تونس: بين الحقول الممتدة غرب العاصمة تونس، يجد الحلزون الرخوي الصغير ملاذه، فيقتات على أوراق الخس والسبانخ والقنارية (الخرشوف).
ضعيف البنية، لكن فوائده الغذائية والتجميلية لا تحصى، ولعل ذلك ما جعل التونسية هدى بن رمضان الكراي (39 عاما) تُقبل على مشروع تربية الحلزون في تونس.
الأمر لم يكن هيناً في البداية، فمشروع كهذا غير مألوف لدى التونسيين، فأغلبهم اعتاد على تربية الأغنام والبقر والدواجن، وغيرها من الحيوانات الأليفة.
إلا أن هدى تحدت السّائد، وأطلقت منذ سنة 2014 مشروعها، فاختارت إحدى قرى منطقة البَطّان، التابعة لمدينة الجديدة من ولاية منوبة (شمال العاصمة).
وهدى حاصلة على شهادة جامعية في “الإلكترونيات”، وعملت طيلة اثنتي عشرة سنة في شركة خاصة للاتصالات في تونس، ثم قررت، خلال ثلاثة أيام، ترك عملها وراتبها المستقر، والاستقالة منه.
إنجاز مشروعها الحالي تطلب منها ثلاثة أشهر من التفكير، وتلقت دورة تدريبية تقدمها وزارة الفلاحة في مجال تربية الحلزون. لكنها لم تتوقف عند هذا التدريب، فما زالت تتلقى دورات أخرى حتى تكون ملمة أكثر بمجالات عديدة مفيدة لها.

مشروع غير مألوف
قالت هدى في قريتها حيث تربي الحلزون: “منذ البداية كانت الفكرة الأساسية هي أن لا أنجز مشروعا مألوفا أو معروفا وموجودا بكثرة في السوق، كتربية الدواجن والبقر وغيرها.. أردت أن يكون لي مشروع غير معهود.. حتى أُعرف به أكثر”.
وأضافت: “ومن بين الأسباب التي جعلتني أُقبل على مشروع تربية الحلزون هو أنه لا يتطلب مساحة كبيرة ولا أيدٍ عاملة عديدة ولا مصاريف كثيرة”.
وتابعت: “وجدت أنّ الاستثمار في هذا المجال لن يكلف، ولن يتطلب الكثير، حتى أنّه لن يخطر ببال أحد اليوم أن يسرق حلزونا كما يحدث بكثرة مع المواشي والأبقار.. كما أن التدريب في تربية هذا الحيوان الصغير كان متاحا”.
رغم مرور خمس سنوات، ورغم الخبرة التي اكتسبتها هدى، فإنّها تعتبر ما تزال في بداياتها، ويرافقها طموح كبير في أن تعرف أكثر بهذا المجال، وبأن يكبر المشروع أكثر.
واعترضت هدى عراقيل عديدة، تتمثل أساسا بعدم وجود تعاون إداري معها، وأن التمويل لم يكن سهلًا خاصة في البداية، فأية مؤسسة بنكية ترفض أن تمول مشروعًا لا تعرف إن كان سينجح أم لا.

البيئة والغذاء
عن تربية هذا الحيوان الصغير، قالت: “يوضع الحلزون في غرفة مغلقة يجد فيها كل الظروف الملائمة للتزاوج والتكاثر”.
وأردفت: “من ثم يتم نقله إلى الطبيعة، فيبقى بين الزرع مدة ثمانية أشهر يتغذى فيها على ما يتم غرسه خصيصا له من خضروات ورقية، كالسلق والسبانخ والخس، ليكبر شيئا فشيئا، ويصبح حجمه صالحا للبيع وللطبخ”.
وتمتد المساحة التي خصصتها هدى لتربية الحلزون على هكتار واحد (يساوي ألف متر مربع) تنتج ما بين 15 و20 طنًا في السّنة.

فوائد عديدة
يجد الحلزون، الذي تربيه هدى، إقبالا كبيرا من أهم المطاعم والفنادق في تونس، كما تقبل عليه عائلات كثيرة لطبخه كطبق لذيذ مفيد، لما يتمتع به من فوائد غذائية جمة.
تبيع هدى العلبة الواحدة، المكونة من 12 حلزونا جاهزة للطبخ، بعشرة دنانير تونسية (3.5 دولار أمريكي)، بعد أن تضفي عليها نسوة يشتغلن معها لمساتهن من تنظيف وتحضير وإعداد البهارات اللازمة.
قبل بيعه للمطاعم والفنادق، يتم استخراج مادة “لعاب الحلزون”، الغنية “بالكولاجين وفيتامين E والإيلاستين”، وهو يستخدم لصنع مستحضرات طبية مهمة، وأصبح كنزا ثمينا للتجميل وللبشرة، بحسب هدى.
وتشتغل أبرز معامل التجميل في العالم اليوم على تحويل المادة اللزجة (اللعاب)، التي يفرزها الحلزون، إلى مراهم تخلص الإنسان من آثار الجروح، وتقضي على عيوب البشرة بشكل أسرع، بجانب مستحضرات أخرى لتجميل البشرة وشدها أكثر، والتخلص من البثور، وتنظيف الوجه من الأعماق.
وبحسب دراسات علمية، فإن الحلزون يعد مصدرا لمنافع غذائية كبيرة، إذ يحتوي في لحمه على نسبة من البروتين تتراوح بين 18.6% و20.6%، ونسبة معادن بين 1.3% و1.4%، كما يحتوي على نسبة عالية من الحديد، والمغنيسيوم، والكالسيوم، والفسفور، والبوتاسيوم.
وأشادت هدى بقدرة المرأة التونسية على اقتحام جميع مجالات العمل، بل التميز فيها، مشددة على أن “أغلب نساء تونس يشتغلن في الفلاحة، وكلهن تحدين الصعاب، وأبرزن جدارتهن في هذا المجال”.
(الأناضول)



