«داعش» آلة حرب لا يمكن هزيمتها عسكريا ولكن بتوافقات أطراف اللعبة في الخارج والداخل

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: يثور تساؤل في الأوساط البريطانية عن معنى مشاركة بريطانيا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، وما هو الإطار السياسي لها.
فقد حصل ديفيد كاميرون على تغطية سياسية جيدة من البرلمان الذي صوت 524- 43 صوتا وهي نسبة كبيرة مقارنة مع الهزيمة التي مني بها العام الماضي عندما عرض مشروع المشاركة العسكرية أمام المشرعين البريطانيين للمشاركة في عقاب الرئيس السوري بشار الأسد الذي استخدم السلاح الكيميائي ضد أبناء شعبه في الغوطة.
ويحظى رئيس الوزراء البريطاني بدعم شعبي واسع، فمعارضة البريطانيين للضربة تراجعت بسبب ممارسات المذابح التي ارتكبها «داعش» والطريقة البشعة التي ذبح فيها صحافيين بريطانيين وعامل إغاثة بريطاني.
ولم تتعد المعارضة في المعسكر المعارض للحرب سوى استقالة وزيرة الظل في حزب العمال روشانارا علي، النائبة عن منطقة بيثنال غرين( شرق لندن)، ومع ذلك فقد تجد حركة «أوقفوا الحرب» مبررا لتفعيل معسكرها حالة بدأت أعداد الضحايا المدنيين بالتزايد أو تطورت العملية العسكرية الجوية لحرب برية شاملة ضد التنظيم الجهادي الذي يتلقى ضربات في العراق وسوريا من طيران الدول المتحالفة ضده.

خيار من لا خيار له

وترى صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية أن الناشطين في حملات ضد الحروب السابقة مقتنعون أن الحرب هي الطريقة الوحيدة لوقف المذابح التي يرتكبها التنظيم ضد الأقليات الدينية والعنف الممارس ضد المرأة. وتنقل عن الباحثة العراقية في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (ساواس) نجدة علي، «للمرة الأولى لدي شكوك» ولكنها لا ترى أي «خيار يمكن استخدامه لمنع خسارة كبيرة في الأرواح» وعملت علي مع عدد من الناشطات على إنشاء منظمة «معا: تحرك المرأة من أجل العراق». وعارضت علي بشدة غزو عام 2003 ولا وهم لديها من مخاطر الغارات الجوية وأثرها، لكن لا ترى اي بديل لحماية أرواح المدنيين وتجنب الكارثة الإنسانية «نحن نختار بين السيء والأسوأ». مضيفة «أعرف أنه كلما طال أمد الغارات الجوية ازدادت فرص سقوط الضحايا المدنيين».
ويرى بن بيج، مدير معهد الإستطلاعات «موري» أن شراسة «داعش» وعمليات الذبح التي قام بها ونشرها على الإنترنت ساعدت في تغيير الرأي العام الذي وقف إلى جانب الحكومة. وتساءل بيج قائلا «هل يعتقد كل واحد أننا سنقوم بحل المشكلة، ربما لا، ولكن هناك شعور بالغثيان على ما حدث» وهو ما دفع الرأي العام لدعم العملية العسكرية.
وأضاف بيج « في كلا البلدين بريطانيا والولايات المتحدة، لديك الآن ما بين 65% إلى 71% من الرأي العام يقول إنه يدعم قرار الحكومة ضد داعش».
وهو دعم كبير مقارنة مع مواقف الرأي العام من حروب سابقة في أفغانستان والعراق. ومع ذلك هناك خوف من تراجع دعم الرأي العام حالة استمرت الحرب «المحدودة» لأمد طويل، فالولايات المتحدة ومن معها يريدون نتائج سريعة وحربا قصيرة لكن «داعش» وغيرها من الجماعات الجهادية تريد جر أمريكا لحرب طويلة لا نهاية لها، وعندها سيتأثر الرأي العام وقد يغير مواقفه.

طول الحرب

كما تعترف الطبقة السياسية التي تخوض الحرب وصدقت عليها أن الحرب ليست مسألة أيام أو أشهر بل قد تستمر لسنوات، وصورها كاميرون وقادة الولايات المتحدة بأنها حرب أجيال وسيتم حسمها في النهاية ليس في ساحة المعركة ولكن من خلال حرب الأفكار.
وتنقل الصحيفة عن صحافي سوري، غياث الجندي موقفه من الغارات التي قال إنها «خيار مر» ولكنه يعترف بغياب الخيارات لاحتواء «داعش» مؤقتا. وعبر عن شكه من السياسة الحالية وغياب الإستراتيجية.
ويرى محللون سياسيون أن الغارات الجوية قد تدمر قدرة «داعش» العسكرية لكنها ربما زادت من شعبيته بين السكان. ويرى تشارلس تريب، استاذ العلوم السياسية في جامعة لندن والمتخصص في العراق والشرق الأوسط «في المدى القريب يمكننا النقاش بوجود حاجة لعمل عسكري حاسم»، وعلى المدي البعيد أو المتوسط يقول تريب «فأنت تقوم بتعزيز حالة من الحنق تربط من هم غير ملتزمين أيديولوجيا بالمنظمة» أي «داعش».
ومن بين الذين يرون أن الغارات لن توقف «داعش» كانت روشانارا علي التي استقالت من منصبها كمسؤولة عن ملف التعليم في حزب العمال حيث عبرت في رسالة استقالتها لأيد ميليباند، زعيم الحزب أن «لا شك في فظائع وبربرية داعش، وأشارك بقية المواطنين في هذا الشعور، ومع ذلك فأنا لست واثقة من قدرة الغارات، على المدى القصير في استهداف الإرهابيين وليس التسبب بالأذى للمدنيين، ولا يمكنني أيضا التظاهر بوجود استراتيجية طويلة الأمد» للقضاء على التنظيم الجهادي هذا.
ولم يمنع دعم الغالبية حركة «أوقفوا الحرب» من التظاهر يوم الخميس، حيث لم يتجاوز عدد المشاركين 300 وقالت المنظمة ان الغارات لن تعمل إلا على زيادة مشاعر التطرف وتدمير أكثر العراق. وبحسب ليندزي جيرمان، احد منظمي حملة «أوقفوا الحرب» «من الواضح هناك انقسام، وأن هناك حاجة لعمل ما ضد «داعش»، لكننا نرى أنه، على الأقل، جزء مما ارتكبناه في الماضي من أفعال، وقرار ضربه لن يحل المشكلة».
ويتوقع جيرمان تغير مواقف الرأي العام «مع أن هناك موقفا مؤيدا للحرب لكن هذا سيتراجع عندما يشاهد الناس النتائج».
ويقول بيج من معهد موري إن المزاج العام يتغير بسرعة، فرغم احتجاج مليون شخص في لندن ضد غزو العراق لكن قرار توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني المشاركة في الحرب لقي دعما من بعض القطاعات في داخل المجتمع، وتبخر هذا الدعم بعد اكتشاف الرأي العام أن القتال سيطول ولم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل، مبرر الحرب.

جون بريسكوت يحذر

وفي هذا السياق انتقد جون بريسكوت، نائب رئيس الوزراء في حكومة بلير 1997- 2007قرار البرلمان ودعا النواب للتفكير وقال في عموده الإسبوعي بصيحفة «صنداي ميرور» «عشت كل لحظة في مرحلة ما بعد غزو العراق» و»التاريخ يعيد نفسه».
وقال بريسكوت أن دما عربيا كثيرا سفح فيما سفك دم البريطانيين في أفغانستان والعراق. وعلق بريسكوت على مبررات رئيس الوزراء «يقول كاميرون علينا ان لا ندع الخوف يقيدنا، ولكن ماذا حدث قبل 11 عاما، ونقاد مرة أخرى من قبل الولايات المتحدة، فهذه الحرب ليست حربنا ولا حربهم، وها نحن مرة أخرى في حرب جديدة في الشرق الأوسط، والعدو اليوم ليس طالبان أو صدام حسين ولكن الدولة الإسلامية، وهذا نزاع ديني إقليمي يجب أن نترك حله للدول العربية».
وانتقد بريسكوت توني بلير. فرغم موافقته على أن الغارات لن تحل مشكلة «داعش» إلا أنه رفض دعوة رئيس الوزراء السابق إرسال قوات برية لأن هذا يعني تورطا وحربا طويلة. لكن قائد القوات المسلحة البريطانية السابق الجنرال ديفيد ريتشاردز (لورد ريتشاردز) يطالب بإرسال قوات برية.

قوات برية

ففي تصريحات لصحيفة «صنداي تايمز» تساءل الجنرال ريتشاردز عن المدة التي ستواصل فيها الطائرات البريطانية قصف داعش «ثلاث سنوات، خمس سنوات؟» ومدى تسامح الرأي العام معها. ويرى إنه لو بقي تنظيم داعش لمدة ثلاثة أعوام قادمة فلا مجال إلا لإرسال جيوش غربية. مما يعني أن الخطة لتدريب القوات العراقية والبيشمركة فشلت.
ووجه حديث الجنرال البريطاني السابق هو أن الغارات لا تستطيع استعادة الأراضي التي يسيطر عليها داعش لكنها «تضرب عناصر في قوته». جاء هذا بعد عودة سرب من طائرات «تورنيدو» البريطانية من أول مهمة لها فوق العراق وقد فشلت بتحديد هدف لضربه.
ونقلت «صنداي تايمز» عن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قوله إنه سيحاول تقديم قضية للرأي العام البريطاني حول إمكانية تمديد العملية لتشمل سوريا. وقال إنه تلقى نصيحة قانونية وتشير بشرعية المشاركة بناء على القانون الدولي. وقال كاميرون «ندعم ما تقوم به الولايات المتحدة والدول العربية، وهناك تعقيدات ولكن لا توجد صعوبات قانونية».
وحول طلب زعيم حزب العمال إيد ميليباند، استصدار قرار يشرعن المشاركة في سوريا، قال كاميرون إنه هناك صعوبة للحصول على قرار «فهناك الفيتو الروسي». وبالعودة للجنرال ريتشاردز الذي كان قد اقترح أثناء قيادته للجيش خطة تدريب وتسليح جيش للمعارضة السورية حتى يتمكن من الإطاحة بنظام بشار الأسد، يعتقد الجنرال إن جيوشا نظامية كتلك التي جيشها الغرب للإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 كفيلة بإنهاء تهديد «داعش».
وانتقد الجنرال اعتماد قوات التحالف الأمريكي على الغارات الجوية مؤكدا أن استعادة الاراضي التي بيد داعش لن تكون إلا عبر قوات نظامية.
مضيفا «أفعل طريقة لتحقيق هذا هو استخدام القوات النظامية مع أنني أتفهم السياسة» التي تمنع إرسال قوات إلى العراق. وتشير «صنداي تايمز» أيضا أن الغارات قد لا تؤدي فعلها بعد نفاذ الأهداف وتكيف داعش مع الوضع، وأضافت أن التنظيم قلل من استخدامه عربات وقوافل «البيكب» ولم يعد يظهر في الطرقات المفتوحة.

غياب استراتيجية

وأهم ما تعاني منه الإستراتيجية الأمريكية ومن مضى معها أنها لا تجيب على سؤال ماذا بعد الضربات الجوية؟ فالولايات المتحدة تقول إنها لن تستطيع هزيمة «داعش» نهائيا والأمر متروك للاعبين الإقليميين لتحقيق النتيجة التي ترغبها أمريكا والدول الغربية.
وذكرت هنا صحيفة «نيويورك تايمز» بحربي اليمن وليبيا حيث يسير هذان البلدان نحو الفشل، وقالت إن نواب الكونغرس بدلا من التعلم من دورس التدخل الأمريكي فيها يركزون على أهداف ضيقة وهي رمي القنابل على «داعش».
فرغم ما حققته الحرب في ليبيا من نجاح واسقاط نظام معمر القذافي إلا أن غياب خطة اليوم التالي أدخل البلاد في حرب أهلية، وهو ما دعا الرئيس أوباما التعبير عن ندمه في حديث مع توماس فريدمان لعدم مساعدته في بناء ليبيا جديدة.
واعتبرت الصحيفة مقارنة اوباما حربه ضد «داعش» بحملته في اليمن ضد «القاعدة» أمرا غير موفق فقد سيطرت «عصابة شيعية على معظم العاصمة صنعاء».
ويرى باتريك كوكبيرن في «إندبندنت أون صنداي» أن الغرب يخطىء كما فعل عام 2003 ويتورط في سلسلة من الحروب المتداخلة، لدى كل لاعب فيها أجندته الخاصة غير تلك التي يتظاهر بها. ويشير هنا تحديدا للموقف التركي من سوريا والذي يركز ومنذ انتفاضة عام 2011 على الإطاحة بنظام الأسد وإضعاف الأكراد السوريين.
ويرى أن موافقة الحكومة الأمريكية على السياسة التركية يكرر اخطاء ما جرى في افغانستان بعد عام 2001 حيث فشلت في الرد على دعم الباكستان الخفي لطالبان.

خداع النفس

ويقول الكاتب إن مشاركة بريطانيا رمزية في هذه الحرب ومن هنا محدودية ما يمكن تحقيقه عبر الوسائل العسكرية.
فرغم التحليلات المبالغ فيها من قبل زمرة «الخبراء» إلا أن «داعش» يظل حركة جهادية تعتمد على حرب العصابات وقد تعود على القصف من قبل الطائرات الأمريكية والعراقية والسورية.
ويجب أن نتذكر كما يقول إن الولايات المتحدة كان لها في عام 2007 أكثر من 150.000 جنديا وأسطولا جويا في العراق، ومع ذلك فشلت في سحق تنظيم «القاعدة» ولا يوجد أي سبب يدفعنا للتفكير بطريقة مختلفة هذه المرة. ويرى الكاتب أن أهمية الغارات الجوية تكمن بمنعها تقدم «داعش» نحو إربيل في آب/أغسطس وكوباني في سوريا هذه المرة، وأبعد من هذا الدور الفعال والمهم فقد تتحول الغارات إلى عامل سلبي في الحرب على «داعش». ويضيف كوكبيرن أن هذا حالة من خداع النفس والجهل الذي يصبح خطيرا لدى المسؤولين البريطانيين والأمريكيين ممن يعتقدون أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة ستحل مشاكل العراق. فتدريب قوات البيشمركة والجيش العراقي سيؤدي كما يعتقدون لتقدمها في مناطق السنة الذين سيرفعون أيديهم مرحبين بها.
وكل هذا غير صحيح، فالحكومة الجديدة لحيدر العبادي لا تختلف عن السابقة بفارق أنها لا تعبر عن طائفية بشكل واضح مثلما عبرت حكومة نوري المالكي. ولا تزال حكومة بغداد تعتمد على الميليشيات الشيعية التي تديرها إيران.
ويشير كوكبيرن للطريقة التي تتصرف فيها الميليشيات وقوات البيشمركة. فبعد سقوط صدام عام 2003 وتقدم المقاتلين الأكراد بغطاء جوي أمريكي نحو الموصل حل محل الفرح برحيل صدام خوف وغضب لكون الأكراد هم الذين يديرون المدينة.
ويدعو الكاتب بريطانيا إضافة لإرسال طائراتها الى القيام قدر استطاعتها واستئناف المفاوضات بين اللاعبين الرئيسيين في الخارج ممن لهم علاقة بالأزمة في العراق- سوريا، ويجب أن يشمل هذا الولايات المتحدة، روسيا، السعودية وإيران.
إضافة للاعبين الداخليين مثل الحكومة السورية، أكراد سوريا، الجماعات السورية المعارضة غير «داعش». فالطريقة الوحيدة لدحر «داعش» وللأبد هي العمل على تخفيف حدة التصعيد في الأزمة بحيث لا يشعر أطراف الأزمة أنهم يخوضون معركة حياة أو موت. ف «داعش» كما يقول «آلة حرب» وطالما استمرت الحرب فلا يمكن هزيمته.

دبلوماسية

وهو موقف الصحيفة نفسه في افتتاحيتها. فقد قالت «إندبندنت أون صنداي» «نحن لسنا ضد الغارات لكن امنحوا المفاوضات فرصة». وتقارن بين موقفها اليوم ومعارضتها لحرب عام 2003 حيث قال «الجلوس وعدم اتخاذ الفعل كان الخيار الصائب عام 2003» لكن ليس اليوم في حالة «داعش»، مع أن دعمها لاستخدام القوة العسكرية مشروط بالدفاع عن الحياة الإنسانية وحقوق الإنسان.
وتعتقد في مشاركة بريطانيا «رمزية» وتأتي بعد حملة مستمرة منذ أسابيع بدون أثر واضح على «داعش» و»كل ما يمكن قوله عن الغارات الجوية إنها قد تتسع في وقف «داعش» وحلفائه ومنح الدبلوماسية فرصة».
ولاحظت الصحيفة أن دعم البريطانيين للغارات حسب استطلاع نظم خصيصا لها أظهر ان نسبة 45% تدعم مقابل 26% لا تدعم وهي نسبة لا تعبر عن موقف الغالبية.
ولا شك في أن موقف الرأي العام تأثر بقتل الرهائن وأشرطة الفيديو، ولكن علينا التذكر كما تقول بأن هذه الأشرطة صممت لاستفزاز رد الغرب ودفعه لاتخاذ فعل عسكري وهو ما يفعله الغرب اليوم. فالمسألة ليست إن كان «داعش» حركة شريرة ولكن ماذا سنفعل من أجلها. وتعتقد الصحيفة ان حملة جوية ناجحة تقتضي حلا سياسيا يستجيب لمطالب السنة وجيوشا على الأرض قادرة على مواجهته وهذا غير متوفر لا في الجيش العراقي أو البيشمركة. وذكرت الصحيفة بليبيا ومخاطر الغارات الجوية التي حققت الإطاحة بمعمر القذافي لكنها تركت البلاد تعيش حالة من الفوضى منذ ذلك.
ومن هنا «فنحن لسنا ضد الغارات الجوية، فهي ليست مهمة، المهم هو العمل الصعب للمفاوضات».

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية