الزيتون… في خبر كان

ليس شيطان الشعر وحده هو الذي يسكن قلوب الشعراء ويظلّ يدوي كنحلة دخلت صدفة إلى غير خليّتها، ولم تعرف طريقها إلى الخروج. هناك شيطان النّحاة أيضا وشيطان اللسانيّين. شيطان النحاة يلبس جبّة ويقول لمن امتهن النحو، ليس في الجبّة إلاّ النحو، ولكنّ شيطان اللسانيّين يلبس قبعة إفرنجيّة ويدخّن غليونا ويلعب بلحيته الكثّة، ويبدو غير آبه بالزنابير، ولا يقول ما يقوله النحاة من حلوليّة النحو في جبّتهم، بل يقول: أنصتوا للناس إن هم تكلموا، وإن هم أشاروا فهناك الحياة وهناك الكون كلّه.
اللسانيّون عصبيّون حين يغضبون يرمون بقبعاتهم على الأرض ويلقون غلايينهم ويمشون حفاة في الأسواق. أنا يسكنني شيطانان، شيطان النحو بجبته وشيطان اللسانيّات بغليونه.. يسكن كلّ شيطان في ناحية منّي ولا يلتقيان إلاّ في المناسبات؛ العلاقات بينهما باردة وأشجعهما عليها، لأنّهما لو اتحدا عليّ لفقدت البوصلة.
هذا الصباح جلسا معا في مقهى مُخيّخي يشربان قهوة سوداء داكنة، ويتحدّثان عن موسم جني الزيتون.. قال شيطان اللسانيّات لشيطان النحو: ما رأي (كان) التي تعشقونها في جني الزيتون؟ قال شيطان النحو اسأل عنها خبرها فسيأتيك بالبيان… مدّ شيطان اللسانيات شفتيه للقهوة، وراح يفكّر في المسألة هو يعرف جيّدا عن (كان) وأخواتها وأسمائها وأخبارها معلومات جاسوسيّة عامّة تلقّفها عنها من القمر الاصطناعي، لكنّ شيطان النحو يعرف فساتين (كان) المعلّقة وتفاصيل علاقاتها بأخواتها ويعرف متى يكون الاسم اسمها، ومتى لا يكون، ومتى يكون خبرها بمزاج رائق ومتى لا يكون.. قال اللسانيّ بينه وبين نفسه: شيء ما يجمع بين كان وخبرها والزيتون.. فليس هذا سؤالا عدميّا بكل تأكيد.
كنت ساعتها أمشي كعادتي كل يوم، وأمرّ على حقول الزيتون.. النّسوة جامعات الزيتون المارّات يسلّمن أو يتأمّلن باستغراب في وجه رجل خمسيني لا هو فلاح ولا هو عامل، ويبكّر في طريق الزيتون يهرول كعربة قديمة نفَد بنزينها وبات المنحدر وقودها.
أنا لا أملك في القرية زيتونا، ولكنّي أحسّ بأنّ كل الزياتين ملكي، لأنّي أعيش الموسم بامتلاء.. أعرف كيف يبدأ الجني وأعرف كيف تبكّر النسوة إلى الحقول وأعرف كيف يحرصن على الشّاي أكثر من حرصهنّ على الفطور، وأعرف أنّهن يجدن في العمل مشقّة ولكنّهن يجدن في الزيت إذ يخزّنّه في بيوتهنّ متعة الكدّ من ذات اليمين.. أعرف كلّ ذلك ليس كمعرفتهنّ به، ولكنّي أعرف تفاصيل هذه الحكايات وأعيش بها. حكاياتي مع الزيتونة تبدأ من مرحلة تفكيرها في حمل الحَبّ.. أمرّ بين حقولها صباح مساء وأراها تكبر.. الزيتونة تكبر كما نكبر نحن، لكنّ الشيخوخة لا تظهر عليها إلاّ بعد مئات من السنين تكون أنت قد غادرت وغادر أحفادك والزيتونة باقية معمِّرة. أكثر أشجار بلادي معرفة بتاريخ بلادي هي الزيتونة، هي تعرفه بالتفصيل وتعرف لون الأيادي التي جَمعت حملها وتعرف الأيادي التي قست على جنينها، والأيادي التي حنّت تعرف كلّ شيء.. لكنّنا لا نسألها.. لم يسأل أحد الزيتونة لمَ أنت لا شرقيّة ولا غربيّة مثلا؟
الزيتونة تؤنس البلاد وتزرع الطمأنينة في قلوب المساكين: يقول الناس: «هذا العام زيتونه خير عميم».. يقولون ذلك قبل أشهر من جنيه.. أقول معهم وأفرح لأنّي أعرف أنّ الزيت الذي في الزيتون يضيء نوره، وكلّما أضاء حذف شيئا من الظلام ظلام الخوف من الفاقة.. ظلام لم يعرف غير الله كيف يبدّده.. أمّا البشر فالله والزيتون شاهد عليهم إلى يوم الدين.

قال النحويّ وما الفرق بين (الزيتونة مباركة) و(كانت الزيتونة مباركة) قال اللساني: الفرق في درجة التّجريد: (الزيتونة مباركة هي أكثر تجريدا وخُطاطية و(كانت الزيتونة مباركة) هي أقرب إلى المحسوسيّة منها إلى التجريد.

عدت إلى حوار الشيخين أستمتع.. قال اللساني للنحويّ إن قلت: (كانت الزيتون مباركة) فهل يعني أنّ خبر كان يصدق عليها قديما ثم انقطع؟ كان النحوي يشرب النارجيلة ويشير برأسه أنْ لا، وينظر إلى اللساني بعين من يبخس قيمته.. ثمّ وبعد أن أخرج الدخان من فتحتي أنفه قال: مازال الزيتون مرّا.. قال اللساني: فلم النقص في الفعل إذن؟ ألأنّه لا يفيد الحدث ولا يفيد الزمان فقط كما تدّعون.. ابتسم النحوي وأخرج رقعة من كتاب للإسترابادي وراح يترجم «وذهب بعضهم إلى أنّ (كان) يدلّ على استمرار مضمون الخبر في جميع الزمن الماضي وشبهته قوله تعالى: (وكان الله سميعا بصيرا) وذهل عن أنّ الاستمرار مستفاد من قرينة وجوب كون الله سميعا بصيرا لا من لفظ كان». استمراريّة الخبر في المبتدأ هي أمر إذن مرتبط بالمبتدأ لا بالخبر.. حكمة الله قائمة لأنّ الله مطلق في صفاته والزيتون فيه بعض صفات الاستمرار.
جذب اللساني نفسا من غليونه.. وأراد الانصراف.. مسكته من قميصه وأجلسته حتى ينهي المحاورة لأنّ الطريق ما تزال طويلة والزيتون المبارك الذي لا يحتاج واقعا تزكية من أيّ سلطة يحتاجها لسانيّا. جلس وهو ينظر إلى بقية القهوة في الفنجان.. قال اللسانيّ نحن أيّها الشيخ نؤمن بالعلاقات التركيبية كما تؤمنون ولذلك نرى الأفعال وبقطع النظر عن نقصانها وعن تمامها تدلّ أبرز ما تدلّ في الجمل على علاقات بين طرفين هما الفاعل والمفعول، ولذلك نعتبر الفاعل وما شابهه طرفا أساسيّا في العلاقة ولنقل هو بؤرتها. عدّل النحويّ من عمامته وقال: نحن أيضا نسمّيه عمدة وضحك ثمّ أضاف: حين كان العمدة عمدة. ابتسم اللساني وقال ما يزال للعمدة شأن.. المهمّ يا صديقي أنّ كان ترتبط بين الاسم الزيتون والخبر الصفة، فلذلك نحن نسمّيها محمولا علاقيّا لأنّها تبرز جانبا مهمّا هو العلاقة بين الاسم والخبر هي تبرز فيها علاقة ليست موجودة دونها. قال شيطان النحو ولكنّ العلاقة موجودة من قبل في (الزيتونة مباركة). إسمع قال اللساني.. نحن لا نقول بالأصل والفرعيّة مثلما تقولون نحن نقارن لنصل إلى درجات التجريد والخطاطيّة وليس لنقول قولكم إنّ الناسخ دخل على جملة ليغير معناها.. قال النحويّ وما الفرق بين (الزيتونة مباركة) و(كانت الزيتونة مباركة) قال اللساني: الفرق في درجة التّجريد: (الزيتونة مباركة هي أكثر تجريدا وخُطاطية و(كانت الزيتونة مباركة) هي أقرب إلى المحسوسيّة منها إلى التجريد. نحن لا نناقش الزمان من جهة كونه سيرورة لنرى امتداد اتصاف المبتدأ بخبره أو قلته ؛ نحن نعتبر أزمنة الأفعال حتى التي في (كان) أزمنة تصوّرية من عمل الملكة الذهنية وليس زمنا فعليّا زمن الفعل يختصر ما يحدث في المرجع ويمثله ولا يعنينا إن امتد دهرا أو دهورا.
لم يعجب كلام اللسانيّ النحويّ ولكنّه دفع قهوته وانصرف إلى بيته مغموما يصلّي ويدعو الله أن يغفر له لأنّه جالس لسانيّا ليس مهوسا بالأصل والاستمراريّة.. لكنّه طلب من الله أن يغفر له..
أمرّ على الزيتون راجعا فيغريني قول الناس تبارك الله ويغرينا استغراقهم فيما ينفع الناس في الأرض.. أعوج على الحقل أدخل معهم أمدّ يدي كي أجمع ما تقع عليه قبضتي وأقول زيتونا مباركا.. يبتسم الناس من حولي ويعجبهم شغلي ربما لم يفهموا قولي ولا لمَ نصبت ولم يفكروا في سبب منعي من استعمال (كان) لكنهم واثقون أنّي أريد أن أعينهم. في المساء طرق باب الدار.. خرجت فامتدت لي يدٌ بآنية زيت وقال فمٌ: هذه بركات زيتونتك التي جمعت شيئا منها أخذتها شاكرا ..وكان الشيخان ينامان..

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية