عن الاتحاد الأوروبي هي القضية الأهم من حيث التوقيت في نظر الكثيرين حسب استطلاعات الراي العام. المشكلة هنا هي أن التركيز على الدافع الايديولوجي وراء برنامج حزب العمال، من شأنه أن يبعد قطاعات كبيرة من الناخبين عن التصويت للحزب، خصوصا وأن بعض السياسات الواردة في البرنامج تصطدم بمصالح جماعات قوية في قطاعات مثل التعليم والنقل والاتصالات، ولا تضمن للمستفيدين الحصول على الخدمات الأفضل التي يبشر بها العمال.

العمال والمحافظون يتفقون هذه المرة، على أهمية علاج آثار سياسة التقشف التي اتبعتها حكومات المحافظين خلال السنوات العشر الأخيرة. وتتضمن السياسات المقترحة، زيادة الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والإسكان والأمن العام. ويتفق الحزبان على تمويل هذه الزيادة عن طريق الاقتراض، على اعتبار ان المستوى المنخفض حاليا لأسعار الفائدة لن يتسبب في تحميل الاقتصاد أعباء ثقيلة. مبدأ الاقتراض لتمويل النفقات العامة ليس جديدا على العمال، لكنه جديد بالنسبة للمحافظين، الذين قادوا سياسات تقشفية شديدة الوطأة، أدت إلى تراجع حاد في مستويات أداء الخدمات العامة. الخلاف بين الحزبين، يتمثل في أن العمال سيضعون الأموال المقترضة في أيدي الدولة، لاستخدامها في إعادة تأميم الخدمات الأساسية ذات الطابع الاحتكاري، التي كانت قد بيعت للقطاع الخاص بواسطة مارغريت ثاتشر في ثمانينيات القرن الماضي، بينما في سياسة المحافظين سيذهب أولا إلى القطاع الخاص.

اجتياز اختبار الايديولوجية سيكون حاسما بالنسبة لحزب العمال، لكن خطورته أقل على المحافظين، نظرا لوجود حزب يقف على يمينهم هو “حزب بريكست” الذي يقوده نايجل فاراج. خطورة اختبار الايديولوجية أنه يغذي الاختبارين الآخرين. لكن النتيجة النهائية ستتوقف على الفوز في الاختبارات الثلاثة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية