عندما تجتمع النظرة الواعية للشكل الروائي، بالمعرفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية لتشكيلات المجتمع، وبنياته العميقة التي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تعاش وتحس، وتتمثل بالتبصرة الدقيقة التي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الغوص في تفاصيل المعطيات الاجتماعية، والنزول إلى القاع المجتمعي، لرسم حدودها، ووتيرة ترددها، ونسق تداخلاتها الغامضة، والملتبسة، فإنه لا يمكن إلا أن يكون للمحكي الروائي طعمه الخاص، وتصوره الحساس للعالم، والإنسان، إذ إن كثيرا من الظواهر نعيشها باعتبارها بديهيات وعوائد متكررة، فلا ننتبه إلى عمقها، وأثرها الممتد فينا وحولنا، وعلاقات مكوناتها المشتبكة في الواقع، ووظائفها الرمزية، وأبعادها الإنسانية الملموسة التي يعترف بها الجميع، لكنه لا يريد أن ينتمي إلى عوالمها، بوصفها مناطق محرمة في السياق التمثيلي للمجتمع، لذا يرتادها الأغلب الأعم خلسة، لقضاء أوطاره، ثم ينسحب متسللا خرج الدائرة التي لا يكتوي بحرها سوى من يديرون دواليبها السرية اللذيذة والمقيتة في آن.
تتناول الرواية مأساة الوسيطة أو صاحبة الماخور، بوصفها شخصية رئيسة، مسلطة الضوء على العلاقات الاجتماعية التي تتشابك حول هذه «الدار»، وأدوارها الوظيفية وسط المجموعة البشرية التي تتمركز فيها، من خلال سياق مغربي مؤطر بزمن مفصلي يتوزع بين الحماية وما بعد الاستقلال، مصورة نظرات المجتمع المتفاوتة لهذا الفضاء، وكيفية ممارسة هذه المرأة «المحترمة» الجانب ظاهريا، والمنبوذة ضمنيا، عملها في نسق يرفضها عمليا، وكيف تدير القواعد لفائدتها كي تظل موجودة ضمن هذه البنية، هي وبناتها المقبلات من جغرافيات مختلفة، تجر كل واحدة خلفها قصة مريرة، والهاربات من جحيم ما، اللائذات بظل امرأة يتسع بهو دارها للجميع، قبل أن تدور عليها الدوائر، وينفض من حولها الأقران، والأحباب، والرواد، والمنتفعين.
لا يحكي النص الروائي قصة وحسب، بل إنه يمرر رسالة مضمرة إلى القارئ، خاصة أن المحكي يغطي حيزا زمنيا ممتدا على طول نصف قرن وما يزيد
لا يحكي النص الروائي قصة وحسب، بل إنه يمرر رسالة مضمرة إلى القارئ، خاصة أن المحكي يغطي حيزا زمنيا ممتدا على طول نصف قرن وما يزيد، من خلال المؤشرات الزمنية التي يحتويها المتن، ويقدم تشريحا لشبكة العلاقات الاجتماعية، وآفاق تحولاتها تبعا للمنعطفات التاريخية التي عرفتها البلاد، كما أنه يرتبط بسياق مغربي مخصوص، مسلطا الضوء على الحالات والتحولات التي تطرأ على الهامش، والتبدلات التي تعرفها الشخصية المغربية تفاعلا مع المعطيات المتجددة. فقد توقف المحكي عند تطور دور الدعارة، من البورديل في بداية عهد الحماية، ثم إلى ما يسمى ببوسبير في عز الفترة الاستعمارية، ثم الماخور على الطريقة المغربية عقب الحصول على الاستقلال. وقد تمّ ذلك كلّه، بوعي سوسيولوجيّ، ونظرة ثاقبة لمضمرات السلوكيات والأقوال والأفعال، فكان الروائي ينتقي منها ما هو دال، ومفصلي في النسيج المجتمعي، بخبرة متناهية لا تتأتى إلا لإثنوجرافي سبر غور القاع، وتعرف خباياه. الشيء الذي يجعل من هذه الرواية النقدية ذات الطابع التشخيصي جديرة بالتعبير عن تطور أنساق المجتمع على مدى عقود من الزمن، ليس من خلال نظرة اجتماعية أو فلسفية أو أخلاقية أو علمية محددة، ولكن انطلاقا من نظرة شمولية، وإن كانت تبئر محكيها على حالة معينة، كما أنها بتركيزها على تفكيك بنى التفكير الأسطوري الثابت والحركي للمجتمع، فُتح لها أفق حفز الحركة الخيالية المكشوفة للتغيرات المؤثرة على العلاقات المتبادلة بين البشر، سواء في الحالة السانكرونية، أو في الحالة الدياكرونية لتعاقب الأجيال، وصراعها داخل مجتمع مقبل على إفلاس كلي، وكأنها تقدم للقارئ شهادة أصلية منبثقة عن القاع المجتمعي، خالية من الالتباس والنفاق.
يضعنا المحكي الروائي أمام لعبة المصائر المأساوية لشخصيات عاشت حيوات حبلى بالتعاسة والمعاناة، وكانت نهاياتها تراجيدية. وتنبثق غرابة المكتوب في هذه القصص الأليمة من كون الشخصية تستيقظ على الفاجعة، بدون تخطيط مسبق، أو تهيء لاستقبال هذه المحن المترادفة التي لم يكن للشخصية، في كثير من المواقف، ناقة فيها ولا جمل، إذ يكاد هذا الحكم ينصرف على أغلب الشخصيات بدون استثناء، حيث ذواتها داخل دوامة مجتمعية لا ترحم، وتصادف قيام الزوبعة فتنخرط فيها بالزج، وتظل الأمواج تتقاذفها ذات اليمين وذات اليسار حتى ترديها في مزبلة التاريخ بلا شفقة، بدون مراعاة لهشاشتها، ولا للسياقات الصعبة التي ساقتها إلى حلبة المحن المتتالية. يقول السارد، واصفا الحالة المزرية التي تكون عليها شخصية الفتاة، قبل أن تقصد الماخور: «والله لا أظن أن واحدة منهن اختارت تلك المهنة طوعا.. خاصة البنت نوال بالذات…
تقصد نجية الزرهوني طبعا… أليس كذلك؟
نعم هي بالذات.. تحير من لا يحار في الظاهر وحسب، أما في الحقيقة، فالمسألة في غاية البساطة، لقد التقطتها الزاهية، وهي كالمشردة في محطة القطار، كانت تبكي، ولا تعرف ماذا تفعل بنفسها.. أخذتها إلى الحمام، وألبستها ثيابا نظيفة، وكلفتها ببعض الأشياء الصغيرة في منزلها، وأبدا لم تجبرها على فعل شيء مما تفعله البنات، وينلن عليه أجرا).
ولعل شخصية الوسيطة، وشخصيات الفتيات اللائي يقبلن على ماخورها، بوصفه ملاذا وحيدا يقيهن عريهن الذي وضعتهن فيه المصائر الغامضة، وساقتهن إليه ظروف اجتماعية ونفسية مختلفة، فبعد الإيقاع بهن فريسة لحظة ضعف قاسية، من طرف أقارب أو أشخاص من المحيط الذي يعيشون فيه: (أب، أخ، زوج، عشيق، خطيب، صديق) تتخلى عنهن الحاضنة الاجتماعية بصلف، وتتنكر لهن تحت سبة حفظ الشرف والامتثال للتقاليد والأعراف العتيقة. وتنفتح أمامهن فوهة الجحيم المجتمعي القاهر، التي لم يضعنها في الحسبان، وعودهن طري، لا يتحمل هذه القسوة بعد، فلا يجدن من يرحمهن سوى ماخور السيدة، التي تفتح لهن أحضانها، وتحن عليهن، لكنها من جهة ثانية، تورطهن في جحيم آخر، بانتمائهن إلى عالم الدعارة المحرمة، وبقدر ما يتكبدن من جراح نفسية وجسدية من أجل العيش، فهن يقدم خدمات جنسية لساكنة القرية، خاصة لأولئك العزاب والهاربين من ضائقة بيت الزوجية، والباحثين عن حضن لعيش لحظات ماجنة في الظل، وتقديم أجسادهن وكرامتهن بسخاء شديد، فهن أيضا يتلقين الطعنات والتهجمات، وتُكال لهن اللعنات والشتائم، بالقدر نفسه، وينبذن سرا حتى من قبل من ينعم بخدماتهن، ويتعرضن لمضايقات السلطة من جهة، ومضايقات المجتمع من جهة أخرى، وعتاب الضمير الذي يحسسهن بأنهم يرتكبن الجرم تلو الجرم، وأن اللعنات تلازمهن حيثما ولين أوجههن. لكنهن يواجهن كل ذلك، تحت القيادة الحكيمة لسيدة البيت، التي تجد لكل مشكل حلا، وتعرف بخبرتها التي تعلمتها عبر عقود من معلماتها، وصديقاتها السابقات، ويواصلن عملهن المضني، وأعينهن على أفق يخرجهن من هذه المتاهة.
تنهي الرواية مسارات أغلب شخصياتها بشكل مأساوي، كأنها تدين على غرار الروايات العالمية الكبرى، حالة انتكاس القيم الأصيلة، وحالات القمع الفظيع، وحالات التشرذم اللاإنساني للزمن الإنساني الكفيل بتوسع دائرة الوعي: فشخصية الزاهية التي قضت حياتها قائدة لماخور ذاع صيته، وكان لها ما كان من صداقات مع شخصيات بارزة في مجالات السلطة والمال والأعمال، تقضي بقية عمرها متعفنة في السجن، وحلومة التي جالت العالم، وأتقنت اللغة الفرنسية مثل سيدة باريسية، وأسرت ألباب العشاق، ينتهي بها المسار السردي مجنونة تتسول ما تقتات به، ينهشها الشارع، وعيون المارة، وشفقة الناس، تلتحف السماء، وتفترش الأرض، وتقضي نهاراتها ولياليها في العراء، بدون أن تجد أدنى رعاية من الناس والمجتمع. أما موح، الذي أفنى عمره في المدينة، هائما بحب الزاهية، فقد غادر إلى البلدة أم الرأس، ليتزوج فتاة أمازيغية من قريته، نزولا عند رغبة أمه، تجنبا لسخطها، متناسيا حبه الأول، وذاكرته الحافلة بالمدينة، فيما انتهى المقامر اليهودي شمعون إلى الانتحار غرقا بعد إفلاسه، وتورطه في عمليات مالية محرمة. غير أن تركيز المحكي كان مسلطا على شخصيات الماخور (الوسيطة، وبناتها)، راسما مآسيهن بدقة متناهية، فهن لم يخترن مصيرهن، بل كتب عليهن تحت ضغط الهشاشة، والضعف، والفاقة، فوجدن أنفسهن متورطات تدريجيا، من وضع صعب إلى وضع أصعب، ومن حالة ضيق إلى حالة أشد وطأة، في غياب السند المجتمعي الذي بإمكانه وقايتهن من المزالق، والمطبات المترصدة في قاع يحفل بالرذيلة.
الرواية، بهذا المعنى، لا تقدم لنا صياغة انعكاسية للمجتمع الذي ترسمه، بشكل إبداعي يستند إلى الخيال، فهي ترهن قراءة احتمالية لحركية مجتمعية متغيرة، وإن كانت تشوبها بعض الثوابت
تحفل رواية «بنات ونعناع» بغنى الدوال والمدلولات، وتتداخل فيها الأنساق الجمالية والثقافية، ما يجعلها متعددة المداخل، مفتوحة الأبواب على المقاربات المتنوعة، وهذا يعود بالأساس، إلى طبيعة الوعي المشتغل على مستوى النص، الذي لم يترك جانبا من جوانب الخطاب إلا وخصها بلمسة فنية وفكرية، تنسجم والمنطلقات الأبستمولوجية المؤطرة لهذا الوعي وغاياته وأهدافه، لذلك فمهما اجتهد الباحث فيها عن بعد من أبعاد البناء السردي، أو التكنيك الجمالي، أو الهندسة الفكرية، يجد نفسه قاصرا عن الإحاطة بكل صور هذا البعد وتجلياته، وكأن المحكي يحرص على أن يضع أمام المتلقي عالما مكتملا من الإشارات، والرؤى، والتفاعلات، والاختيارات والمواقف، بشكل مكثف ومتداخل. ذاك أن الرواية تعد بحق، البنية الأدبية الزمنية الإبداعية، المعبرة بلغتها السردية، عن الوعي التاريخي، المعرفي، الوجداني، القيمي، بهذه المراحل التاريخية الجديدة، بكل ما يتسم به هذا الوعي التاريخي من اتساع وعمق، وتراكم والتباس، واشكالية وتأزم، وتطلع ومواقف ودلالات مختلفة.
إن الرواية، بهذا المعنى، لا تقدم لنا صياغة انعكاسية للمجتمع الذي ترسمه، بشكل إبداعي يستند إلى الخيال، فهي ترهن قراءة احتمالية لحركية مجتمعية متغيرة، وإن كانت تشوبها بعض الثوابت، إذ تعمل على الهجس بعوالم محتملة، وأسئلة تقض المضاجع، وتظل قائمة على الرغم من تحول الزمن، وبأشكال مختلفة، وبقدر ما يبدو هذا العالم غير صحيح من منظور جمالي، فإنه يجعل القراء قادرين على لمس هذا الواقع، ورسم حدوده الملتبسة والمتداخلة والغامضة، أي أنه يخبرنا بأشياء حقيقية دوما، وإن كانت العلاقة بين المتخيل والواقع ليست مرجعية بشكل دقيق، فالروائي يوظف خبرته الميدانية لتسليط الضوء على العلاقات والسلوكيات، وحالات الاستيلاء والاستقبال، وحتى حالات إعادة صياغة الخيال في المجتمعات الحاضنة.
ولئن كانت الرواية قد ركزت على إضاءة عالم معين من حياة الإنسان، فإن اختراق هذا العالم المعتم جعلها بوعي أو بغيره، تصور عوالم موازية تتداخل مع العالم المقصود (عالم المواخير)، ليصبح «البورديل» مركزا للكون الروائيّ، وإن بدا، في كثير من الحالات، فضاء مهمشا، منبوذا، وسيئ السمعة، لكن العلاقات المتينة التي تصله بباقي العوالم؛ تعيد له وجاهته بشكل ملتبس وملغوم، علما أن من يسهرن عليه، وينشطنه تؤول بهم مصائرهن إلى نهايات تعيسة، وتراجيدية، فيما يظل من يجني تلك المتع يتفرج على هذه المآسي، وكأنه عنصر محايد تماما في تلك القصة.
٭ ناقد مغربي