لندن – “القدس العربي”: أصابت إدارة توتنهام الهدف، بتعيين الخبير البرتغالي جوزيه مورينيو في سُدّة حكم توتنهام، خلفا للأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، بعد شراكة مذهلة امتدت لنحو خمس سنوات، ليبدأ الفريق اللندني عهدا جديدا، على أمل أن يجني دانيال ليفي ثمار مشروعه الطويل، بإنهاء عقدة الديوك مع مناص التتويج، وافتقاره لشخصية البطل، التي حرمته من لحظات تاريخه في السنوات القليلة الماضية.
إفلاس بوتشيتينو
كان واضحا منذ فضيحة السقوط أمام بايرن ميونيخ بالسبعة في أحدث ملعب في أوروبا، أن رحلة بوتشيتينو في الجزء الأبيض للعاصمة اللندنية شارفت على الانتهاء، إذ جاءت بعد سلسلة من العروض المخيبة للآمال، باستثناء الفوز على ساوثهامبتون قبل المذبحة بثلاثة أيام، مثل الخروج من كأس كاراباو على يد مضيفه المغمور كولشيستر بركلات الترجيح، وبعدها عاد إلى نقطة الصفر، بالاستمرار على ما أنهاه الموسم الماضي، بنتائج سلبية لا تتحسن، وصلت في أسابيعه الأخيرة لحد جمع ثلاث نقاط فقط في آخر خمس مباريات، بواقع 3 تعادلات أمام واتفورد وشيفلد يونايتدعلى أرضه وفي “غوديسون بارك” أمام إيفرتون، مقابل هزيمتين على يد برايتون وليفربول، ما أودى بالفريق إلى الهاوية، باحتلال المركز الرابع عشر، بفارق أقل من 5 نقاط عن مراكز الهبوط، وما عقد مهمة البوتش في مبارياته الأخيرة، وصوله لمرحلة الإفلاس الكروي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والسبب عزيزي القارئ، اعتماده على نفس نهجه، بالإصرار على أسلوبه الضغط العالي، بدون مراعاة تقدم شباب الأمس في السن، ربما قبل عامين أو ثلاثة، كان بإمكان ديلي آلي وهاري كاين وكريستيان إريكسن، عدم التوقف عن الركض على مدار الـ90 دقيقة، لكن الوضع تغير بحكم الطبيعة البشرية مع تقدم أي شخص في العمر، مع ذلك، لم يغير فلسفته بتغيير أسلوب اللعب لطريقة تحترم وتتناسب مع عمر اللاعبين في المرحلة الحالية، لذلك لم تطبق أفكاره داخل الملعب كما كان الوضع في السنوات الماضية، وما زاد الطين بلة، حالة البرود التي أصابت اللاعبين من كثرة النتائج المحبطة وشعورهم بأن المدرب لم تعد لديه أفكار جديدة ليساعدهم على الخروج من المحنة، فكانت النهاية الحتمية والمنطقية إقالة المدرب، ولو أن توقيتها جاء في وقت مفاجئ، حيث كان الاعتقاد السائد في نهاية العطلة الدولية الأخيرة، أن بوتشيتينو سيحاول استغلال فرصته الأخيرة للنجاة من عاصفة الإقالات المنتظرة مع دخول فترة أعياد الميلاد.
أن تكون “سبيشال وان”
وضح تأثير جوزيه مورينيو على توتنهام، قبل حتى ظهوره للتحدث مع الصحافيين، لاحظنا الزخم الإعلامي غير المسبوق بالنسبة لتوتنهام، حتى في أوج لحظات نجاحه عندما ترشح لنهائي الكأس ذات الأذنين، بدليل اعتذار إدارة السبيرز على تلقي طلبات لحضور مؤتمر الأول، بعد اكتمال مقاعد الحضور، في المقابل، عقدت بقية المؤتمرات في هدوء تام وتغطية إعلامية ضعيفة للغاية، بما فيها مؤتمرا بيب غوارديولا وفرانك لامبارد لقمة مانشستر سيتي وتشلسي، وهذا يعكس قيمة “العلامة التجارية” لاسم “سبيشال وان”، وهكذا ضجة وبروباغاندا، كانت من الأشياء التي يفتقدها توتنهام، وكانت تجعله دوما يشعر بأنه لا يحظى بنفس اهتمام منافسيه الخمسة الآخرين، أما الآن وفي المرحلة المقبلة، سيكون توتنهام مادة صحافية دسمة، بفضل الرجل المثير للجدل، الذي تبحث عنه الشهرة وعدسات المصورين والصحافيين. دعك من أن هذا سيرفع قيمة العقود التجارية للنادي في قادم المواعيد، لكن الشيء البارز والواضح للجميع، أن المو يشعر وكأنه وُلد من جديد بشعار الديك اللندني، رغم أنه نفس الرجل الذي قال عام 2015 “لن أقود توتنهام أبدا في حياتي”، والسبب، أن الوظيفة جاءت بعد ابتعاده 11 شهرا عن مجاله المفضل خارج الخطوط وليس في الاستوديوهات ومع المكيفات، وأيضا هي فرصة لا تعوض أن تكون مسؤولاً عن أحد الستة الكبار في البريميرليغ في هذا التوقيت، ومن حُسن الحظ، تسلم مشروعا تم تجهيزه على مدار خمس سنوات، فقط يحتاج من يطوره ويُعيد ثقة اللاعبين في أنفسهم، ليواصل النادي رحلة صعوده وطموحه المشروع ليكون له ولو جزء بسيط من الألقاب في هذه الفترة الأنجح في تاريخه في العصر الحديث.
المشروع في أمان
سواء اتفقت أو اختلفت على مورينيو، يبقى بلغة الواقع والأرقام مدرب “صائد للألقاب”، أينما وطأت قدماه وفي أي مكان، جلب معه الكؤوس والألقاب، حتى تجربته المأساوية مع مانشستر يونايتد، خرج منها بمعجزة، بالفوز معه بالدرع الخيرية وكأس الرابطة واليوروبا ليغ، وبعد عام من رحيله، أثبتت التجربة أن ما فعله في “مسرح الأحلام” أشبه بالمعجزة، في ظل الوضع الصعب الذي يعيشه زعيم الإنكليز على المستوى المحلي، وهذا النوع من المدربين، هو ما كان يحتاجه السبيرز، ليضع قدماه على الطريق الصحيح نحو منصات التتويج، مدرب لديه جينات البطولات المفقودة في النادي برمته وليس في لاعبي الفريق الأول، وبطبيعة الحال، إذا سارت الأمور بشكل طبيعي، ففي أسوأ الأحوال سيحقق مورينيو حلم دانيال ليفي، بجلب بطولة للنادي عاجلاً أو آجلاً، حتى لو كانت تجربة مماثلة لتجربته الأخيرة، المهم أنه سيحل عقدة النادي، وسيحدث طفرة في كل قطاعات كرة القدم في النادي، بتعديل العقلية من توتنهام الممتع الجميل البعبع لكل الأندية، لتوتنهام الواقعي الذي يعرف طريق البطولات، والأمر المبشر في بداية التعارف بينه وبين “الليلي وايتس”، أنه أظهر ملامح من استعادة ميزته القديمة، بالتكيف مع نمط فريقه، على غرار ما فعله من قبل مع الإنتر، بقيادته للثلاثية التاريخية عام 2010 بطريقة دفاعية بحتة، والنقيض تماما مع ريال مدريد، حيث لعب معه كرة قدم هجومية، يعتبرها البعض حتى الآن، الأكثر إمتاعا في هذا العقد، فقط انفلت العقد منه قليلاً في تجربته الثانية مع تشلسي وأكثر مع اليونايتد، وذلك بالحفاظ على الخطوط العريضة التي كان يلعب بها الفريق قبل وصوله، مثل الاعتماد على العداء الكوري هيونغ مين سون في الرواق الأيسر، مع نقل الكرة من الوسط إلى الأمام بأقل عدد من التمريرات، والاعتماد على العرضيات لهاري كاين، وكأننا نشاهد توتنهام مع بوتشيتينو عندما كان الحظ يبتسم له، وليس كما توقع الكثير باللعب بأسلوب الحافلة الذي اشتهر به في آخر تجربتين، ما يعطي مؤشرات أنه عازم على الحفاظ على هوية توتنهام بوضع الجانب الجمالي في الأداء في اعتباره.
مفتاح الشفرة
واحدة من أكثر المشكلات التي كانت تواجه الفريق في الآونة الأخيرة، عدم تحمل الضغط خصوصا في مبارياته أمام المنافسين الكبار، والأمر يرجع للمنظومة الدفاعية التي تحتاج مراجعة وقليل من التنظيم، وفي وجود داهية كمورينيو، ستكون مسألة الخروج بشباك نظيفة مجرد مسألة وقت، وفي أول مباراتين أمام وستهام وأولمبياكوس، تأكد للجميع، أن نقطة الضعف الواضحة في الفريق هي منطقة قلب الدفاع وسهولة اختراقه من الأطراف، ومن يعرف “سبيشال وان” جيدا، يفهم أنها مجرد نقاط فنية بسيطة بالنسبة له، كل ما يحتاجه بعض الوقت لينفذ المدافعين أفكاره كما يريد، ومتى حدث ذلك، ستظهر بصمته بشكل أوضح لأن الأمور في الهجوم تبدو جيدة جدا، في ظل الحيوية الواضحة في أداء هاري كاين وسون، والمفاجأة السارة ديلي آلي، الذي استعاد جزءا كبيرا من مستواه المميز، رغم ادعائه بأن جسده لم يعد يتحمل أفكاره، على طريقة مقولة ليو ميسي الشهيرة، ووجود هذا الكم الهائل من المواهب في الثلث الأخير من الملعب، ومدعمين بسلاح فتاك مثل كاين، تعتبر ميزة لم تكن متاحة بالنسبة له في مانشستر يونايتد، باستثناء أول سبعة أشهر قبل إصابة زلاتان إبراهيموفيتش، وفي الدفاع، لديه أيضا وفرة لا بأس بها في كل المراكز، فقط يحتاج لدماء جديدة بعقلية متمرسة على الألقاب في مراكز معينة، تحديدا في الجناح الأيمن ولاعب الوسط المدافع، ولعل أبرز وأفضل الأسماء الممكن ضمها في فصل الشتاء غاريث بيل وبرونو فرنانديز، أو أسماء أخرى بنفس الخبرة والمواصفات، لتكتمل القوة الضاربة للمشروع الذي يتم العمل عليه منذ سنوات. والسؤال: هل يُمكن أن يفعلها هذا الموسم؟ الأمر ليس مستبعدا حتى بعد الخروج من كأس كاراباو، هذا سيرفع تركيز اللاعبين في كأس الاتحاد الإنكليزي، بجانب ذلك، سيكون أمامه فرصة ذهبية لتكرار إنجاز بوتشيتينو الموسم الماضي، بالذهاب لأبعد مكان في دوري الأبطال، أما ثالث أولوياته ستكون إنهاء الموسم ضمن الأربعة الأوائل، وعلى الورق من الصعب الجزم بأنه خرج من السباق على المراكز المؤهلة، بتأخره عن رابع الترتيب العام تشلسي بتسع نقاط، وما زال أمامه 24 مباراة. لذا دعونا ننتظر لنرى أين سيذهب توتنهام مع مورينيو.