مجزرة الناصرية هل تجر العراق إلى افاق مجهولة؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: مع تطورات دامية متصاعدة في التظاهرات المطالبة بالإصلاحات في العراق، جاءت مجزرة الناصرية جنوب العراق التي سقط فيها مئات الشهداء والجرحى من المتظاهرين بنيران القوات الأمنية والميليشيات في يوم واحد، لتضع المسمار الأخير في نعش حكومة عادل عبد المهدي المتشبثة بالسلطة، ولتفتح عليه نيران الحلفاء قبل الخصوم لإجباره على الاستقالة، رفضا لاسترخاص الدم العراقي في سبيل التمسك بكراسي السلطة وامتيازاتها.

وكان متوقعا بعد مجزرة الناصرية، ان تسارع النخبة السياسية الشيعية والسنية، في مطالبة عبد المهدي بالاستقالة، وإعلان براءتهم من الجرائم التي ارتكبتها حكومته ضد المتظاهرين السلميين المطالبين بالحقوق والإصلاحات، والتي تسببت في نزيف هائل في دماء العراقيين، محذرين من تدهور الأوضاع في العراق إذا استمر عبد المهدي بتمسكه بالسلطة، وكذلك فعل وكيل المرجع الأعلى للشيعة أحمد الصافي، عندما دعا البرلمان لتغيير الحكومة، وبالتالي لم يجد عادل عبد المهدي مفرا من إعلانه تقديم الاستقالة التي جاءت متأخرة كثيرا بعد ان تلطخت يده وتاريخه بدماء العراقيين وحقوقهم المهدورة. ولأن المحتجين في الشارع يطالبون بإصلاحات شاملة وجذرية، فان استقالة عبد المهدي وحدها لم تقنعهم فكرروا المطالبة بابعاد كل القوى السياسية المسؤولة عن تدهور أوضاع البلد، اضافة إلى محاكمة قتلة المتظاهرين ومافيات الفساد.

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار جنوبي العراق، منذ أيام، مسرحا لمواجهات عنيفة بين المتظاهرين والقوات الأمنية تخللها إحراق مقرات الحكومة المحلية والوقف الشيعي ومقرات الأحزاب والميليشيات التي ساهمت في قمع التظاهرات. إلا ان ذروة الحراك وقعت يوم الخميس الماضي، بقيام القوات الأمنية بقمع المحتجين بقوة نارية كثيفة أسفرت عن سقوط 32 شهيدا وإصابة أكثر من 230، حسب المصادر الطبية، في واحد من أعنف أيام الاحتجاجات التي يشهدها العراق منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مما دفع محافظ ذي قار، عادل الدخيلي، قبل تقديم استقالته، إلى إعلان الحداد الرسمي لثلاثة أيام على أروح شهداء المحافظة، معلنا ان المجزرة ارتكبتها قوات جاءت من خارج المحافظة، في إشارة إلى قيام عبد المهدي قبل يوم واحد بإرسال قوة يرأسها القائد العسكري جميل الشمري لقمع التظاهرات في المحافظة. وفي تطور خطير عقب المجزرة، أعلنت عشائر في الناصرية، حمل السلاح في مواجهة قوات الأمن لحماية المتظاهرين، وانتشر أبناؤها المسلحون في بعض المناطق الحيوية من المحافظة، مع دعوتهم إلى تسليم جميل الشمري المطلوب لعشائر الناصرية.

ولم يكن الوضع في النجف التي تعد مكانا مقدسا لدى الشيعة، في حال أفضل، حيث وقعت مواجهات بين المتظاهرين والقوات الأمنية والميليشيات سقط خلالها 18 شهيدا و270 جريحا، انتهت بشل الحياة وسيطرة المتظاهرين على قنصلية إيران في النجف وإحراقها بالكامل وسط ترديد هتافات “إيران برة برة” في ثالث استهداف للموسسات الإيرانية من المتظاهرين بعد قنصليتي البصرة وكربلاء، ما يعكس غضبا شعبيا متزايدا لدور إيران في دعم أحزاب الفساد وقمع ميليشيات موالية لها للحراك الشعبي، بينما دفعت هذه الحادثة بعض الميليشيات إلى ارسال قوات عسكرية كبيرة من مقاتليها إلى النجف لاستلام الملف الأمني فيها.

شل الحياة

ومع دخول الانتفاضة شهرها الثالث، فان أبرز التطورات الميدانية في الحراك الشعبي هذه الأيام، هو تصعيد ملحوظ من قبل محتجي المحافظات الجنوبية، وخاصة في الناصرية والبصرة والنجف، التي شهدت تطورا نوعيا في وتيرة الاحتجاجات لممارسة ضغوط  أقوى على الحكومة والأحزاب التي تقودها، وذلك من خلال شل الحياة بقطع الطرق والجسور الحيوية التي تتحكم بحركة المواصلات في المحافظات الجنوبية والوسطى من البلاد وإغلاق مؤسسات حكومية وجامعات ومدارس ومنشآت للطاقة وموانئ، عبر تنفيذ الاضرابات والاعتصامات للموظفين والطلاب، رغم كل الدعوات الحكومية لمواصلة الدوام.

وقد دفع تطور الانتفاضة واتساعها، القوات الأمنية وجماعات مسلحة، للجوء إلى العنف المفرط لإنهاء الحراك، مما أدى لسقوط مئات الشهداء والجرحى، كما حصل في الناصرية، وخاصة بعد تشكيل رئيس الحكومة، خلايا أمنية مركزية وزع أعضاءها على المحافظات الثائرة، لقمع التظاهرات.

أما في العاصمة العراقية بغداد، فقد واصل المعتصمون صمودهم في ساحتي التحرير والخلاني، مع استمرار عمليات الكر والفر بين المتظاهرين والقوات الأمنية في تنازع للسيطرة على جسور العاصمة وشارع الرشيد الذي يربطها. وقد أقدمت جهات “مجهولة” على استهداف مناطق عديدة في بغداد، بتفجير سيارات أوقعت ضحايا أبرياء، في سيناريو يعيد لذاكرة العراقيين ما كانت تشهده المدن من تفجيرات في الشوارع كلما حصلت أزمات سياسية، فيما قام مجهولون بشن حملة منظمة لحرق المحال التجارية والشركات في شارع الرشيد والشورجة (مركز تجارة العراق) وتنسيب التخريب للمتظاهرين لتبرير استخدام العنف ضدهم.

ويتوقع المراقبون للمشهد العراقي، أن تؤدي استقالة عادل عبد المهدي إلى دخول البلاد في فترة صراع سياسي جديد بين القوى السياسية التي ستحاول الاستئثار بالمناصب في الحكومة المقبلة، متجاهلة مطالب المحتجين في الشوارع، مع الاستمرار في طرح بعض القوانين كقانون الانتخابات للإيحاء بوجود إصلاحات حكومية، وهو ما أعلن المحتجون عن رفضه لعدم الثقة بقرارات النخبة السياسية الفاسدة، وتمسك الحراك الشعبي بان أي حل لأزمات البلاد  المزمنة لا يمكن ان يأتي إلا من الشعب وليس من أحزاب ارتبطت بالفساد والطائفية والتبعية، وبالتالي فالاحتمال وارد ان تستغل بعض الميليشيات فترة الفراغ الحكومي، باستخدام المزيد من العنف المفرط لإخماد الانتفاضة المطالبة بالإصلاحات.

وهكذا يبدو ان المشهد العراقي في ظل تصلب مواقف الأطراف، يغيب عنه التفاؤل بل وينذر بمخاطر جمة، في ظل تنامي العصيان المدني واتساع رقعته وإصرار المحتجين على عدم التراجع عن مطالبهم المشروعة رغم التضحيات الكبيرة التي يقدمونها يوميا والتي تجاوزت 380 شهيدا و17 ألف جريح وآلاف المعتقلين، مقابل قرار أحزاب السلطة، باللجوء إلى كل الوسائل لخنق انتفاضة الشعب والمحافظة على امتيازاتها، حتى ولو أدى ذلك إلى جر البلاد إلى حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية