سنـة موت ريكاردو رييس لخوسيه ساراماغـو (1 من 2):
التخييـل يعيد ترتيب اللقاء بين الشاعر وندّه.. وروح سجالية يحتضنها السرد تعيد النظر في يوتوبيا العالمعندما قال بيسوا إن القراءة هي دائما الامتياز الوحيد الذي نفتقده.. داعيا رييس إلي تذكر هذا الكلام بقوة سنـة موت ريكاردو رييس لخوسيه ساراماغـو (1 من 2):إدريـــس الخضراويہيحظي الكاتب خوسيه ساراماغو، بشهرة واسعة ضمن المجالين الأدبيين: البرتغالي والعالمي، إذ حصل علي جوائز عديدة ذات أهمية كبيرة، علي أعماله الروائية المميزة ومنها: أرض الخطيئة، وهي روايته الأولي، ووجيز الرسم والخط، والإنجيل بحسب يسوع المسيح، والعمي، وكل الأسماء… ولد ساراماغو سنة 1922، وقد دخل عالم الكتابة متأخرا، إذ أن روايته الأولي التي صدرت سنة 1947، وكذلك ديوانه الشعري 1966 لم يثيرا أي رد فعل في الأوساط النقدية آنذاك، حيث استقبلا بقليل من الاهتمام بخلاف أعماله الأخري وفي طليعتها: الإله مانشو 1982 والتي مثلت في منظور الكثير من النقاد بداية لمسيرته الأدبية المتألقة التي ستتوج بجائزة نوبل للآداب سنة 1998. وبالرغم مما يميز الأعمال الروائية لخوسيه ساراماغو من تدفق وتفجر، وطاقة تخييلية عميقة تنشر ظلالها علي كل الوقائع التي تسردها، بكل ما تولده من إحساس بالدهشة وعدم اليقين، فضلا عن قدرته علي تشخيص تفاصيل اليومي واقتناص أنغامه المتنافرة، فإن القارئ لا يمكن أن يخطئ ذلك الحضور المميز للأفكار التي تمثل دليلا بالنسبة لهذا الكاتب في الحياة، فأعماله ملتزمة بالدفاع عن فكرة الإنسان وشرطه التاريخي، وهي من هذه الناحية تجعل من الصعب علي القارئ ـ أكثر من أي تجربة أخري ـ الإمساك بأبعادها الدلالية والرمزية من دون استحضار شخصية المؤلف، لأن خوسيه ساراماغو هو من بين الكتاب الذين لا يتصورون تصنيفات الأجناس الأدبية مبررا لعزل شخصية المؤلف أو إقامة مسافة بينه وبين نصه، إذ الكاتب لا يحكي في الواقع سوي قصته، التي تنبع من ذاكرته بكل ما يعتريها من ملامح الضعف والهشاشة أو النسبية واللايقين. لذلك أثارت نصوصه الروائية ردود فعل متنوعة خصوصا وأنها لا تهادن اليقينيات المزعومة والأفكار المتحجرة، ولا تتورع عن صهر التاريخي بالخيالي والاستعانة بالحلم والتذكر من أجل التأثير علي القارئ ودفعه إلي الارتياب في ما قد يبدو للوهلة الأولي مكتملا أو نهائيا. إن أعمال ساراماغو التي كثيرا ما وقف النقاد عند قدرتها الفائقة علي احتضان أنماط تعبيرية متنوعة: عالمة وشعبية، وعلي ترجمة مرارة الوجود الإنساني التي لا تستوعب، وتحويل المشاعر والأحاسيس العميقة إلي كلمات منبورة وضاغطة ومفعمة بالشاعرية، إن كل ذلك ليجعل منه كاتبا متفردا وخارج المعايير السائدة أو المألوفة. وإذا كان النقاد قد أشاروا من خلال المقارنة إلي تلك الإيحاءات التي تثيرها رواية : سنة موت ريكاردو رييس لدي من قرأ جيمس جويس أو كافكا أو أنطونيو فييرا، فإن ما يميز ساراماغو في النصوص التي كتبها، هو تلك الروح السجالية التي يحتضنها السرد، وكأنها مسكونة بإعادة النظر في يوتوبيات الحضارة المعاصرة وكشف نسبية حقائقها عبر التخييل. وهو من هذه الناحية أبعد من أن يغطي علي أهميته، ذلك الحضور المكثف لـ فيرناندو بيسوا ضمن الأدب البرتغالي الحديث. إن قراءة خوسيه سراماغو تفضي من جديد إلي أن هذا الكاتب ليس مجرد مريد مخلص لـ بيسوا. فبالرغم من أنه شيد هذه الرواية انطلاقا من تخييل يستند إلي أحد أنداده، فإن هذا العمل يطفح بالكثير من خصائص الفرادة، التي يعبر عنها الجهد المبذول من طرف الكاتب بغية إنتاج نص مغاير يفصح عن فلسفته ورؤيته لما يجري حول العالم. 1ـ تقديــم الرواية تكتسب رواية سنة موت ريكاردو رييس التي سنحاورها في هذه المقالة، أهميتها من عدة قضايا وأسئلة تتناولها، عبر متخيل خصب وواسع، يستثمر الكثير من الإمكانات السردية والخطابية، لطرح إشكالية الهوية وتعقيداتها من خلال شكل روائي تتفاعل فيه أصوات مختلفة تمثل مزيجا من الأذواق والاهتمامات والتصورات التي يصعب إحداث تقاطع بينها. وخوسيه ساراماغو الذي يتمرد في هذه الرواية علي أدوات الترقيم أملا في تشخيص الوقائع وكذا المواقف والمشاعر التي تثيرها بشكل متآين، يبدو مأخوذا بالبحث عن كتابة يدرك أنها مستحيلة ولكنه لا يتخلف عن محاولة الذهاب إليها. وبالإضافة إلي ذلك، فإن رواية سنة موت ريكاردو رييس هي عمل أدبي يستعصي علي التصنيف، من حيث قربه من السيرة، إذا ما نظرنا إليه انطلاقا من تحديد فيليب لوجون للميثاق السيرذاتي، رغم المسافة التي يوحي بها النص بين الكاتب والسارد والبطل، وابتعاده عنها باتجاه الرواية، إذا ما فكرنا في متنها الحكائي والذي يتخذ من تجربة ريكاردو رييس، أحد أنداد بيسوا، مادة للسرد تتقاطع مع الواقع البرتغالي سياسيا وتاريخيا وجماليا، الشيء الذي يضعها في عمق التخييل الروائي، ويجنبها السقوط في المحاكاة المباشرة والتطابق الآلي مع واقع يوجد خارجها.يطالعنا في مقدمة أصوات هذه الرواية ريكاردو رييس بطلها. وهو طبيب وشاعر، يصدر عن ثقافة غنية وواسعة، ملم بالفن والأدب والسياسة، وهو فضلا عن كل ذلك إنسان باطني مفعم بروح المغامرة والذهاب بالأسئلة إلي حدودها القصوي كما تعبر عن ذلك أحدث أوراقه التي يشير إليها المحكي والمؤرخة بـ 1935 والتي يقول فيهـا : تسكننا كائنات عديدة. وسواء أحسست أو فًكّرتُ فإنني أجهل من هذا الذي يُفكر أو يُحس. إنني فقط المسرح الذي يدور فيه هذا الإحساس والتفكير. فإذا لم أكن غير هذا، فَكّرَ ريكارديو رييس بعد أن قرأ الأوراق، فمن يا تُري الآن بصدد التفكير في ما أُفكر فيه، أو يُفكر فيما أنا بصدد التفكير في مسرح فكري… من أنا إذن، بين هذه الكائنات التي تسكنني والتي لا تحصي . (الرواية، ص: 26) . كما أن ريكاردو رييس معروف في الأوساط النقدية والأدبية بكونه واحدا من أنداد (ronymes) الشاعر البرتغالي الذائع الصيت فرناندو بيسوا، كما هو الشأن بالنسبة لـ الفارو دي كامويس، وروبيرتو كاييرو. والرواية وهي تستحضر هؤلاء الأنداد الذين وقّع بيسوا باسمهم الكثير من أعماله، إنما توجه القارئ إلي البحث عن هذا المعني المرغوب الهارب ضوؤه باستمرار، منذ الصفحات الأولي للرواية حيث تستهل بمقاطع منسوبة لكل من: ريكاردو رييس وبيرناردو سواريس وفيرناندو بيسوا. وهي مقاطع تشتغل بوصفها شاهدا استهلاليا (pigraphe). وإذا كانت هذه الشواهد تشغل حيزا منعزلا عن النص فإنها ليست بمنأي عما يقوله أو يسكت عنه، فهي تمثل روح النص وجوهر وظيفتيه الخطابية والإيديولوجية، ولذلك يلجأ الكاتب إليها بدافع تأكيد أفكار أو صور يتضمنها النص، أو يتقصد إلي تقريبها من وعي القارئ. من هذا المنطلق نجد هذه الاستهلالات تضاعف من ظلال الشك الملقاة حول هوية المؤلف من جهة والبطل المركزي من جهة ثانية، بحيث لا يسلم القارئ من ذلك الانطباع الذي يغدو بمقتضاه عنوان هذه الرواية مضللا ولا يقل لغزية عن متنها الحكائي وأكثر ارتباطا بفيرناندو بيسوا منه بريكاردو رييس، خصوصا وأن هذه الشخصيات تتراءي في مرآة بعضها البعض، رغم ما يوهم به التخييل أحيانا من وجود مسافة تفصل بينها.عودة ريكاردو الي لشبونةتقدم لنا الرواية منذ البداية بعض المعلومات المتعلقة بريكاردو رييس والتي يمكن أن تساعد القارئ علي لملمة التفاصيل المتشعبة للحكاية التي يتداخل فيها الواقعي بالخيالي والأسطوري بالحقيقي والسيرذاتي بالروائي، بشكل يجعل منها نوعا من المتاهة التي تذكر بأعمال الكاتب الأرجنتيني بورخيس. لقد قضي رييس مدة طويلة منفيا بمدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل. إذ غادر وطنه البرتغال منذ 1919، وهي السنة التي تم فيها تثبيت الملكية بالشمال، لكنه هذه المرة قرر العودة إليه بعد غيبة طويلة دامت ست عشرة سنة، وبالتحديد إلي مدينة لشبونة منطلق الحركات الاستكشافية التي شهدها البرتغال، ليقيم بإحدي فنادقها، ويتعلق الأمر، بأوتيل براكانسا، بالغرفة رقم 201. وإذا انطلقنا من بعض المؤشرات الزمنية التي تشير إليها الرواية أو تستحضرها كوقائع تاريخية، مثل السنة التي نفي فيها، والسنوات التي قضاها بالبرازيل، فضلا عن تاريخ الحرب الإسبانية، والإشارة الصادرة من ريكاردو رييس إلي السنة التي توفي فيها فيرناندو بيسوا، نستطيع أن نحدد سنة العودة بكونها تمت في حدود 1935، وهي الفترة التي تميزت سياسيا بوصول سالازار إلي السلطة، وتأسيسه للدولة الحديثة بجهازها الأمني الحريص علي مراقبة الناس. لقد عاد ريكاردو رييس إلي لشبونة علي متن سفينة عسكرية اسمهـا (Highland Brigade) كانت تحمل مسافرين من جنسيات مختلفة : إسبانيين وبرتغاليين وبريطانيين وفرنسيين. وعندما وصلوا إلي لشبونة، ورست السفينة في المرفأ أخافهم منظر المدينة حيث بدت لهم شاحبة غارقة في صمت قاتل كما لو أن كل من فيها قد قضوا من شدة المطر المتواصل الهطول والذي لم يتوقف مدة شهرين متتاليين. وكان رجال الجمارك يخضعون المسافرين لتقصيات دقيقة، في قاعة ضيقة وشاحبة تنم عن صورة غير مرضية عن خارجها، خصوصا وأن مصابيحها القليلة كانت تضيء باحتشام، بل إن بعضها كانت محترقة ومر عليها أسبوع دون أن تُبدل. (الرواية، ص: 18) ومثل كل المسافرين الذين كان يسكنهم هذا الشعور بالقلق، لم يخف رييس امتعاضه الشديد من التغيرات التي بدت علي المدينة، حيث حملها في شكل أسئلة إلي سائق التاكسي الذي أقله من الميناء باتجاه الأوتيل. وهو ما يعني أن الرحلة التي أنجزتها شخصيات هذه الرواية تمثل قراءة فاحصة للتاريخ البرتغالي تكشف عن معناها الذي يتخلق من رحم المحتمل والمتعدد ومن حاضر يخضع للاستبصار من كل جوانبه.وبموازاة مع الوصف الذي يعرض من خلاله الكاتب كل المشاعر المتولدة عبر هذه الرحلة، نجد السارد بوصفه ناظما خارجيا وداخليا يغوص في نفسية ريكاردو رييس ليلتقط ملامح مختلفة وأحاسيس متضاربة تنتابه وهو يدلف إلي الغرفة التي سيقيم بها مدة من الوقت، لعله بذلك يقرب القارئ من الجرح الخفي الذي ظل رييس يحمله طيلة منفاه، وها هو يحمله من جديد في رحلة عودة لا يدري إلي أي متاهات سوف تنحدر به، خصوصا وأن التغيرات التي لفت انتباهه إليها سائق التاكسي لم تكن تبدو له ذات أهمية كبيرة. لذلك عندما دخل إليها أول مرة تأمل فيها جيدا: هذه هي الغرفة التي سيقيم فيها. كم من الوقت. هو لا يعرف ذلك. قد يكتري منزلا، وقد يفتح عيادة وقد يعود إلي البرازيل. ما يهم أن موقع الغرفة يجعل الأفق في متناوله : حيطان عالية وأبنية مختلفة وأصوات تخترق أذنه قادمة من ممرات الأوتيل، والهواء المبلل بالريح والذي كنس النهر وراح ينتشر داخل الغرفة، يذكره برائحة ملابس قديمة ومنسية، غير أن الأمر لم يزعجه، فالأوتيل ليس هو المنزل علي كل حال، وهذه الرائحة دليل علي إنسانيتنا . (الرواية، ص: 24) والواقع أن هذه الملامح الحزينة التي رآها رييس مرسومة علي وجوه الناس وعلي بنايات المدينة، كانت أيضا تمثل القاسم المشترك بين أخبار كل الجرائد الوطنية الشاحبة، بحسب وصفه، التي اطلع عليها تلك الليلة والليلة التي تلتها. ولقد أغراه ذلك الصالون الواسع، بكراسيه الجلدية المريحة بالجلوس في الجانب المقابل لتلك المرآة العريضة التي كان ينعكس علي صفحتها ذلك التصميم المعماري الهائل بأبعاده الثلاثة : الطول والعرض والارتفاع. وقد بدا له ذلك مدهشا، قريبا وبعيدا في الآن نفسه وهو يتأمل بعمق تلك الذوات المرهقة التي تسكنه بالداخل. (الرواية، ص: 34) كانت الأخبار التي تحملها تلك الجرائد متنوعة : أنشطة رئيس الدولة وزحف القوات العسكرية الإيطالية والصراع في أثيوبيا والأطفال الذين انتهكت براءتهم فصاروا لصوصا أو مجرمين أو مشردين، وخبر النجمة البرازيلية التي تحيي حفلا بالبرتغال،وأسف كيف أنه لم يشاهدها عندما كان هناك. غير أن الخبر الذي أثاره اليوم الذي تلا وصوله عندما اتجه صوب هيئة التحرير، حيث كان قد سجل عنوان الدار البارحة، هو الموت المفاجئ للشاعر فيرناندو بيسوا بمستشفي سان لويس. وبالنسبة لـ ريكاردو رييس فإن دار هيئة التحرير هي المكان المفضل الذي يمكن أن يقصده كل من هو معني بأحداث العالم التي مضت. كل البصمات لا تزال محفوظة ومتبقية : أغصان مكسورة، أوراق ملبدة، رسائل وأخبار.. هذا كل ما تبقي من العالم أما الجزء الآخر المتبقي فهو من وحي الخيال الذي لولاه لما أمكن لهذا العالم أن يستعيد صورة، نظرة، ابتسامة، أو ألما مبرحا. (الرواية، ص35). هكذا يتوسط السارد لنقل ما تناهي إلي علم ريكاردو رييس وهو يتجول في شوارع المدينة، إذ لا حديث إلا عن الطوفان والخراب وتعليقات الجرائد التي أجمعت علي فداحة الحدث، خصوصا وأن بيسوا بأعماله الإبداعية المميزة وبأنداده الذين غدوا أكثر واقعية منه، يمثل غيابه في هذه اللحظة خسارة كبيرة. أما ريكاردو رييس فيستغل الفرصة للرد علي من يرتابون في وجوده داعيا إياهم إلي زيارة أوتيل براكانسا حيث يقيم والاستفسار من صاحبه عما إذا كان السيد الدكتور ريكاردو رييس يقيم بالفعل.. آنذاك سوف يتخلصون من وسواس الشك وسوف يتأكدون من حقيقة وجوده. لم يتخلف رييس عن زيارة المقبرة التي ووري فيها جثمان الشاعر بيسوا. معتقدا أنه سيرقد هناك حتي النهاية التي سيقرر فيها الله بعث هؤلاء الشعراء من نومهم المؤقت. (الرواية، ص 38). هذه المادة الخام التي يصهرها خوسيه ساراماغو في بناء روائي ينم عن كفاية تخييلية واضحة، وعن قدرة تكلمية بارعة هي التي تكشف حرية القول الروائي الذي عندما ينزع إلي المتبدل والمتنوع إنما يصرح بمعاني الحياة ووجوهها، ويضيء الحرية الخلاقة التي تضع في الزمن الروائي أزمنة متعددة. يخبرنا السارد الذي تتعدد وظائفه وكذلك طرائق سرده ومستوي معرفته بالعالم الذي يسرده في هذه الرواية، بأن ريكاردو رييس قد رتب الأشياء التي حملها معه بدقة كبيرة. الأدوات الطبية وضعها في مكان خاص. ولم ينس الكتب التي كانت معه. بعض الكلاسيكيات اللاتينية التي لا يقرأها إلا لماما، وبعض الدواوين لشعراء قريبين ومؤلفات لثلاثة أو أربعة كتاب من البرازيل ولِعَشَرةِ كتاب من البرتغال، وبالإضافة إلي هذه الأعمال كتاب كان قد استعاره من مكتبة السفينة التي أقلته من البرازيل في رحلة مُتْعِبة دامت أسبوعين كاملين، غير أنه نسي أن يرجعه إلي صاحب المكتبة. أما عنوان الكتاب فهو: إله المتاهة (The God of labyrinth). لم ينس ريكاردو رييس، في حوار داخلي مع النفس، أن صاحب المكتبة الإيرلندي سيجد في هذا الفعل مبررا لأن يكيل كل الشتم للبرتغال: سيعتبرها أرض العبيد واللصوص كما فعل بيرون ذات مرة. لكنه كان متيقنا أن ما فعله كان فقط نسيانا وليس شيئا آخر (الرواية، ص 25).القارئ هو الناجي الوحيدبإمكاننا أن نلاحظ من خلال هذه المحكيات أن خوسيه ساراماغو لا يقدم فقط آراءه النقدية حينما يدع رييس يتمادي في أسئلته وهو يتأمل عنوان الكتاب متسائلا عن أي متاهة وعن أي إله متماهٍ، وحول ما إذا كان الكتاب مجرد قصة بوليسية أو قصة قتل وتحقيق من مثل تلك القصص الحبلي بالمغامرات، ليستخلص أن القارئ هو الناجي الوحيد في هذه القصة/ المتاهة، وإنما ينسج من خلال هذه الكلمات عالما واسعا، حميميا وقريبا،من شدة النبر الذي تحدثه العناصر السيرذاتية التي ينفتح عليها ويتغذي من نسغها، ليجعل كل المكونات الروائية مستجيبة للحدث المركزي المتمثل في رحلة ريكاردو رييس إلي البرتغال بكل إحالاتها المركبة علي شخصية الكاتب. وها هنا يتمظهر جيدا ذلك التناص الثقافي والوجودي بين تجربتي خوسيه ساراماغو وكافكا، في ما يخص تلك الشفافية التي تطبع السرد وتدمغه بالطعم الصعب للحظات القاسية التي عاشاها وحددت شرطهما الإنساني. الشيء الذي يعطي المشروعية لقراءة مغايرة وقادرة علي فهم هذا التلاقح بين العوالم النصية الداخلية والخارجية. ألم يقل بول ريكور بأنه إذا كانت الذات مدعوة إلي فهم نفسها أمام النص، فإن ذلك لا يتم في نطاق انغلاق هذا الأخير علي نفسه، بل في انفتاحه علي العالم الذي يعيد وصفه وبناءه .ونتصور أن هذا التفرد الذي يميز الكتابة الروائية عند ساراماغو ضمن الإطار العام للكتابة الواقعية بكل أساليبها هو الذي يتخلل تضاريس السرد علي شكل خطاب نقدي تأملي يحاول من خلاله ريكاردو رييس التنبيه إلي ما يعد عناصر أساسية قد تمكن من فهم لعبة التخييل كما تتحقق ضمن هذه الرواية. ففي سياق اللقاء الذي جمعه بالآنسة ميرسوندا التي كانت تعاني من شلل في يدها اليسري، نجدها تسأله في البداية عن موقفه من المسرحية التي شاهداها معا في الآونة الأخيرة حيث لم يمنعه إعجابه بها، من تقديم ملاحظاته النقدية الثاقبة حول التشخيص المسرحي ومعضلاته فقال لها: إن التشخيص كانت تنقصه العفوية والتلقائية. فالواقعية لا ينبغي أن تكون هي الشغل الأول أثناء تشخيص المسرحية، لأن ما يدور علي الخشبة من مواقف وأحداث هو المسرح وليس الحياة. فالحياة لا يمكن أن تشخص كلية. وحتي إذا ما اعتبرنا المرآة أكثر أمانة في عكس الحياة، فإنها ليست كذلك في الواقع، فهي تغير الكثير من الأبعاد فتحول اليمين إلي يسار واليسار إلي يمين . (الرواية، ص 115). انطلاقا من هذا الملفوظ يبدو أن الكاتب لا يستجيب للمنظور المتداول حول الواقعية كما سادت عند كتاب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأشكال تصورها للبطل في علاقته بالعالم. فما يبدو حقيقة في منظور هؤلاء الكتاب السالفين، لا يعدو أن يكون خدعة أو خرافة عند ساراماغو والكثير من كتاب النصف الثاني من القرن العشرين. وكما يقول نابوكوف : فالحياة هي أقل شيء واقعية في التخييل ، وهو ما يتطلب عند كتابة الواقع أن يوضع بين قوسين، علي اعتبار أنه لا توجد حالة مطلقة واحدة من الواقع كما تبين ذلك دورة حياتنا الواقعية. وفي اللقاء الذي جمع بين رييس والدكتور سامباو وابنته ميرسوندا، تلعب الإشارات إلي بعض المؤلفات مثل : مؤامرات لـ تومي فييرا أو (O Nome de guerra) لـ خوسيه سوبرال نيجيروس (1893 ـ 1970) وكذلك الاستعارات الشعرية المستوحاة من نصوص أنداد آخرين، دورا هاما يركب من خلاله الكاتب وجهة نظر تسخر من المبالغة في التفاؤل، وتحول هذه اللغة غير الصادقة في وصفها لواقع البرتغال، التي يتحدثها سامباو إلي مادة دسمة للنقد الذي تنجزه هذه المؤلفات من خلال مضمون جيد يفتح العين علي كل أشكال التمويه التي تحدث من حولنا، ويغطي بالمقابل علي ضعف الشكل والحبكـة. (الرواية، ص 129) وإذا كان من معني يمكن أن يستشف من هذه اللغة الواصفة المتحققة داخل الرواية فهو أن الكاتب لا يخفي أن له رؤيته الخاصة بصدد لعبة الصوغ الأدبي وقضاياه، وهي الرؤية التي تنشر ظلالها علي كل مكونات العالم الروائي بوعي جمالي مقتدر.يمثل الأوتيل مكونا حكائيا أساسيا في هذه الرواية، وهو فضاء عام بامتياز، لأنه يشكل مسرحا لأحداث ذات طبيعة سياسية واجتماعية وثقافية، ولأشكال من التواصل بين الأفراد النازلين به. وهذا التواصل غالبا ما يتحول إلي صداقات، مؤسسة علي وشائج عميقة وجد ملتحمة، بحيث تكشف إلي حد بعيد عن قدرة الناس علي التقارب فيما بينهم، والإحساس ببعضهم البعض مهما اختلفت الألسن، وتباعدت الاهتمامات. وقد كان هذا هو قدر ريكاردو رييس، الذي أثار انتباه شخصيات عديدة في الأوتيل منذ أن نزل به أول مرة، بدءا بمالكه السيد سالفادور، مرورا بالعاملين به، وانتهاء بمن نزلوا به. لقد كان ريكاردو رييس رجلا أنيقا، دبلوماسيا وهادئا. وقد علمه تنقله الدائم وترحاله المستمر كيف يدرك عناصر الجمال في الأشياء التي تثير إعجابه والأمكنة التي يتواجد بها، وفي واحات المعرفة التي يطوح فيها. وفي هذا السياق سيتعرف ريكاردو رييس علي ليديا مارتان وهي امرأة جميلة أنيقة كانت تعمل منظفة بالفندق الذي كان مقيما فيه. وقد أثارت عنايتها الفائقة به، واهتمامها البالغ بنظافة غرفته، انتباه المحيطين بها. تلك العناية التي تحولت إلي عشق فادح يتفجر اضطرابا وارتجالا، ودموعا في أحيان كثيرة. وانطلاقا من حوار دار بينهما عندما ألمت برييس حمي شديدة، وكان وقتها قد تسلم الاستدعاء الموجه إليه للمثول أمام أجهزة أمن الدولة، تأخذ ليديا بزمام السرد، عبر خطاب كثيف ومقتصد لكنه ينم عن حساسية بالغة بالعالم من حولها. إذ ستفصح له عن سيرتها الذاتية التي لم يكن علي معرفة بها من قبل. هو الآن يعرف أن ليديا تجهل هوية والدها وأنها تحمل الاسم العائلي لأمها، ولها أخ يدعي دانييل يعمل في البحرية العسكرية، وهو معارض، وقد سبق وأن حدثها عن هذه الأجهزة الأمنية، عن فظاعتها وقسوتها والرعب الذي تحدثه في كل من ترتاب فيه وتستدعيه للمثول أمامها، كما لو أنها تهيئه لما هو قادم. ولم تقتصر علاقات ريكاردو رييس علي ليديا وحدها، بل تعرف علي أشخاص آخرين ومنهم الدكتور سامباو الذي كان ينزل بهذا الأوتيل مرتين في الشهر، وهو رجل ثري من كوامبرا في جنوب البرتغال، ظل يتردد باستمرار علي لشبونة ولمدة ثلاث سنوات لسببين : الأول ظاهري ويتعلق بالوضع الصحي لابنته التي كانت تعاني من شلل في يدها اليسري، وكان طبيبها البرتغالي يضرب لها موعدا مرتين في الشهر، من أجل متابعة علاجها المركز، أما الثاني فلم يكن السيد سامباو يفصح عنه خصوصا وأنه كان علي علاقة غرامية بسيدة من لشبونة، لكن ابنته لم يكن من الصعب عليها أن تكتشف الحقيقة، التي ستبوح بها لرييس في ما بعد، وهي أن والدها كان يبحث عن متعته الخاصة. تعرف رييس علي الدكتور سامباو وابنته بإحدي قاعات السينما حيث جمعتهم مشاهدتهم لإحدي الأفلام المعروضة، وقد دار بينهما نقاش خفيف حول الفيلم عندما خرجوا من القاعة وكانوا واقفين ينتظرون سيارة الأجرة. وقد زاد هذا الأمر من إحداث تقارب عميق بينهما، انتهي بلقاء عشاء مشترك، وبلقاء لافت بعد ذلك بين ريكاردو رييس وابنة سامباو المريضة التي أحس بأن ثمة شيئا غير عادي في حركاتها منذ أول مرة رآها عندما كان جالسا بالقرب منهما في مطعم الأوتيل. كان اللقاء حميميا وعميقا أبان من خلاله راييس عن إحساس بالآخرين وعن خبرة واسعة في فهمهم ودفعهم إلي التصالح مع أوضاعهم والوعي بها في حدودها العادية مهما كانت حدتها. في هذا اللقاء تحدثت مرسوندا إلي ريكاردو رييس وطلبت منه أن يكون صديقا تحاوره عن قرب وتبثه أحاسيسها ونظرتها للعالم. تساءلا معا عن المرض الذي ألم بها وروت له الحكاية منذ بدايتها، غير أن رييس وباعتباره طبيبا غير مختص، فقد أوضح لها منذ البداية أنه لا يمكن أن يعدها بقدرته علي إشفائها أو تجاوز ما حققه طبيبها الخاص، وإنما حاول فقط من منطلق خبرته المتواضعة كما وصفها، أن يوجه لها أسئلة قد تمكنه ردودها عليها من فهم السياق الذي يؤطر حالتها. وهي الأسئلة التي لم تكن من البساطة، إذ فجرت أشياء عديدة في داخل ميرسوندا انتهت ببكاء شديد. هكذا تبدو الشفافية المتبادلة بين رييس وميرسوندا، بما تحمله من عبارات رقيقة وإشارات مرهفة، بديلا عن اليومي المكرور والموصوم بالمعاناة والغربة والشعور باللاطمأنينة.وتنتهي الرواية، بعد حصول الثورة، باللقاء الأخير بين بيسوا وريكاردو رييس. لم يكن رييس في الواقع يفكر أن بيسوا هو من سيطرق الباب، كان تفكيره مشدودا إلي ليديا، وكان يود لو أنه يستطيع أن يفعل شيئا لها وهي تعيش هذا الزمن الأليم.غير أن بيسوا هو الذي قدم هذه المرة ليضعه في أجواء ما حصل. وليخبره بأن هذا هو اللقاء الأخير بينهما بعدما أدرك زمنه علي النهاية. كان بيسوا كل مرة يلفت انتباه رييس إلي شيء ما، داعيا إياه إلي التذكر وعدم النسيان. وعندما كانا يهمان معا بالخروج إلي الشارع، كان ريكاردو رييس قد أخذ معه كتاب: إله المتاهة للكاتب (هربرت كاين)، ولم يكن يخفي امتعاضه من عدم انتهائه من قراءته، وهو الأمر الذي دفع بيسوا إلي القول بأن القراءة هي دائما الامتياز الوحيد الذي نفتقده، داعيا رييس إلي تذكر هذا الكلام بقوة. ولما فتحه وجد به علامات غير مفهومة وخطوطا سوداء وصفحة ملطخة، ومع ذلك أخذه أملا في تخليص العالم من اللغزية التي تدثره.هذه القراءة النقدية مهداة الي الصديق الدكتور الجيلالي العدناني.ہ كاتب وناقد مغربي7