إسرائيل تنتقل من الاستيطان إلى الضم الفعلي للأرض الفلسطينية

محمد الأحمد
حجم الخط
0

كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، نهاية الأسبوع الماضي، عن خطة لبناء مستوطنة جديدة شمال مدينة القدس المحتلة تضم 11 ألف وحدة سكنية.

ونقلت صحيفة “إسرائيل اليوم” عن مسؤولين إسرائيليين القول إن خطة بناء هذه المستوطنة، التي أطلقوا عليها اسم “حي يهودي” اعدت قبل سنين ولم يجر تنفيذها حينئذ بسبب وجود عقبات سياسية، لكنها باتت اليوم ممكنة بفضل الغطاء الذي توفره إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمشاريع استيطانية كبرى في الأراضي الفلسطينية.

واتبعت إسرائيل، عقب اتفاق اوسلو عام 1993 سياسة توسع استيطاني مراوغة بهدف خداع المجتمع الدولي منها تسمين المستوطنات القائمة، من خلال إقامة مستوطنات جديدة امتدادا لتلك المستوطنات، تحت اسم احياء جديدة. فظهرت 2-7 مستوطنات جديدة في جوار كل واحدة من القديمة البالغ عددها 142 مستوطنة منها 15 في قلب مدينة القدس الشرقية. فعلى سبيل المثال بات هناك اليوم سبع مستوطنات تحمل اسم أحياء في مستوطنة “قدوميم” الواقعة بين مدينتي نابلس وقلقيلية شمال الضفة الغربية.

ومنها اسلوب إقامة بؤر استيطانية، صغيرة، غير مرخصة، يجري توسيعها تدريجيا لتتحول إلى مستوطنة كبيرة في غضون عدة سنوات. وحسب مؤسسات إسرائيلية تراقب التوسع الاستيطاني فان إسرائيل أقامت 116 مستوطنة جديدة منذ العام 2000 حتى اليوم تحت اسم بؤر استيطانية.

ومنها تحويل عدد من المستوطنات إلى مدن إسرائيلية كبيرة في قلب الضفة الغربية مثل “ارئيل” و”معالية ادوميم” و”بسغات زئيف” وغيرها. ومنها اقامة مناطق صناعية في قلب الضفة الغربية تضم مئات المصانع والمعامل والشركات مثل “بركان” و”عطروت”.

وواجهت إسرائيل اعتراضات دولية واسعة على التوسع الاستيطاني خلال السنوات الثماني التي تولى فيها باراك أوباما الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، ما جعلها تلجأ إلى تجميد عدد من المشاريع الكبرى مثل مشروع المستوطنة الجديدة التي ستقام على أرض مطار قلنديا وهو مطار فلسطين قبل الاحتلال عام 67.

ووصل الاعتراض الأمريكي على سياسة التوسع الاستيطاني في عهد باراك أوباما إلى درجة تمرير قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الذي طالب إسرائيل بوقف الاستيطان.

وأكد القرار الذي صدر في الشهور الأخيرة من ولاية باراك أوباما (في الثالث والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2016) على عدم شرعية إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، معتبرا ذلك “انتهاكا صارخا بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل”.

كما طالب القرار بوقف فوري لكل الأنشطة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. واعتبر أن أي تغييرات على حدود عام 1967 لن يعترف بها إلا بتوافق الطرفين. وأكد القرار على التمييز في المعاملات بين إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967.

إحياء مشاريع استيطانية استراتيجية

وعمدت إدارة دونالد ترامب، منذ الأيام الأولى، إلى إلغاء السياسة الأمريكية التقليدية الرافضة للاستيطان، وتبنت سياسة داعمة لمختلف مشاريع التوسع الاستيطاني. وعين ترامب سفيرا له في إسرائيل صاحب خلفية استيطانية معروفة وهو ديفيد فريدمان.

ولم يخف قادة المستوطنين وأحزاب اليمين في إسرائيل ابتهاجهم بفوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، معتبرين ان هذا سيفتح الطريق أمامهم لإحياء مشاريع استيطانية استراتيجية جرى تجميدها في عهد أوباما.

وأعلنت إسرائيل في الشهر الأول لتولي ترامب منصبة عن الشروع في بناء 7100 وحدة سكنية مجمدة في مستوطنات مقامة في ضواحي مدينة القدس.

وأعلنت أيضا عن خطة لبناء مستوطنة “ي 1” الواقعة بين مدينتي القدس وأريحا، والتي تضم، وفق مخطط البناء 3000 وحدة سكنية وعشرة فنادق ومنطقة صناعية.

وقالت منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية في تقرير أخير لها ان البناء الاستيطاني تضاعف في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتتبع إسرائيل سياسية استيطانية خاصة في القدس تقوم على تغيير الملامح الفلسطينية للمدينة واستبدالها بملامح يهودية.

وأقرت الحكومة الإسرائيلية في العام 1994 خطة خاصة للاستيطان في القدس تهدف إلى تحقيق أغلبية يهودية في ما سمته “القدس الكبرى” بحلول العام 2020.

وتضم خطة “القدس الكبرى” عشرة في المئة من أراضي الضفة الغربية.

ويهدف المشروع إلى زيادة عدد اليهود في مدينة القدس ليشكلوا 88 في المئة من سكان المدينة، وتحول السكان الفلسطينيين إلى أقلية صغيرة من 12 في المئة.

وفور وصول ترامب إلى الحكم شرعت إسرائيل في بناء الـ 7100 وحدة سكنية التي جرى تجميدها في عهد إدارة أوباما. وتقع هذه الوحدات في مستوطنات “جيلو” و”جبعات همتوس” و”رمات هشلوم”.

واقيمت مستوطنة “رمات شلومو” على أراضي بلدتي شعفاط وبيت حنينا في القدس في العام 91. وفي العام 2012 أقرت بلدية القدس خطة لبناء 1500 وحدة استيطانية في هذه المستوطنة لكنها اضطرت إلى تجميدها بعد ضغوط دولية قادتها الإدارة الأمريكية.

أما مستوطنة “جبعات همتوس” فأقر بناءها على أراضي قرية بيت صفافا في القدس ومدينة بيت جالا في محافظة بيت لحم في العام 2012. ووفق المخطط تضم مستوطنة “جبعات همتوس” 2600 وحدة سكنية.

واقيمت المستوطنة الثالثة “جيلو” على أراضي بيت جالا في العام 1971. وفي العام 2013 أقرت السلطات خطة لبناء 3000 وحدة سكنية في هذه المنطقة، وجرى تجميدها إثر ضغوط أمريكية ودولية.

وأقرت الحكومة الإسرائيلية مشروعا لإقامة مستوطنة “ي 1” في المنطقة الواقعة بين مدينتي القدس وأريحا، وأقامت البنية التحية لهذه المستوطنة التي تضم 3000 وحدة سكنية وعشرة فنادق ومنطقة صناعية بهدف إغلاق الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا ذلك انها تفصل وسط الضفة عن جنوبها.

وفتح وصول ترامب الطريق أمام إسرائيل ليس فقط لتوسيع وتسريع التوسع الاستيطاني بل أيضا لضم المستوطنات ومعها أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى الدولة العبرية. فقد أوقف إصدار أي بيانات ضد التوسع الاستيطاني، كما دأبت عليه الإدارات الأمريكية السابقة، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وأخيرا وليس آخرا، أعلنت إدارته انها لا تعتبر المستوطنات خرقا للقانون الدولي، منهية بذلك رأيا قانونيا معمولا به في الإدارة الأمريكية منذ عقود طويلة، يعتبر الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية غير قانوني.

شمال البحر الميت وغور الأردن

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء حملته الانتخابية قبل عدة شهور عن عزمه ضم منطقة شمال البحر الميت وغور الأردن وهي المنطقة التي تشكل 28 في المئة من مساحة الضفة الغربية.

واستبقه عدد من زعماء اليمين والمستوطنين بالإعلان عن حملة لضم مدينة “معالية ادوميم” الاستيطانية.

وأقر وزير المواصلات الإسرائيلية خطة لبناء سكة حديد للقطار الخفيف يربط مدينة القدس بالكتل الاستيطانية المحيطة بالمدينة والواقعة في قلب الضفة الغربية وهو ما يشكل مقدمة لضمها لإسرائيل.

وأقامت إسرائيل ثلاث كتل استيطانية تحيط بالقدس من الجنوب والغرب والشرق هي “غوش تسيون” وتضم 14 مستوطنة، وكتلة “معالية ادوميم” وتضم 8 مستوطنات، وكتلة “جبعات زئيف” التي تضم 5 مستوطنات.

وأقامت عدة كتل مماثلة أحالت المدن والبلدات الفلسطينية إلى معازل.

وطالب القادة الإسرائيليون في المفاوضات السابقة مع الفلسطينيين بضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل ضمن مبدأ تبادل أراضي.

أما قادة اليمين فيطالبون بضم هذه الكتل الاستيطانية من جانب واحد للحيلولة دون أي حل سياسي مستقبلي يقود لإقامة دولة فلسطينية متصلة.

وتشكل الكتلة الاستيطانية المقامة في غور الأردن وشمال البحر الميت التي أعلن نتنياهو عزمه ضمها واحدة من أكبر الكتل الاستيطانية وتضم 25 مستوطنة.

واتبعت إسرائيل منذ الاحتلال عام 67 سياسة استيطانية خاصة في هذه المنطقة التي تشكل سلة غذاء الفلسطينيين والبوابة الوحيدة للضفة الغربية مع العالم الخارجي، تقوم على تقييد البناء الفلسطيني فيها بهدف الحد من النمو السكاني لإبقائها فضاء مفتوحا للتوسع الاستيطاني وصولا إلى الضم الفعلي.

وتشير المعطيات إلى ان عدد السكان الفلسطينيين في هذه المنطقة الزراعية الواسعة لا يتجاوز 60 ألفا غالبيتهم العظمى في مدينة أريحا.

وتشكل كتلة “ارئيل” اجتياحا استيطانيا وسكانيا إسرائيليا في قلب الضفة الغربية، إذ تمتد من الخط الأخضر وصولا إلى مشارف الأغوار وتضم أكثر من حوالي 40 مستوطنة، بينها مدينة كبيرة.

وتشكل عدة كتل استيطانية أخرى فاصلا بين المدن الفلسطينية منها واحدة تفصل مدينتي بيت لحم والخليل وثانية تفصل بيت لحم عن القدس وثالثة تحيط بالخليل، ورابعة تفصل رام الله عن نابلس.

ويشكل ضم هذه الكتل الاستيطانية لإسرائيل ليس فقط نهاية فكرة الدولة الفلسطينية بل تحويل التجمعات السكانية الفلسطينية إلى معازل في دولة إسرائيل الكبرى الممتدة من البحر المتوسط حتى نهر الأردن.

وتسيطر إسرائيل على 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، تعمل على تحويلها إلى مستوطنات ومعسكرات للجيش ومناطق صناعية وزراعية.

وتدير السلطة الفلسطينية 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وذلك بموجب اتفاق اوسلو وهو اتفاق انتقالي مدته خمس سنوات، كان من المقرر ان يجري خلالها التفاوض على الحل النهائي الذي يشمل الدولة والقدس واللاجئين والمياه والأمن والحدود.

لكن إسرائيل عملت خلال العقود الماضية على تحويل الحل الانتقالي إلى حل نهائي، من خلال تخصيص الجزء الأكبر من الضفة الغربية الواقع تحت إدارتها إلى بناء المستوطنات ومعسكرات للجيش وميادين للتدريب العسكري.

وبين تقرير صادر عن جمعية “كيرم نفوت” أن السلطات الإسرائيلية حولت ثلث مساحة الضفة الغربية إلى مناطق عسكرية مغلقة وأقامت فيها معسكرات وخصصت أجزاء واسعة منها للتدريب عسكري.

 وقالت المنظمة المناهضة للاستيطان في تقريرها إن إسرائيل تختلق الذرائع لمصادرة الأراضي الفلسطينية مشيرة إلى أنها قمست المناطق الواقعة تحت إدارتها على النحو التالي: 53 في المئة مناطق تدريبات عسكرية، و29 في المئة مناطق نفوذ للمستوطنات، و17 في المئة مناطق حدودية، و1 في المئة إغلاق لهدف غير معلن.

وكشف التقرير ان إسرائيل تستخدم الإغلاق العسكري وسيلة لتسريب الأرض للمستوطنات حيث يتيح لها القانون العسكري إغلاق ملكيات فردية لأغراض عسكرية لتقوم بعدها بتحويلها إلى مناطق توسع استيطاني.

 وكشف التقرير أن إسرائيل صادرت 35 ألف دونم بحجة أنها “أراضي دولة” وأنها تعد لتسريبها للاستيطان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية