عادت موجات سخط السودانيين من جديد في مواجهة النظام البائد عقب اعتذار التلفزيون القومي الأربعاء عن عدم إمكانية بث الحلقة الخامسة من مسلسل “المال والحب” نسبة لتلف لحق بأشرطة العرض التي تضررت بسبب سوء التخزين، ووجه الكثير منهم أصابع الاتهام بمحاربة الحكومة السابقة للفنون مطالبين بفتح هذا الملف ومحاسبة المتورطين.
وبدأت الحكاية عندما كشف مدير إدارة البرامج السر السيد بالتلفزيون عن إشكاليات فنية كبيرة في المواد المسجلة داخل مكتبة التلفزيون وأعتذر عن بث الحلقة المذكورة من المسلسل الذي أنتج في الثمانينيات. أثناء حديث السر الذي بُث على ذات الشاشة كانت الكاميرا تجوب إرجاء المكان “المكتبة المرئية” وتوضح حالة الإهمال التي تسببت فيها إدارة التلفزيون السابقة للنظام البائد وتبين مدى الفوضى واتساخ المكان.
وقال السر: إن إتلاف الأشرطة كان أحد أوجه الدمار المتبعة التي قام بها النظام البائد مطالباً الحكومة والشعب السوداني بتحمل المسؤولية التاريخية والعمل على حماية ذاكرة الأمة والإرث الموجود داخل هيئة الإذاعة والتلفزيون السودانية.
عدم بث حلقة المسلسل اليومي فتح السيرة عن محاربة نظام الإنقاذ للفنون والسياسات التي كانت تتبعها في ذلك، وما أثار السخط أكثر، تداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي “فيديوهات” أخرى التقطها المخرج وجدي كامل الذي رافق الشاعر عالم عباس في زيارته الأولى للمجلس القومي للثقافة والفنون بعد أن تم تعيينه مؤخراً أمينا عاما له. ووضحت “الفيديوهات” كيف تم تحويل مقر المجلس إلى مكب للكتب والأعمال الأدبية التي أنتجها أعلام المثقفين والكتاب والتشكيليين السودانيين.
محاربة الانقاذ للفنون
ولعل قضية محاربة نظام الانقاذ للفنون موضوع شائك وطويل، لأن الثلاثين من حزيران/يونيو 1989 لم يكن تاريخاً عادياً في ذاكرة الناس، ففي منتصف ظهيرة ذلك اليوم كانت الإذاعة السودانية تثب أغنيات ذهبية عبر حناجر مغنين “معتقة” بالإبداع فجأة انقطع بث الإرسال وعاد بعد ثواني لكن هذه المرة على ايقاعات المارشات والإعلان عن قرب بيان عسكري مهم. ويقول النقاد إن هذا الانقطاع لم يكن لثوان وإنما كان انقطاعا تاما بين حقبة كانت وأخرى آتية. حقبة اختتمت بالأغنيات وأخرى بدأت بإيقافها لإتاحة المساحة للكذبة التاريخية “الضباط الأحرار”.
ويقول بعضهم أن انقلاب البشير بالنسبة للوسط الغنائي كان (نذير الشؤم) ليس لأن المبدعين من الفنانين هم أول الذين تم إسكات أغنياتهم، فقط بل صادفت تلك الساعات وفاة أحد عمالقة الفن السوداني الفنان عبد العزيز العميري ليرتدي الوسط أولى “جلابيب” الأحزان والخوف من أيام قادمات كانت مطالعها تجاهل الناس عن تشييع مغني طالما أبدع وأمتع وشغل الساحة.
ورصد متابعون أن فترة الحكم الأولى ـ مطلع التسعينيات ـ أتسمت بسيطرة جماعات الهوس الديني التي أعادت الجدل المتجدد عن تحريم الغناء وأسلمة الفنون التي كانت تتم على شاكة إزالة التماثيل من شوارع العاصمة، تحديد سقف زمني للأفراح ووضع رقابة صارمة على المنتجات الأدبية وإيقاف بث كل الأغنيات التي تأتي فيها سيرة الخمر والقلوب والخدود والمحبوب وإعادة ضبط كلماتها وفقاً لما يتماشى مع أيديولوجية النظام .
وعن تلك الفترة ومحاربتها للفنون كتب المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي “أن مشروع الإنقاذ وبعدها المؤتمر الوطني في تلك الفترة تمثل وتجلى في شيئين، معاداة أمريكا وروسيا في الغرب وجلد محمود عبد العزيز في الداخل”.
ويذكر أن الفنان محمود عبد العزيز من الذين تعرضوا إلى حملة إرهابية شرسة من قبل نظام الإنقاذ الذي كان يعمل جاهداً على محاربته خوفاً من أن يصبح أيقونة للشباب لأن أسلوب حياته لم يكن يتوافق مع التوجه الذي كانت تتبناه الدولة. محمود عبد العزيز وقف وحيداً في الميدان وبشجاعة يحسدها عليه حتى المرتادين لبيوت الأشباح. كان محمود كما وصفه الكاتب محمد فرح وهبي في كتاب “سارق الضوء”: “مثل الذي انبثق كزهرة جميلة وسط صحراء قاحلة تنفح بعطرها الشباب والناس الذين أزكمتهم روائح المشروع الحضاري، حيث ان ما يخرج من حنجرته وأسلوب حياته كان أول معول يهدم في ذاك المشروع ويؤكد موته على ضفاف أغنيات يا مدهشة ولهيب الشوق وبعض أحياء زمان الطرب الأصيل”.
العبث بالذاكرة
كثيراً ما كان يقوم نظام الإنقاذ بمصادرة الأعمال الفنية أو بترها من خلال مقص الرقيب، المصادرات كذلك كانت تشمل الدور الثقافية مثل إغلاق اتحاد الكتاب مراراً وإغلاق بيت الفنون ومضايقة مراكز أخرى، فضلاً عن كبت الحريات الشخصية وهناك حكايات طويلة عن اعتقالات المبدعين وتهديدهم. بل وامتدت أياديهم للعبث بالذاكرة مثل ما حدث في مكتبة تلفزيون السودان التي تحدث عنها مدير البرامج الجديد السر السيد.
وظلت الأنباء تتردد طوال العهد السابق عن إهمال مقصود للمورثات المسجلة بالتلفزيون والإذاعة وصاحبتها حالات مسح وإتلاف متعمد خلال تعاقب الإدارات المختلفة.
وفي السياق كشفت المتابعات عن قيام عدد من الإعلاميين مثل إدمون منير وعمر الجزلي بالتوثيق لإنتاجهم من البرامج في منازلهم بالمجهود الشخصي وذلك لاعتقادهم بإمكانية تعرض تسجيلاتهم للتلف أو المصادرة والمسح بسبب أفكار ومعتقدات الإسلام السياسي المناهضة للفنون .
وكان قد استضاف المركز القومي للإنتاج الإعلامي قبل فترة من سقوط نظام الإنقاذ في نيسان/أبريل الماضي الطيب مصطفى الذي عمل مديراً للتلفزيون السوداني في بدايات حكم الإنقاذ الأولى، ورداً على سؤال حقيقة مسح الأشرطة ومدى ندمه على هذا الفعل؟ لم يبد الطيب أي شعور بالأسف بل أقر بانه كان يسعى حثيثاً لذلك وقال إنه عمل على “أسلمة التلفزيون القومي” وأشار بأن ذلك تم عبر منهجية وسطية وليست متشددة ضارباً مثالا بالأغنيات التي ترى بعض المرجعيات الدينية أنها حرام.
وكشف الطيب انه أبان توليه إدارة التلفزيون كان قد قام باستدعاء فنانين مثل حمد الريح وسيد خليفة وطلب منهم إجراء تعديل لبعض الأغاني “سمكرة” مثل تلك التي تقول (حليلو قال ناوي السفر خلنا نلعن في القدر) مبرراً بأن لعن القدر لا يجوز.
الطيب مصطفى خلال الندوة التي أشرنا إليها علق على هذا الأمر بالنفي بينما رفيقه في ذات المنصة وزميله في تلك الفترة في التلفزيون شرف الدين محمد الحسن أقر حدوث ذلك قائلاً: “هناك تلف حدث في أشرطة التسجيل خاصة في الفترة ما بين عام 1989 إلى 1993” رغم أنه عاد وقال أن أغلبه يعود لسوء التخزين ورداءة النوعية .
تهديد الوجود
ويقول الناقد والصحافي السوداني أيمن عبد الله كمون، إن حكومة الإنقاذ البائدة حاربت الفنون لأنها كانت تهدد وجودها المجتمعي وتناهض مشروعها الفكري المبني على التشدد وتجنيد المجتمع ونشر ثقافة الحرب والجهاد الكاذب ضد العدو الوهمي، وكانت الفنون المقاتل الوحيد الذي يقف في وجه مشروع الإخوان، لذا نجدها مارست ضدها وضد المبدعين أقسى أنوع الحروب والممارسات وسنت القوانين التي تحاربها وتحد من دورها وتحجم من أداء الفنانين.
وقال: “كانت شخصيات موهوبة وفنانة مثل محمود عبد العزيز أبو عركي البخيت ومجدي النور ومكي سنادة وسعد الدين إبراهيم تمثل تهديداً لإيديولوجيا الإنقاذ وإفشال مشاريع حلمها في السيطرة على العالم ودحض لمشوار طويل كانت الحركة الإسلامية تمني نفسها به”.
وأضاف: “هوس كهنتها وقادتها الكارهون للسلام والحب والقيم الإنسانية وضيوفهم من المتشددون كابن لادن وغيره يعتبرون الفن رجساً من عمل الشيطان ويرونه المهدد الوحيد لهم”.
ويرى كمون أن الإنقاذ سعى لمحو ذاكرة الفنون السودانية وتجفيف مكتبات مؤسساتها الإعلامية شروعاً منه في مسح الفنون التي تؤرخ وتحفظ الهوية الوطنية، لأن مشروع الإخوان قائم على تجديد فكر المجتمع ليتماشى مع فكر الحركة ولا يتم ذلك إلا بتغييب الناس ومسح هويتهم الوطنية.