لوائح تهم نتنياهو قد تجعل إسرائيل أقرب إلى جمهوريات الموز

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”:لم يكن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المسؤول الإسرائيلي الكبير الأول الذي قدمت بحقه لوائح اتهام خطيرة، ويبدو أنه لن يكون الأخير، رغم أنه سبق وحذرت أوساط من المراقبين من أن الفساد خطر استراتيجي على الدولة اليهودية لا يقل خطرا عن “قنبلة إيران”. وفيما استقال رؤساء حكومات سابقون من مناصبهم لمجرد وجود شبهات بالفساد وأحيانا تافهة كما حصل مع اسحق رابين إلا أن نتنياهو متشبث بمقود السلطة رغم توجيه ثلاث لوائح اتهام بالرشوة وخيانة الأمانة مما يعكس التغيرات العميقة في إسرائيل وهناك من يعتبرها تعبيرا عن انهيار قيمي كبير.

ووسط تجاهل المعايير الأخلاقية والتقاليد الجماهيرية العامة التي تقتضي الاستقالة بمجرد وجود شبهات قوية أو اتهامات، فإن نتنياهو لا يكتفي بالتمسك بقرني الحكم بقوة بل يدوس في طريقه كل مؤسسات الكبح وحماية النظام العام والقانون والديمقراطية فيصف الشرطة والنيابة العامة والصحافة بالمتواطئين عليه والمشاركين في محاولة الانقلاب عليه. وبعد تلكؤ لثلاث سنوات أعلن المستشار القضائي لحكومة الاحتلال أفيخاي مندلبليت أنه قرّر تقديم لائحة اتهام بحق نتنياهو بشبهة تلقي رشوة في القضية المعروفة باسم “الملف 4000” بالإضافة إلى تقديم لائحتي اتهام أخريين بشبهتي الاحتيال وخيانة الأمانة في القضيتين المعروفتين باسم “الملف 1000″ و”الملف 2000”. وبموجب اللائحة، سيُتهم نتنياهو بتلقي الرشوة في “الملف 4000” على خلفية قيامه بالدفع قدماً بمصالح رجل الأعمال الإسرائيلي شاؤول ألوفيتش المالك الرئيسي لشركة “بيزك” للاتصالات، في مقابل تغطية أخبار رئيس الحكومة وعائلته بشكل إيجابي في الموقع الإخباري “واللا” الذي يمتلكه ألوفيتش. وحينما سئل مندلبليت كيف يعتبر تغطية صحافية إيجابية نوعا من الرشوة؟ قال إنه لو عرضت على نتنياهو 50 ألف دولار أو تقريرا صحافيا بضوء إيجابي لفضل التغطية، مما يعني أن هذه تعادل رشوة مالية مئة في المئة.

صحافة مقابل علاقات عامة

وقال مندلبليت إن نتنياهو تدخل بشكل سافر ومستمر، وأحياناً حتى بشكل يومي، في المضامين التي ينشرها موقع “واللا” الإخباري، وسعى أيضاً للتأثير على تعيين مسؤولين رفيعين (محررين وصحافيين) عبر تواصله مع ألوفيتش وزوجته إيريس. وضمن ألوفيتش تغطية إيجابية لنتنياهو في “واللا” ثاني أكبر مواقع الأخبار في إسرائيل، وتغطية منتقدة لمنافسي نتنياهو، خاصة في فترات الانتخابات في العامين 2013 و2015. وكتب المستشار القانوني أن العلاقة بين نتنياهو وألوفيتش شكلت تضارب مصالح سافرا، حيث تدخل ألوفيتش بفجاجة من أجل نتنياهو في “واللا” مع التوقع الذي تحقق بالانتفاع تجارياً. واستخدم نتنياهو نفوذه وصلاحياته للدفع قدماً بمصالح ألوفيتش، ما أدى إلى حصول الأخير بشكل مباشر أو غير مباشر على 1.8 مليار شيكل نتيجة قرارات نتنياهو التنظيمية وغيرها. وقال مندلبليت إنه يعتقد أن هناك أدلة كافية لمقاضاة نتنياهو بتهمة تلقي رشى، بالإضافة إلى الاحتيال وخيانة الأمانة. وقال إنه يتفق مع الشرطة بشأن وجود علاقة مبنية على الرشى بين نتنياهو وألوفيتش. وتم إغلاق الملف ضد زوجة رئيس الحكومة سارة في هذه القضية، في حين سيتم توجيه تهمة تلقي الرشوة إلى ألوفيتش وزوجته. وجاء تورط نتنياهو بهذه الفضيحة في محاولة لمواجهة الانتقادات الواسعة الموجهة له ولزوجته في وسائل الإعلام الإسرائيلية ومحاولة تأمين وسيلة إعلام تنتج عنه مواد علاقات عامة بدلا من مضامين صحافية. ولهذا الغرض كان نتنياهو قد بادر في بداية ولايته الثانية عام 2009 لتأسيس صحيفة يومية مجانية بدعم مالي سخي جدا من ثري يهودي أمريكي يميني وذلك لمواجهة بل ضرب كبرى الصحف العبرية “يديعوت أحرونوت” التي تميزت بتوجيه انتقادات قاسية له ولاحقا تورط نتنياهو في فضيحة فساد جديدة مع مالك هذه الصحيفة ليصيبه ما ينطبق عليه المثل “جاء ليكحلها فعماها” ضمن “الملف 2000”.

حرب الصحف

كما ستوجّه تهمتا الاحتيال وخيانة الأمانة في “الملف 2000” على خلفية اتصالات جرت بين نتنياهو ومالك صحيفة “يديعوت أحرونوت” وناشرها أرنون (نوني) موزس من أجل التضييق على صحيفة “يسرائيل هيوم” المنافسة في مقابل قيام “يديعوت أحرونوت” بنشر أخبار عن رئيس الحكومة بصورة إيجابية. وسيتم اتهام موزس بالرشوة. وكانت وسائل إعلام ذكرت في الماضي أن هذا الملف كان موضع خلاف في مكتب المستشار القانوني حيث رأى العديد من المسؤولين أنه يجب توجيه تهمة تلقي الرشوة إلى نتنياهو، بينما درس مندلبليت إمكان عدم توجيه أي تهمة إلى رئيس الحكومة. وحسب الاتفاق المفترض بين موزس ونتنياهو والذي لم يتم تطبيقه، قال رئيس الحكومة إنه سوف يدفع قدماً بتشريعات لتحديد انتشار صحيفة “يسرائيل هيوم” إذا ما طلب موزس من صحافيين وكتاب مقالات رأي تغيير مواقفهم السلبية عادة تجاه نتنياهو. وقال مندلبليت إنه منذ العام 2009 عقد نتنياهو وموزس محادثات ولقاءات شخصية تباحثا خلالها بشأن مساعدة أحدهما الآخر في صفقة مقايضة لدفع مصالحهما. وعرض نتنياهو دعمه لإجراءات محتملة تساعد في تقييد انتشار “يسرائيل هيوم” منها إلغاء نسخة نهاية الأسبوع التابعة للصحيفة. ولم تتم المصادقة على هذه الإجراءات، نظراً لحل الحكومة والتوجه إلى الانتخابات العام 2015. وحسب مندلبليت، عرض موزس على نتنياهو في مقابل مساعدته خطاً مباشراً لمحرري كل من صحيفة “يديعوت” وموقع “واينت” التابع لها، وهو من أكبر مواقع الأخبار الإسرائيلية، وقال له إنه يمكن أن يكون لديه تأثير مباشر على المقالات حوله. وقال مندلبليت إنه سيوجه تهمة تلقي رشوة ضد موزس لكن تهمة الاحتيال وخيانة الأمانة فقط ضد نتنياهو. ومع ذلك اتهم رئيس الحكومة بإلحاق أضرار خطرة بثقة الجمهور، عبر إجراء مفاوضات مفصلة وواسعة النطاق مع موزس بشأن عرضه بدلاً من وقف المسألة فوراً.

هدايا أسترالية

وفي “الملف 1000” ستُوجه إلى نتنياهو تهمتا الاحتيال وخيانة الأمانة بشبهة تلقيه عطايا من ثري آخر، من المنتج الهوليوودي الإسرائيلي الأصل الاسترالي حاليا ويدعى أرنون ملتشين ولن يتم توجيه أي تهم ضد ملتشين في هذه القضية. وفي هذا الملف تدور اتهامات بحصول نتنياهو على هدايا من أثرياء، في مقدمهم أرنون ملتشين، والمستثمر الأسترالي جيمس باكر، في مقابل حصولهما على خدمات، قال مندلبليت إنه يتهم نتنياهو بالاحتيال وخيانة الأمانة، وإنه قرّر إغلاق القضية ضد ملتشين. وحسب مندلبليت، فإن نتنياهو متهم بتضارب مصالح خطير بين التزاماته تجاه مانحين والتزاماته تجاه الجمهور. وقال إن رئيس الحكومة وزوجته حصلا على هدايا تصل قيمتها إلى مئات آلاف الدولار منها كميات كبيرة من السيجار الكوباني وشمبانيا فرنسية حمراء ومجوهرات منهما. وقال المستشار القانوني إن هناك ثلاث حالات استخدم فيها نتنياهو منصبه كرئيس حكومة لدفع مصالح ملتشين: مساعدته في الحصول على تأشيرات إقامة في الولايات المتحدة؛ العمل من أجل تمديد قانون إعفاء ضريبي غير معروف يخدم مصالح المنتج الهوليوودي؛ العمل من أجل الدفع قدماً بمصالح ملتشين الاستثمارية في القطاع الإعلامي الإسرائيلي. وأشار مندلبليت إلى أن نتنياهو قام بتدخلات كبيرة ساعدت ملتشين في محاولته امتلاك جزء كبير من قناة التلفزة الثانية التي تم حلها. وقبل فصلها إلى قناتين، كانت شركتان تشغلان هذه القناة وهما “ريشت” و”كيشت” (“كيشت” تشغل الآن القناة 12 بينما “ريشت” تشغل القناة 13). وأوضح مندلبليت أنه حسب خطة نتنياهو- ملتشين، كان من المفترض أن يدخل الأخير في شراكة مع “ريشت” وبعدها يعمل على الدمج بين “ريشت” و”كيشت”. وأضاف أن نتنياهو ساعد في تعيين عدة لقاءات بين ملتشين ومستثمرين معنيين، وطلب من المدير العام السابق لوزارة الاتصال شلومو فيلبر، الذي أصبح شاهد ملك في هذا الملف، أن يساعد في الدفع قدماً بهذه المسألة.

رشوة وخيانة الأمانة

وهناك ملف ثالث يدعى “الملف 4000” وهو الأخطر وفيه يُتهم نتنياهو بالدفع قدماً بقرارات تنظيمية تعود بالفائدة على شاؤول ألوفيتش، المساهم المسيطر على شركة “بيزك” العملاقة للاتصالات، في مقابل الحصول على تغطية إيجابية من موقع “واللا” الإخباري الذي يملكه ألوفيتش. وأعلن مندلبليت أنه يتهم كلاً من نتنياهو وألوفيتش بتلقي رشوة. لكن خلافاً لتوصيات الشرطة والنيابة العامة لم يقرر مندلبليت توجيه تهم تلقي رشوة والاحتيال وخيانة الأمانة أو عرقلة الإجراءات التحقيقية والقضائية ضد زوجة نتنياهو سارة وألغى أيضاً تهماً شبيهة محتملة ضد نجل نتنياهو يائير.

خدمات نتنياهو

وعلى خلفية كل ذلك وبسبب ذلك يستذكر مراقبون إسرائيليون مساهمات وخدمات نتنياهو لإسرائيل ويقول الجنرال بالاحتياط المعلق عاموس غلبواع إن نتنياهو سياسي موهوب ورجل دولة عظيم، وضع إسرائيل على الخريطة الدولية كدولة إقليمية عظمى، قوية ومزدهرة. وتابع في مقال نشرته صحيفة “معاريف” أمس: “لقد نجح في إدارة سياستها الأمنية في منطقة هي الأكثر عنفاً، في العالم بطريقة حذرة وذكية، وحافظ على الردع الاستراتيجي لدولة إسرائيل في مواجهة أعدائها، وحقق بذلك، بين أمور أُخرى، الأمر الأكثر أهمية كزعيم: منْع حرب لا ضرورة لها”. بالمقابل يشير لمشكلة نتنياهو الكبيرة: سلوك المحبّ للتمتع بالحياة، وهذا يعتبر فساداً، موضحا أن هذا ما ميز عدداً غير قليل من رؤساء حكومات إسرائيل ملمحا لأرئيل شارون الذي حالت الجلطة الدماغية دون تقديمه للمحاكمة بالفساد عام 2006 وبعده خليفته ايهود أولمرت الذي أمضى عاما ونيف خلف القضبان.

جمهورية موز؟

كالكثير من المراقبين يعتبر غلعاد أن ساحة القتال الصحيحة لنتنياهو كي يُظهر تعرضه للظلم هي المحكمة وعن ذلك يقول “هناك، وليس في الساحات، وليس على ظهر مواطني الدولة. عليه أن يثبت أنه لا يوجد شيء، وأن جهاز فرض القانون يتصرف معه بطريقة منحازة. طبعاً، هذا انطلاقاً من افتراض أساسي أنه سيحظى بمحاكمة عادلة. بكلام آخر، اختباره سيكون في مواجهة تركيبة القضاة، وهذا سيكون أكبر اختبار للجهاز القضائي الإسرائيلي في المحكمة الإقليمية، وعلى ما يبدو، أيضاً في المحكمة العليا”. كذلك وعلى غرار عدد كبير جدا من المراقبين يقول إنه يجب على نتنياهو أن يستقيل فوراً من كل مناصبه (من دون حصانات أو اختراعات أُخرى) والذهاب إلى المعركة القضائية، انطلاقاً من المعرفة بوجود تأييد كبير له وسط الجمهور، ومن فهم الواقع السياسي في إسرائيل، حيث أغلبية الشعب تنتمي إلى اليمين-الوسط، واليسار هو أقلية. ومقابل سطوة الإعلام وقوة الكوابح الحامية للنظام الديمقراطي القادرة على توجيه لوائح اتهام خطيرة ضد رأس الهرم السياسي في إسرائيل وربما دفعه للسجن، هناك من يحذر من أن بقاء نتنياهو في الحكم بالرغم من هذه الاتهامات وتصعيده التحريض على “حراس العتبة” ربما يجعلها أقرب لأن تكون جمهورية موز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية