تسيبي لفني اشتكت في نهاية الاسبوع الماضي أمام الدبلوماسيين الاجانب بأن اسرائيل قامت من ناحيتها بتفكيك كل المستوطنات وانسحبت من القطاع، إلا أن الفلسطينيين يردون عليها بوابل من صواريخ القسام. بالفعل لا يتصرفون بهذه الطريقة. ماذا تريد أن تقول؟
أولم تعلم وزيرة الخارجية ومعلمها ورمزها ارييل شارون بأن ناشطي حماس ليسوا اشخاصا لطيفين؟ هل اعتقدوا أن خالد مشعل ومحمود الزهار سيرسلان لهم الورود؟ من الصعب التقرير ما هو الشيء الأشد خطورة: أنهما لم يأخذا في الحسبان امكانية أن يؤدي فك الارتباط من دون اتفاق الي زيادة التهديدات علي المناطق السكانية جنوب وغرب النقب كما كان قد حدث علي الحدود الشمالية بعد الانسحاب من لبنان من دون اتفاق مع السوريين، أو قيامهم بالانسحاب من قطاع غزة رغم ادراكهم انه سيسقط مثل ثمرة ناضجة في يد حماس. وزيرة الخارجية أعطت الجواب بنفسها منذ مدة من الزمن. في مقابلة تلفزيونية في الولايات المتحدة اعترفت بأن الخروج من غزة باتفاق أفضل من رمي المفاتيح في الشارع. الشارع هو بالطبع حركة حماس التي ترفع شعار المقاومة انتصرت علي الاتفاقات. العمل الأفضل الذي قام به اولمرت منذ دخوله في حذاء شارون هو التنكر لوعده الانتخابي الأكبر: السير علي نهج شارون. لم يعد هناك أثر لخطة الانطواء أو للنهج أحادي الجانب. سياسة اللاشريك أخلت مكانها لمغازلة القادة العرب المعتدلين والحنين لـ عملية السلام.
مقاومة الضغوط الممارسة لاحتلال القطاع تشير الي أن اولمرت لا يسير بأعين مغمضة علي درب شارون. هو يمتنع في الوقت الحالي عن نقل عملية السور الواقي، التي أعادت الجيش الاسرائيلي الي الضفة، الي القطاع، وربما استوعب العبرة الغضة من حرب لبنان الثانية: ان المس الشديد بالمدنيين العرب يوحّد الصفوف في العالم الاسلامي ضد العدو الاسرائيلي و شركائه في المعسكر العربي البراغماتي.
كالعادة، سيخدم هذا الامر التيار الراديكالي في حماس الذي لا تروق له الشراكة القائمة بين هنية وعباس، وسيعمل علي تخريب خطة دايتون (التي ترمي الي تعزيز قوة فتح) وسيتحفظ من مبادرة السلام العربية. الوسيلة لاعادة ترميم ما أبقاه شارون من الشريك تلزم اذا استخداما محدودا وحذرا للقوة ضد خلايا حماس، وفي نفس الوقت التقاط المفتاح من الشارع وتسليمه الي العنوان الصحيح. من الممكن القيام بذلك من خلال الاستجابة لطلب أبو مازن بتوسيع وقف اطلاق النار ليشمل الضفة، وتوجيه الأوامر للجيش الاسرائيلي للاكتفاء بضرب القنابل المتكتكة من خلال التنسيق السري مع اجهزة أمن السلطة. ولماذا لا تطبق الحكومة تسهيلات خطة دايتون علي كل المناطق مُبرهنة للسكان علي أن المعسكر المعتدل وحده هو القادر علي اعادة الأمل لهم؟.
هذه الخطوات الصغيرة والهامة أمام الشريك الفلسطيني ضرورية، ولكنها تكفي في أحسن الاحوال للمراوحة المؤقتة في المكان. الخروج الي طريق جديد يلزم اسرائيل بالسير خطوة كبيرة الي الأمام علي المسار الذي رسمته مبادرة السلام العربية. فتح قناة مع دمشق (علنية أو سرية) تلتزم اسرائيل من خلالها بأن لا تتخلف التسوية في الجولان وراء التسوية مع الفلسطينيين، لا يُهدئ الجبهة الشمالية فقط، بل ويؤثر علي الجبهة الجنوبية عبر التأثير علي خالد مشعل أكثر من تأثير هجمات سلاح الجو علي مختبرات السلاح في القطاع. المصادمات العنيفة مع فتح في الشوارع ليست إلا عودة شاملة من قبل حماس قُبيل المجابهة الكبري التي تتوقعها في حزيران (يونيو) – تموز (يوليو) القادمين. محاولة التزاوج بين حركة دينية لا تسمح ايديولوجيتها بالاعتراف بالدولة اليهودية وبين حركة وطنية علمانية استوعبت قصور القوة، لم تنجح. الفلسطينيون سيحصلون إن آجلا أو عاجلا (سواء عبر الرصاص أو صناديق الاقتراع) علي فرصة ثانية لاختيار أحد النهجين. وكذلك الحال مع الاسرائيليين.
تسيبي لفنيوزيرة الخارجية الاسرائيلية(هآرتس) ـ 24/5/2007