القاهرة ـ «القدس العربي»: ركزت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 25 نوفمبر/تشرين الثاني على الاجتماع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء، وعدد من الوزراء والمسؤولين لمناقشة مشروعات مدى تنفيذ خطط تعمير شمال سيناء، واستكمال مشروعات البنية التحتية، لبدء الاستثمار فيها، والإعداد لزراعة أربعمئة ألف فدان فيها، وتغيير حياة سكانها، وذهاب ملايين أخرى من الشباب إليها، بعد أن نجحت قوات الجيش والشرطة في القضاء على العناصر الإرهابية، بعد أن قتلت الآلاف منهم، وأصبحت لدى جهاز أمن الدولة في وزارة الداخلية والمخابرات الحربية والعامة، خريطة كاملة عن كل فرد وتوجهاته وارتباطاته وتحركاته، بعد نجاحها في التغلغل وسط الجماعات، وتلقيها معلومات مستمرة عنهم، بعد أن اعتبر النظام أي متستر على أي إرهابي، مهما كانت درجة قرابته إرهابيا مثله، ولذلك تكاد الأعمال الإرهابية تتلاشى نهائيا من شمال سيناء، باستثناء زرع عبوة ناسفة بدائية على طرق تحرك قوات الجيش والشرطة على فترات متباعدة جدا.
ظهور مكثف لياسر رزق صديق الرئيس في الفضائيات وتأكيده على قرب صدور قرارات الإصلاح السياسي والإعلامي
كما واصلت الصحف التركيز على منتدى افريقيا، والاتفاقيات الاقتصادية التي تم عقدها بين دول القارة، والإشادة بنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي وزيادة الاحتياطي النقدي وتراجع أسعار بعض السلع.
وكان الاهتمام الأكبر لايزال مركزا على فوز المنتخب الأوليمبي لكرة القدم في بطولة كأس الأمم الافريقية. اما المقالات والتعليقات فكانت عن المنتخب وفوزه، ومهاجمة أمريكا بسبب موقفها من رفض صفقة طائرات السوخوي الروسية 35، رغم استقبال وزير الدفاع الفريق أول محمد زكي وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسات، والوفد المرافق له، وبحث زيادة التعاون العسكري بين البلدين.
واهتم آخرون بالسخرية من المؤتمر الذي عقده رجل الأعمال الهارب محمد علي في لندن، فيما اهتم آخرون بقرب الإعلان عن التغيير الوزاري، وإصدار الرئيس قرارات الإصلاح السياسي والإعلامي، خاصة مع كثرة ظهور ياسر رزق رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليومي في القنوات الفضائية للتبشير بالقرارات، ولأنه الصحافي الوحيد المقرب من الرئيس. وإلى ما عندنا…
درس في الديمقراطية
ونبدأ بالمعارك والردود وأولها تلك التي شنها في «الشروق» محمد سعد عبد الحفيظ ضد العديد من الأنظمة العربية في الخليج وفي غيرها، غامزا النظام في مصر بشكل غير مباشر، من خلال استعراض ما حدث في الكويت وقال عنه تحت عنوان «درس كويتي في الديمقراطية»: «في مساء 6 نوفمبر/تشرين الثاني تجمع آلاف الكويتيين أمام مجلس الأمة، ورفعوا لافتات ضد الحكومة، وطالبوا بالتحقيق في اتهامات فساد طالت عددا من الوزراء، انتهت الوقفة وعاد المتظاهرون إلى منازلهم، بدون مواجهات أو ملاحقات من قوات الأمن، أو إحالة إلى النيابة بتهم التجمهر وإثارة البلبلة. بدوره نقل الإعلام الكويتي التظاهرة، بدون أن يوجه للمتظاهرين اتهامات بالعمالة أو الخيانة أو التآمر على استقرار الدولة، بل بالعكس خرج العديد من المقالات والتقارير تحت عنوان «بس مصخت» تنتقد أداء الحكومة ووزرائها، ومن بينهم وزير الدفاع نجل أمير الكويت، ووزير الداخلية ولنواب البرلمان، الذين لم يتصدوا لـ«الفساد والتعدي على الدستور» ولم تُلاحق أيا من الصحافيين تهمُ «الأقلام المأجورة التي يتلقى أصحابها أموالا من الخارج». وتحت قبة البرلمان تقدم عدد من النواب باستجوابين إلى وزيرة الأشغال ووزير الداخلية. ناقش مجلس الأمة الاستجوابين ولم يتهم أحد مقدمي الاستجوابين بالعمل ضد الدولة، ولم يطالب أحد بإحالتهم إلى «لجنة القيم»، لأنهم ببساطة استخدموا حقهم الدستوري في الرقابة على الحكومة، وانتهى الأمر باستقالة وزيرة الأشغال، وانتظر وزير الداخلية اقتراع البرلمان على سحب الثقة. بالتزامن اندلعت أزمة بين النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الدفاع الشيخ ناصر صباح الأحمد، ورئيس الحكومة جابر المبارك الصباح ووزير داخليته خالد الجراح، بعد بيان اتهم فيه ناصر الأحمد الحكومة بعدم الرد على استفساراته بشأن «مخالفات وشبهة جرائم متعلقة بالمال العام، تجاوزت قيمتها 240 مليون دينار من صندوق الجيش»، تبادل أطراف الأزمة الاتهامات علنا، عبر بيانات نشرتها وسائل الإعلام، دخل أمير الكويت على خط الأزمة وأصدر قرارا بإقالة وزير الدفاع «ابنه» ووزير الداخلية، ما دعا رئيس الحكومة إلى إعلان استقالة الحكومة، فكلف الأمير بإعادة تشكيل الحكومة، فاعتذر المبارك عن قبول المهمة قبل أن يبرئ القضاء ساحته من «الافتراءات والادعاءات التي مست ذمته» لم تتبع الأجهزة الأمنية مطلقي تلك «الافتراءات والادعاءات» في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ولم يتطوع «المحامون الشرفاء» بتقديم بلاغات تتهم صحافيين وناشطين بنشر أخبار كاذبة، أو تكدير السلم العام، أو محاولة قلب نظام الحكم، بل بالعكس احترمت مؤسسات الدولة الرأي العام، ونزلت على إرادته وأحال النائب العام الكويتي بلاغا ضد الفريق الركن وزير الدفاع السابق، ووزير الداخلية المقال خالد الجراح، إلى لجنة التحقيق في محكمة الوزراء في قضية «صندوق الجيش». وجهت الإمارة الخليجية درسا لجمهوريات وممالك المنطقة في ضرورة إنصات السلطة للرأي العام، وممارسة مؤسسات الدولة للدور الذي كفله لها الدستور، وبعثت برسالة مفادها: كيف تتجنب الأنظمة مزالق الإخفاق، التي قد تنتهي بالفعل إلى سقوط الأوطان. مارس المواطن الكويتي حقه في الاحتجاج وقام البرلمان بدوره في إعمال الرقابة، وقدّم نوابه استجوابين انتهيا باستقالة الحكومة، ونقل الإعلام ما جرى في الشارع وفي كواليس البرلمان وأروقة الحكومة، وقدم للمتلقي خدمة صحافية، وتناقلت منصاته بيانات أطراف الأزمة بما فيها من اتهامات فساد طالت مؤسسة سيادية «صندوق الجيش»، وغابت عن المشهد برمته، مفردات جوقات التطبيل والنفاق في بعض دول المنطقة، ذات التاريخ النيابي والدستوري العريق واحسرتاه».
تقصير ظاهر للعيان
وإلى والهجوم الذي شنه في «وطني» نبيل عدلي ضد مجلس النواب والحكومة معا بقوله عنهما وعن فشلهما: «لماذا استكان النواب بامتداد أربع سنين، فلم نشهد استجوابات بالجملة، وطلبات إحاطة بارقام هائلة، على الرغم من أن تقصير الحكومة في عدد من الوزارات ظاهر للعيان فوزارة التموين وهي تمس حياة المواطن اليومية، مواطن التقصير فيها عديدة، سواء من حيث أداء المخابز أو الأسعار، وقد سبق للجنة النواب ضبط فساد في تخزين القمح، تسبب في خسائر 8 مليارات جنيه. أيضا وزارات وقطاعات مثل الصناعة والاتصالات والإسكان والتعليم العالي والمحليات والعشوائيات والمياه ووزارة النقل، كلها كان لها نصيب الأسد من جملة طلبات الإحاطة التي انهالت من النواب، بقدرة قادر، وكان الرئيس أعطى الضوء الأخضر للبدء في انتقاد الحكومة. لا اظن أن الأمر مجرد «شو إعلامي»، فما اعتقده أن الرئيس يقصد أن أداء البرلمان للدور الرقابي كفيل بأن يقنع المواطن بان هناك من يسهر على راحته، ويخفف عنه الغلاء، وينزع الفساد وهو ما يصنع حالة من الارتياح الشعبي بشرط أن تكون هناك نتائج إيجابية».
«مرآة الشارع»
«جلسة ودية، جمعت وفاء بكري في «المصري اليوم»، بعدد من أصدقاء المهنة، دارت معظمها حول الشكوى من تجاهل الوزارات – التي يقومون بتغطية أخبارها لصحفهم ومواقعهم الإلكترونية – دعوتهم إلى الجولات الميدانية التي يقوم بها الوزير المختص أو مسؤولو هذه الوزارات ـ بل تعدى الأمر أكثر من ذلك، ففي المؤتمرات الصحافية التي قد تُعقد للإعلان عن مشروع ما، قد لا يُسمح للصحافيين بطرح أسئلتهم على الوزير ومسؤوليه، ويأتي الوزير ليعلن تفاصيل «مشروعه» و«يُمليه» على الصحافيين، بدون مشاركة منهم، تقول الكاتبة، لقد نسي أننا الصحافيون نُعَدّ «مرآة الشارع» له، ولسنا مجرد «ناقلي كلام» و«متلقين»، ومن حقنا طرح الأسئلة والاستفسارات لننقل الصورة الحقيقية لمشروعه، كنت ممن يحرصون على حضور جميع جولات الوزراء، عندما كنت مندوبة لجريدتي في عدد من الوزارات، وكنت أُكوِّن مع زملائى «همزة الوصل» بين الشارع والمسؤول، وكان يتم حل المشاكل ببساطة، وعرض النجاحات والإنجازات، بدون غضاضة، فماذا حدث إذن، هل أصبحت هناك حلقة مفقودة بين الصحافي والمسؤول أيًا كان منصبه، أم أن المسؤول اكتفى بمكتبه الإعلامي، الذي لا يعمل فيه بالضرورة متخصصون؟ وتواصل الكاتبة كلامها قائلة، أعلم بحكم خبرتي الصحافية والعمل مستشارًا إعلاميًا عدة سنوات، أن هناك عددًا من المسؤولين لا يفضلون التواصل مع الإعلام، ولكن هذه النوعية – قد لا تكون متواجدة الآن- كانت تبحث عن البديل، إما عن طريق مستشارها الإعلامي، أو عن طريق أحد المسؤولين الذين يستطيعون التواصل مع الإعلام، ولكن أصبح الآن التجاهل سيد الموقف، وإلقاء التهم جزافًا على الصحافيين بأنهم يتجاهلون إنجازات الوزارات، وأصبحت الحكومة أشبه بمَن «يتحدث مع نفسه» بدون مشاركة حقيقية مع الآخرين، على الرغم من أن تغطية مشروعاتها هي أساس عمل الصحافي. المثير أن انتقاد الإعلام والصحافة أصبح مشاعًا للجميع، بدون أن يفهم هؤلاء طبيعة عملنا، وما الذي يجرى خلف الكواليس، بل أصبح الانتقاد أحيانًا يأتي من «ابن الكار» بدون مبرر من ذلك. في الوقت نفسه أتمنى أن يكون المسؤولون والوزراء، ذوي صدر رحب للنقد، فهذا أهم لتعزيز النجاح ومعرفة المشاكل الحقيقية لحلها، فالإعلام بشكل عام، والصحافة بشكل خاص، في الحقيقة هما داعمان للدولة، وليسا كما يتخيل المسؤول أننا كإعلاميين وصحافيين «نصطاد في الماء العكر»، وعلى مجلس الوزراء أن يطالب أعضاء حكومته بالتعامل مع الإعلام بشكل أفضل، بدون الاعتماد على «نفي الشائعات» فقط، وليس من المعقول أن نستجدي المسؤولين لنقوم بعملنا الأساسي، وكفانا «جلدًا» في الإعلام بدون أن نعطيه «سنارة الصيد» ليقوم بعمله بالأسلوب السليم.»
قانون الإدارة المحلية
«بُحّت الأصوات حول قانون الإدارة المحلية، لا يوجد تصريح رسمي واحد من قبل البرلمان أو الحكومة يقول أو يبرر أو يفسر لماذا تأخر قانون الإدارة المحلية كل هذه المدة. وكما يقول عمرو هاشم ربيع في «المصري اليوم»، المعروف أن المجالس المحلية هي إحدى أذرع قانون المحليات، وليس كل القانون، لكنها أهم تلك الأذرع. ومنذ إبريل/نيسان عام 2008 عقدت آخر انتخابات للمجالس المحلية، ومنذ عام 2011 عندما حلت تلك المجالس، لم نشهد انتخابات جديدة، ولم تتشكل أي مجالس بديلة ولو معينة، كما ينص القانون في حالة حل المجالس المنتخبة. وبذلك أصبحت المحليات بلا مجالس، ومن ثم أصبحت كيانات تنفيذية فاقدة للرقابة، ما جعلها توغل في الفساد، الذي كانت ترزح أصلا فيه عندما كانت هناك مجالس، فما بالنا حال عدم وجودها أصلا. إن أهمية التأصيل القانوني للمحليات، خاصة المجالس المحلية، يعني غيابًا لمجمل الحياة السياسية في مصر. فالمحليات هي بداية السلم نحو حياة ديمقراطية سليمة، فمن خلالها تتم بداية التجنيد النخبوى على مستوى المؤسسات الرسمية (منصب وزير- محافظ – عضو البرلمان، إلخ) وغير الرسمية (منصب حزبي رفيع على المستوى القومي- منصب رفيع في المجتمع المدني، إلخ)، ومنها أيضًا يتم تقييم طبيعة وشكل اللامركزية في أي نظام سياسي، ومنها كذلك تبدأ مسألة تقديم الخدمات للمواطنين، ومنها تبدأ عملية المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك بالطبع من المشاركة السياسية، خاصة بالنسبة للشباب والمرأة، وهما الفئتان المجهضة حقوقهما في كثير من النظم السياسية. إن غياب قانون المحليات سبب حالة من الإرباك والارتباك لا مثيل لها بسبب توغل البيروقراطية، ما أدى إلى فقدان أي مناخ قابل لجذب الاستثمار، كما أن هذا الغياب أسفر عن حالة مزرية من ضعف الخدمات التي تقدم للمواطنين، وسوء حالة المؤسسات الرسمية. كل ما سبق ليس ناتجًا فقط على غياب الرقابة، بل هو ناتج عن المركزية الضاربة في أعماق الدولة العتيدة، بسبب هيمنة المركز عليها، عبر الأجهزة القومية التي لا سلطان للمحافظة عليها بشكل كامل، وبعضها الثالث ليست لديه أي موارد أصلا كي يفرض رسومًا محلية لاستغلالها، الأمر الذي يجعل يده مغلولة للمركز. وهكذا تبدو الحاجة إلى القانون الجديد لتنظيم جميع تلك الأوضاع، والعمل على إعادة التقسيم الإداري للوحدات المحلية، ووضع معايير لاختيار القيادات وإعمال الاستقلال المالي والإداري عبر نقل وليس تفويض السلطات كما أقر الدستور».
مواصفات الوزير
مصطفى عبيد في «الوفد» مؤمن بأن مصر تستحق دوماً واقعاً أفضل، حياة أكثر كرامة، آمالًا لمستقبل ينفتح أمام أجيال قادمة يقول الكاتب: «أحلم بتنمية حقيقية تعتبرها الأمم الأخرى نموذجا وقصة نجاح تُحتذى. وأوقن في الوقت ذاته بأن هناك الكثير الذي تم إنجازه، في الأمن، الكهرباء، النقل، الإنشاءات، والصحة، لكن هناك أيضا إخفاقات، وهناك مجالات خاسرة، ما يؤكد ضرورة إجراء تعديلات وزارية تستهدف التجويد والإصلاح وعلاج بعض أوجه القصور. الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء قال بأن إرضاء المصريين جميعا صعب، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولابد من العمل لتحقيق غايات التنمية والعمل على صناعة المستقبل. الآمال ما زالت منعقدة على العمل بقوة وجهد على الإنسان.. تحديثه، تعليمه، تنميته، تثويره حضاريا، ودفعه للأمام. من هُنا فإننا في حاجة لوزراء غير تقليديين، مبتكرين، ومطورين، لديهم سلطات حقيقية، يعملون وفق خطط زمنية محددة ومعلنة. نريد وزراء تعلموا في الخارج لا الداخل، وتشبعوا بروح الدول المتقدمة، وفكر العالم الحديث في استغلال التكنولوجيا الأحدث وإعلاء قيم الشفافية والعدالة والحوار المُجتمعي. ولا شك في أن ذلك يُجدد الفكرة الأزلية المطروحة بشأن أهل الثقة وأهل الكفاءة. لابد من الموازنة بين الأمرين، بحيث لا تستبعد كوادر وعقول منفتحة بدعوى إيمانها بالنموذج الغربي للديمقراطية أو رفضها لنظرية المؤامرة الحاكمة للخطاب العام، منذ أكثر من نصف قرن. لقد كان اختيار الوزراء في ما مضى يتم بناء على عدة خطوات. في البداية تُرشح أسماء من سلم البيروقراطية المصرية لشخوص لديهم خبرات أكاديمية في ملفات بعينها، ثُم تؤخذ آراء الأجهزة الأمنية ليتم بعدها ترجيح شخص على آخر. وفى بعض الأحيان كان يتم اختيار الشخص صاحب نقاط الضعف الأكبر ليصبح أكثر خضوعاً، ما دفع البعض إلى ترديد حكاية خيالية مفادها أن الأجهزة رشحت لرئيس جمهورية سابق عددًا من الأسماء لشغل منصب وزير، وكانت تحدد لكل شخص عيبًا تذكره أمام الرئيس، وفي إحدى المرات ذكرت اسم مرشح جيد جداً ووصفته بأنه بلا عيوب أو خطايا، فقال لهم الرئيس أن ذلك كافٍ لاستبعاده. وتصورى أن هناك مصريين عباقرة، قلبوا العالم شرقاً وغرباً، ولهم إسهامات دولية لافتة، لكنهم مستبعدون من أي حكومة أو منصب. وإذا سألت عن السبب قيل لك: لأنهم يرفضون أو سيرفضون. لكن أن سألتهم مباشرة لوجدت إجابة متحسرة بأنهم خارج الترشيحات أساساً لأن لديهم رؤى وقناعات وأفكارا قد تبدو مختلفة بشأن التنمية والتقدم. وأنا شخصياً لي صديق عرضت عليه الوزارة مرتين، واعتذر بهدوء موقناً باستحالة أن يكون جزءًا من تروس تدار من بعيد بقوة الدفع. وقال لي أن القانون يجعل الوزير مسؤولاً عن أمور خارج نطاق مسؤوليته ما يعرضه للاتهام في أي وقت حال اختلافه مع السلطة، أو حتى تغيرها مثلما حدث من قبل مع أمين أباظة وزير الزراعة النزيه الذي حُمل خطايا النظام القائم، ودفع ثمن تغيير السلطة بعد 25 يناير/كانون الثاني، رغم يقين الجميع بنزاهته. إن اختيار الوزراء الجدد يجب أن يخضع لفكر جديد يعتبر الوزير مسؤولاً، لا سكرتيراً. لديه فكر شخصي للسعى نحو أهداف الدولة، وليس عبداً للتعليمات».
طوق النجاة
أما محمد علي إبراهيم في «المصري اليوم» فيقول:»يروّج كثيرون حاليًا لاقتراب إجراء إصلاحات سياسية وإعلامية، يبشروننا بتغيير وزاري وشيك، لكن ما يُكتب ونشاهده على الشاشات لا يخرج عن فحوى واحدة، وهي أنه تفضُل من الحكومة أو النظام، وأنه يدخل ضمن قائمة الإنجازات التي حفظناها عن ظهر قلب، غير أن الإصلاح وفقًا لرؤية الكاتب ليس منحة أو تفضلًا، ولكنه حق أصيل للمصريين، وكما أن هناك استحقاقا رئاسيا فمن الضروري أن نعبر إلى استحقاق شعبي. أولى خطوات الإصلاح المنتظرة ليست في زيادة المقررات التموينية، وافتتاح المشروعات، وتغيير خريطة بعض الأحياء، وإضافة أرقام للاحتياطي الأجنبي، وأخرى لخفض التضخم وتقليل البطالة، لكن الإصلاح ينبغي أن يكون محسوسًا وليس شفهيًا أو تلفزيونيًا أو متصدرًا الصحف ونشرات الأخبار. بصراحة إذا عاد البرلمان للشعب بعيدا عن الاختيارات «المعروفة»، ومزج بين القائمة والفردي بنسبة لتكن 60٪ إلى 40٪ وعاد نواب معارضون محترمون تحت القبة، ليسوا من الجماعة المحظورة أو المتعاطفين معها، عندئذ سيكون البرلمان الجديد أول خطوة في استعادة الظهير الشعبي للنظام، خاصة أنه الوحيد الذي تمتع بإجماع غير مسبوق قبل 5 سنوات، ولأول مرة منذ جمهورية يوليو/تموز 1952، عندئذ سيكون حب الجماهير للدولة أقوى من أي شيء، سيتفوق على حصون الأمن، ويصبح مرآة حقيقية للشعب، وبوصلة لا تخطئ للحاكم. المرحلة المقبلة وحتى انتهاء فترات حكم الرئيس السيسي تتطلب شفافية في إيضاح أوجه إنفاق القروض وكيفية سدادها بعد ذلك، ولا بد من إعادة الاعتبار للطبقة المتوسطة التي تآكلت وكذلك الأخذ بعين الاعتبار تشكيل لجنة اقتراحات البرلمان، بحيث تنفصل عما تطرحه الحكومة، وتكون لها المبادرة في طرح حلول لصالح المواطنين، بعد أن اتضح أن معظم القوانين مقدمة من الحكومة، فتحول البرلمان إلى مجلس الحكومة بدلًا من أن يكون ظهيرا للمواطن. لذلك أقترح إنشاء وحدة تثقيف سياسي تابعة لرئاسة الجمهورية لتبصر الوزراء والمسؤولين والنواب بحساسيات القضايا الشائكة، فلا يتحدث وزير الري عن وجود مياه جوفية تكفينا مئة عام في ظل أزمة سد النهضة، أو يقول عالم كبير أن هناك نهرا تحت الأرض أكبر من نهر النيل، أو وزير التموين عندما قال ننظر للمواطنين بعين الإحسان، التوقيت في السياسة أهم من القرار هكذا علمونا، وحدة التثقيف السياسي مهمتها تبصير المسؤولين بعدم التحدث بلغة فوقية مع المواطنين وإشعارهم بأنهم يمثلون عبئًا على النظام، مثلًا لا داعي أن يقول محافظ البنك المركزي: نحن نطبع «بنكنوت»، أو وزير المالية الذي يؤكد أننا مستمرون في الاقتراض، اللجنة عليها أيضا تثقيف المعارضة بأنها لن تكون خطبًا بلاغية ومقالات حماسية واستعراضًا للعضلات، ولكنها ينبغي أن تكون من خلال برامج ورؤى تختلف عما تطرحه الحكومة، وربما يكون فيها طوق نجاة».
استراتيجية ثابتة
صلاح دياب في «المصري اليوم»، الذي يوقع مقالته باسم نيوتن، تعجب من تخبط الحكومة في تحديد اتجاه واضح لها، وقال: «ما نتمناه أن نستقر على استراتيجية ثابتة معلنة، لما يتعلق بالحياة في مصر، استراتيجية ثابتة لمدة عشر سنوات، مثلا؛ هل نريد اقتصاد سوق؟ ولأي مدى سنفتح له الأبواب؟ أم سنعود إلى اقتصاد الدولة مرة أخرى، كما الأمر في الستينيات؟ في هذه الحالة من سيكون واجهة هذا الاقتصاد؟ أم سيكون اقتصادًا مختلطًا بين الاثنين؟ إذا كان اختيارنا الأخير، فما هي المحددات لكليهما. الرئيس السيسي تحدث من قبل عن إمكانية الطرح العام لبعض الشركات التابعة للقوات المسلحة، لم تعلن تفاصيل عن هذا الطرح، كذلك نريد استراتيجية في تطوير استخدام المياه خلال العشر سنوات المقبلة، وبالتالي سيتم رسم استراتيجية الزراعة.
نريد خطة في كل مجال في الصحة، في التعليم، بصرف النظر عن الشخص القادم في هذه الوزارة أو تلك، بالتالي سيكون له برنامج واضح معلوم للجميع، نعمل على تنفــــيذه لا نترك فيه شؤونًا حيوية ومصيرية للارتجال أو التجريب. مصر تستحق هذه الاستراتيجيات الثابتة المعلنة، من حقنا استدعاء الخبرات من أنحاء العالم، بالإضافة إلى الخبرات المحلية، كل في مجاله.
علينا أيضا أن نستدعي كل من سبق أن تولى منصبًا وزاريًا ليطلعنا على حلمه الذي لم يتحقق، والمعوقات التي حالت دونه. هذه أهم مقومات تشكيل الوزارة فيجب أن لا يتعلق مستقبل مصر فقط بأفراد أو كفاءات شخصية، بل نريد أن يتحقق من خلال أشخاص قادرين على تنفيذ برامج مستقرة معلومة ومحددة. نريد رؤية طويلة المدى لخط سيرنا هنا لن يتوقف الأمر على أشخاص واختيارات».
اقتصاد النظام الناصري
وجاءت الإجابة صادمة لنيوتن في العدد نفسه من «المصري اليوم» من عباس الطرابيلي، الذي أشاد بتجربة التخطيط الاقتصادي في عهد عبد الناصر، وطالب بالأخذ بها في مشروعات الدولة وقال: «ربما تكون من حسنات النظام الناصري أن مصر عرفت نظام الخطط الخمسية، ولكنها للأسف لم تستمر طويلاً بسبب هزيمة يونيو/حزيران 1967 ولما كانت مصر الآن تحاول إعادة بناء مصر الحديثة، بما نشهده من مشروعات عملاقة غير مسبوقة، إلا أننا نتساءل هنا: هل يتم كل ذلك وفق استراتيجية واضحة المعالم للتنمية، وليس مجرد مشروعات هنا أو هناك؟ ونرجوكم هنا لا تحدثونا عن «خطة 20 – 30» التي لم يعد أحد يتحدث عنها الآن. وحلمنا الذي يجب أن يصبح حقيقة يكمن في هذه الاستراتيجية ليس في قطاع واحد، بل في كل القطاعات، مثلاً استراتيجية للصناعة وأخرى للزراعة وثالثة للتعليم ثم الصحة والاقتصاد وهكذا. وهذه الاستراتيجية الواحدة الكاملة هي الاستدامة، بحيث يستمر تنفيذها مهما تغيرت الحكومات، بل والسلطة كلها، ولا ترتبط بوزير يجيء أو وزير يرحل أو حتى الحكومة كلها».
المصيدة الكبرى
أما في «الشروق» فقد ترك عماد الدين حسين قضية تحديد نوعية النظام الاقتصادي إلى ما اعتبره الخطر الذي يهدد مستقبل البلاد، وهو الزيادة الهائلة في حجم الديون الخارجية والداخلية، بما يهدد بفرض وصاية دولية على الميزانية، كما حدث في عهد الخديوي إسماعيل وقال: «تقول الأرقام إن الدين الخارجى لمصر وصل إلى 1087 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران الماضي مقارنة بنحو 1062 مليار نهاية مارس/آذار 2019 بقيمة زيادة بلغت 25 مليار دولار، وفقا لتقرير البنك المركزي، وإجمالي الدين العام المحلي وصل إلى 4205 تريليونات جنيه في نهاية مارس الماضي، مقابل 4108 تريليونات جنيه في نهاية 2018، علما أن هذا الرقم لا يشمل ديون الهيئات الاقتصادية والبنوك.
وقدرت موازنة العام المالي الحالي فوائد الدين نحو 5696 مليار جنيه خلال العام المالي 2019/2020 مقارنة بنحو 5322 مليار جنيه خلال موازنة العام المالي الماضي بزيادة قيمتها 702٪. وإذا أضفنا أقساط الديون إلى الفوائد في الموازنة الجديدة 2019/2020 فإنها تصل إلى 971 مليار جنيه مقابل 817 مليار جنيه، خلال موازنة العام المالي الماضي بنسبة نمو ٪67 وهذا يعني ببساطة أن أكثر من 60٪ من موازنة مصر مخصص فقط لسداد فوائد وأقساط الدين، والسبب أن انتاجنا أقل كثيرا من استهلاكنا، وصادارتنا أقل من وارادتنا، وبعض أولوياتنا مختلة، وبالتالي نتوسع في الاستدانة الداخلية والخارجية.
والأخطر هو الديون الخارجية، خصوصا حينما تكون أسعار الفائدة منخفضة، وبالتالي مغرية جدا لنقوم بالاقتراض، والعالم قد يكون متسامحا معنا، ويقدم لنا القروض الكثيرة، وعند لحظة معينة، إذا انفلت العيار قد نجد أنفسنا في مصيدة كبرى، أو وضع شديد الخطورة. كى نفهم معنى وضع شديد الخطورة أتمنى من كل مسؤول في الدولة المصرية، أن يقرأ بعناية وهدوء ما حدث لنا بعد حفر قناة السويس عام 1869 وقتها الديون تراكمت على مصر في عهد الخديوي إسماعيل، سواء للتوسع في المشروعات الكبرى، أو الإنفاق البذخي.
الدائنون الأجانب ضغطوا علينا فأسس الخديوي صندوق الدين في 2 مايو/أيار 1876 للإشراف على سداد ديون الحكومة المصرية للحكومات الأوروبية، وكان الصندوق في البداية يترأسه أمين وثلاثة مفوضين يمثلون حكومات النمسا والمجر، فرنسا وإيطاليا مهمة الصندوق هي تلقي معظم إيرادات مصر لتسديد الديون، لكن ذلك لم يعجب إنكلترا التي أصرت على فرض رقابة ثنائية مع فرنسا على المالية المصرية. وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1876 أصدر الخديوي مرسوما يوافق فيه على الرقابة الثنائية الإنكليزية الفرنسية على الاقتصاد المصري، وتبين لاحقا أن تلك كانت خطوة حاسمة قبل التدخل العسكري والاحتلال الإنكليزي المباشر في صيف 1882».
التحدي الاقتصادي
«مصر منذ يناير/كانون الثاني 2011 تواجه تحديات ومؤامرات كبيرة كادت تعصف بها، لولا عظمة شعبها وقوة وتماسك مؤسساتها وجيشها وشرطتها، كما اجتازت عقبات كثيرة واستعادت استقرارها الداخلي والخارجي، ولكن سوف يظل التحدي الاقتصادي هو أخطر ما يواجهنا مستقبلاً، كما يرى ذلك أحمد إبراهيم في «الوطن».
الاقتصاد حالياً تتولاه وزارات، هي التخطيط والمالية والصناعة والتجارة والاستثمار والتعاون الدولي، وقطاع الأعمال العام والبنك المركزي، بالإضافة إلى بعض الوزارات الأخرى المرتبطة بالاقتصاد مثل، الزراعة والتجارة والتموين والنقل والاتصالات والسياحة والآثار، وأيضاً بعض الهيئات، مثل جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وهذا، من وجهة نظر الكاتب، يشتت الجهود والمسؤولية، لذلك يتمنى وجود وزارة للاقتصاد تحمل الاسم نفسه ويتولاها وزير بدرجة نائب رئيس وزراء مهمته التنسيق بين كل الوزارات (مايسترو). ويفضَّل أن يكون من رجال الصناعة الحقيقيين الذين لهم تجارب ناجحة، وزراء المجموعة الاقتصادية بالذات يجب أن تكون لديهم خبرة عملية وليست نظرية فقط، وأيديهم في النار، عاشوا مشاكل الاستثمار والصناعة على أرض الواقع ويشعرون بآلام الصنّاع وهمومهم وأيضاً لديهم الحلول جاهزة.
ومع اقتراب انتقال الحكومة إلى العاصمة الإدارية، وبمناسبة التعديل الوزاري المرتقب، يتمنى الكاتب دمج وإلغاء بعض الوزارات، حتى تكون لدينا 18 وزارة فقط بدل 33، حيث نُعتبر من أكبر دول العالم من حيث عدد الوزراء، فمثلاً يمكن دمج السياحة مع الثقافة والآثار فى وزارة واحدة، والنقل مع الطيران والاتصالات، والتنمية المحلية مع الزراعة تحت مسمى الزراعة والتنمية الريفية، والتعليم العالي مع التربية والتعليم تحت مسمى «التعليم»، والهجرة مع الخارجية، والاستثمار مع الصناعة والتجارة وقطاع الأعمال تحت مسمى «الاقتصاد»، والتعاون الدولي مع التخطيط، والبيئة مع الصحة، والتموين مع التضامن، والكهرباء والطاقة والبترول والثروة المعدنية في وزارة واحدة تحت مسمى «الطاقة» مع إلغاء القوى العاملة، وتحويل الشباب إلى جهاز تابع لمجلس الوزراء وضم جهاز المشروعات الصغيرة لوزارة الاقتصاد، وليست هناك حاجة لوزارة إعلام.
وأعتقد أن رؤية مصر 2030 كانت تستهدف ذلك، لأن تخفيض عدد الوزارات يرشد الإنفاق ويضاعف الجهود ويقضي على البيروقراطية والفساد والروتين ويسهّل دورة العمل الوظيفي، وأيضاً يمنع تنازع الاختصاصات وشيوع المسؤولية، كما أن الحكومة تتجه بقوة نحو التحول الإلكتروني والرقمي، وبالتالي ليست هناك ضرورة إلى هذا العدد الهائل من الوزراء والمسؤولين والموظفين. كذلك، يجب تقييم كل الأجهزة الكثيرة الموجودة في البلد، وإلغاء تلك التي لا لزوم لها لأننا لا نملك رفاهية الإنفاق بلا فائدة، كما أن الرئيس السيسي يؤكد في كل مناسبة أنه لن يسمح بإنفاق جنيه في غير محله. يتبقى القول بأن الأهم من الأشخاص أن تكون هناك رؤية لكل وزارة في إطار الرؤية المتكاملة للدولة لا ترتبط بالوزير ولا تتغير بتغييره، وأن يكون هناك بناء على ما سبق واستكمال الإنجازات، وليس البدء دائماً من نقطة الصفر».