لندن –”القدس العربي”: يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف بنيامين نتنياهو ثلاثة سيناريوهات وسط الأزمة السياسية التي تعصف بتل أبيب منذ شهور، لكن أحلى هذه السيناريوهات سيكون مُرّاً على الأغلب، حيث يبدو أن الرياح تسير بغير ما تشتهي سفن نتنياهو الذي يتبنى سياسة تقوم على تجاهل الشعب الفلسطيني وعملية السلام بشكل كامل.
أما السيناريو الأسوأ الذي يواجهه نتنياهو فقد يكون الخروج من رئاسة الوزراء إلى السجن وذلك في حال إدانته من قبل المحكمة بالتهم الجنائية التي وجهها له الادعاء العام مؤخراً، والتي تتضمن الرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال، وهي تهم يعاقب عليها القانون الإسرائيلي بالسجن الفعلي، كما أنها المرة الأولى في تاريخ الإسرائيليين التي يتم فيها توجيه مثل هذه التهم إلى رئيس حكومة وهو في منصبه، فضلاً عن أن نتنياهو متمسك بالبقاء في الحكم حتى انتهاء القضية ما يعني أنه ربما يكون أول رئيس حكومة أيضاً يواجه أحكاماً قضائية.
ويأتي توجيه هذه الاتهامات الجنائية لنتنياهو بالتزامن مع الأزمة السياسية الأسوأ التي تشهدها إسرائيل، حيث جرت الانتخابات العامة مرتين خلال العام الحالي من دون أن تنتهي إلى كنيست (برلمان) قادر على تشكيل الحكومة، إذ تحول الخلافات بين الأحزاب السياسية دون تشكيل الحكومة، كما أن حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو لا يمتلك بمفرده أغلبية كافية لتشكيل الحكومة الإسرائيلية.
ويرى الكثير من المحللين والخبراء المختصين في الشأن الإسرائيلي أن نتنياهو لن يظل بالقوة التي كان عليها في السابق حتى إذا نجح في الافلات من كافة الأزمات التي تلاحقه، سواء تلك الجنائية أو السياسية أو الأزمة داخل حزبه، ما يعني أنه “يبحث حالياً عن الخروج بأقل الخسائر فقط” كما قال أحد المحللين لــ”القدس العربي”.
سيناريوهات
وفي حديث مطول مع “القدس العربي” انتهى الباحث المتخصص في الشؤون الإسرائيلية محمود مرداوي إلى القول إن نتنياهو يواجه اليوم ثلاثة سيناريوهات رئيسية جميعها سيئة بالنسبة له، لكن الاحتمالات بشأنها مفتوحة بشكل كامل ومتساوٍ، كما أن ظهور سيناريوهات جديدة أمر وارد أيضاً.
أما السيناريو الأول الذي يواجهه نتنياهو فهو الخروج من رئاسة الوزراء إلى السجن، وهو ما يعني أنه سيتحول من سياسي إلى مجرم مدان، وذلك في حال أدانته السلطات القضائية فعلاً بالتهم التي وجهها له الادعاء العام، إلا أن مرداوي يؤكد أن “نتنياهو يحاول أن يسابق الزمن حالياً بأن يأتي ببرلمان جديد يقوم بسن قانون يحمي رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة من الملاحقة القضائية ويمنحهم حصانة أكبر”.
ويضيف: “نتنياهو يرغب في حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة جديدة لأنه يريد أن يطلب من الإسرائيليين تفويضا كافياً لحزبه يتيح له أن يُشكل الحكومة وأن يُسن قانوناً يحميه من الملاحقة ويمنحه حصانة أكبر، بما يجعله يتغلب على أزمتين في وقت واحد، وهما أزمة تشكيل الحكومة وأزمة التهم الجنائية التي تلاحقه”.
ويرى مرداوي أن احتمالات إفلات نتنياهو من التهم الموجهة له لا يزال ضعيفاً، حيث أنه على الأرجح لن يتمكن من تحصين نفسه قبل إحالته إلى المحكمة العليا، كما أنه حتى إذا أفلت من السجن فان مستقبله السياسي قد ينتهي أيضاً، ويعود إلى منزله متنحياً عن الحياة السياسية.
السيناريو الثاني هو أن يتم الإطاحة بنتنياهو من حزبه بسبب الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد والانتخابات المبكرة الثالثة التي تتجه إسرائيل نحوها، إضافة إلى فشله في تشكيل الحكومة، وعدم نجاحه في التحالف مع أي من القوى السياسية سواء حزب “أزرق-أبيض” أو حتى “إسرائيل بيتنا” بزعامة اليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان الذي كان وزيراً للخارجية في حكومة نتنياهو وكان حليفاً له.
كما يشير الخبراء في الشأن الإسرائيلي إلى أن السيناريو الثالث أمام نتنياهو، وهو الأفضل له على الإطلاق، أن يتجاوز أزمته السياسية وأزمته الحزبية وأزمة اتهامات الفساد التي يواجهها، وأن يتمكن من البقاء في منصبه كرئيس للوزراء، لكنه في هذه الحالة لن يظل بالقوة التي كان يتمتع بها في السابق حيث سيكون أضعف بكثير، خاصة بسبب اتهامات الفساد التي ستظل تلوث سمعته في أوساط الإسرائيليين وفي داخل حزبه اليميني.
ويقول مرداوي لـ”القدس العربي” إن “تبرئة نتنياهو من التهم الموجهة له أمر صعب، كما أن التبرئة التي تعيده لممارسة العمل السياسي أيضاً صعبة، حيث أن الأرجح أنه سيدان بما يمنعه من ممارسة حياته السياسية”.
ويتابع: “نتنياهو يريد أن يكون معصوما من ملاحقة المحكمة العليا، وهذا يستدعي الهيمنة على الكنيست، وهو ما يفتقده الآن، ولذلك هو يريد الذهاب إلى انتخابات مبكرة” ويؤكد: “هو يسير إلى انتخابات جديدة تأتي ببرلمان يقر القانون الذي يريده نتنياهو وهو قانون يحظر محاكمة رئيس الوزراء وهو في عمله”.
ثلاثة اتهامات
ووجه الادعاء العام الإسرائيلي لنتنياهو الأسبوع الماضي تهمة تلقي الرشاوى وخيانة الأمانة والاحتيال في الملف المعروف بقضية شركة الاتصالات “بيزك” (أكبر مجموعة اتصالات إسرائيلية) خلال ولايته كرئيس للوزراء ووزير الاتصالات، ويوصف هذا الملف بأنه الأخطر عليه.
وبحث المحققون في هذا الملف هل سعى نتنياهو للحصول على تغطية إعلامية إيجابية في موقع “ويلا” الإخباري الذي يملكه رئيس مجموعة “بيزك” شاؤول إيلوفيتش مقابل خدمات وتسهيلات حكومية عادت على مجموعته بمئات ملايين الدولارات.
كما يواجه نتنياهو أيضاً تهمة الاحتيال وخيانة الأمانة في الملف (1000) المعروف بتقديم هدايا من أنواع فاخرة من السيجار وزجاجات الشمبانيا والمجوهرات، حيث يشتبه في تلقيه وأفراد من عائلته رشاوى بقيمة 750 ألف شيكل (240 ألف دولار) من المنتج الإسرائيلي الهوليوودي أرنون ميلتشان، و250 ألف شيكل من الملياردير الأسترالي جيمس باكر.
كما قرر المدعي العام توجيه تهمة الاحتيال وخيانة الأمانة في الملف (2000) المعروف بقضية “يديعوت أحرونوت” على خلفية محاولته التوصل إلى اتفاق مع الناشر مالك الصحيفة أرنون موزيس للحصول على تغطية إيجابية له، وذلك خلال فترة ولايته كرئيس للوزراء ووزير الاتصالات.
يشار إلى أن نتنياهو البالغ من العمر 70 عاماً يُعتبر أطول رئيس وزراء يظل في منصبه منذ تأسيس الدولة العبرية في العام 1948. حيث تولى رئاسة الوزراء لأول مرة في العام 1996 وظل ثلاث سنوات، لكنه في العام 2009 أصبح رئيساً للوزراء ثم أعيد انتخابه في 2013 و2015 ولا يزال على رأس الحكومة الإسرائيلية حتى اليوم.
وتعود أصول نتنياهو إلى بولندا قبل أن يهاجر مع عائلته إلى فلسطين، كما أنه يتزعم حزب الليكود الذي انضم له في العام 1988 وهو أحد رموز اليمين المتطرف في إسرائيل، فضلاً عن أنه أمضى حياته في الجهاز العسكري والأمني والاستخباري الإسرائيلي قبل أن يتحول إلى العمل السياسي ويبدأ بتولي المناصب الحكومية.